درجة تحت الصفر
ظل الثلج يتساقط بوتيرة خفيفة، يتساقط ويتساقط منذ الليل، حتى وضح النهار.
استيقظ ريان صبيحة ذلك اليوم، وعيناه مغمورتان بالبياض. كان يومه الثلاثاء، الخامس من يناير من العام الجديد. والبالغ ألفين وستة وعشرين. كل شيء يبدو جديدا فعلا، جميلا ومبهرا. هو الذي لم يعهد الشتاء بتلك الطريقة. ولم تر عيناه منظر الثلج منذ أعوام.
يخرج من البيت ليتأمل عن قرب، جمال سحر الأجواء. الأطفال يلعبون. ويصنعون بالثلج كرات صغيرة الحجم، يتضاربون بها، بينما الفرحة تغمر عيونهم. ولأنه ظل حبيس البيت لأيام. وحيث كان المطر قبل ذلك، ليومين متتاليين. قرر الخروج ليمشي قليلا. وليستوعب أنه لا يزال قادرا على المشي لمسافات طويلة. يقولون إن كثرة الجلوس في البيت، تشعر المرء أحيانا، أنه جزء من الأثاث.
مر بزقاق الحي. أثار انتباهه وقع أقدام الناس على البياض. صغيرة كانت أو كبيرة. ويتساءل كم للثلج من توقيع. وهو يمشي. بدأ يحس بخفة دمه. وينتابه الإغماء. ذلك أنه لم يكن في بيته ما يسد به رمقه غير بعض المشروبات الساخنة. وهو الذي فقد شهيته لأيام.
كان يستشعر البرد في كل كيانه. كل شيء جامد خارجا: الشوارع، الأشجار والناس تخطو فوق البياض. أهكذا يكون الموت؟ إنه فصل الشتاء: فصل الصقيع، نعيق الغربان، هبوب الرياح وتساقط الأمطار والثلوج. في ذلك اليوم غطت الثلوج كل الأماكن، بما فيها من بيوت وسيارات. بدأ يرتعد. ورغم أنه يمشي، لكن جسمه لا يصله الدفء. ونسبة حرارة المدينة، تكاد تكون منعدمة تماما.
راق له المرور عبر الجسر لمشاهدة الوادي المحمول والجارف إلى مدن أخرى. من أين للوادي كل هذه السرعة؟ ترى هل أصل إلى بلادي عبر الوادي؟
صار وقت مرور الشاحنات الكبيرة. والمشي بجوانب الجسر أصبح أكثر خطورة. مر إلى الجهة المقابلة لبيته. ولأن البيوت في ملتقى الطرق تكون متباعدة مما يجعل البرد غير محتملا بالمرة. يعبر الطريق للواجهة الأخرى، حيث البيوت مترابطة ببعضها ومتماسكة.
قصد دكان بائع المواد الغذائية. تذكر أنه فقد شهيته لأيام. ويجب عليه استرجاعها. هذه المعدة اللعينةّ. كم يستطيع المرء أن يصمد كثيرا بلا أكل. الأكل، هذه المهمة الضرورة التي تأخذ من وقتك وأنت الذي لا تملك شهية مكتملة.
يسأل صاحب الدكان كعادتهما وهما يمزحان:
– هل زوجتك تتقن الطبخ يا صاح..
-لم تكن تعرف كثيرا في البداية. لقد تعلمت لوحدها عبر الأنترنيت.. لا شيء سهل بالمرة. المطبخ لم يكتب دائما في جبهة النساء يا صاحبي.
-فعلا يا صاح هيهه، أنا لا أدري. يقولون إن المعدة هي السبيل الوحيد إلى قلب الرجل.
-ولكن ما بالك تتفلسف اليوم. أنت جائع يا ريان كعادتك وتهذي.
خذ دوائر البيض أو علب السردين قد تغنيك عن الغرض إلى أن تسترجع قواك أو يعفو عليك الله بامرأة تتقن الطبخ. قد تعلمها أمك. أو الأنترنيت، ليس عيبا في ألا تعرف. العيب في أن ترفض التعلم.
ذكر كلام أمه، كل يا ريان، كل لتستطيع حمل أقدامك إلى الجامعة.
وهو فطريقه للعودة إلى البيت. التقى بصديقه الذي خرج لتوه ليستنشق نسمات الهواء الصافي. وليشرب قهوته برفق. تبادلا هذه المرة أحاديث قليلة وانصرفا كل في وجهته. القهوة، يا إلهي، هذه المؤنسة، الغالية. إنها بهية في المساء، رفيقة خفيفة الظل ورقيقة. إنها سالبة النوم، جالبة للسهر والأرق والأرشيفات القديمة. إنها موقظة في الصباح ومشرقة كالوجه الآخر للشمس. إنها محبوبة ورائحتها أجمل ما يمكن أن ينبعث في هذا الفصل البارد.
الهواء في الليل أنقى وألطف من هواء النهار. المصانع في النهار لا تكف عن الدوران. وحيث دخان السيارات وأزيز الدراجات النارية. العمل لا ينتهي. والوقت لا يسعف. لا أعرف متى يعفو عنا الله هكذا ونخرج لنمشي، أو نجري، أو نلعب الكرة، لا لنشاهدها فقط في المقاهي. على زوجتي مستقبلا، أن نرقص معا، أن نرقص حتى نفقد توازننا. اللعنة على المشاكل الزوجية. تبا، كم أنا وحيد، أنقرض كأخر ديناصور.
دخل البيت وهو يرتجف من البرد. فورا أشعل المدفأة. وإذا برنة الهاتف. كانت أمه تتصل وتسأل أحواله وغيابه. ويطمئنها أنه بخير.
يغلق الهاتف. كان لا بد له من الاستحمام، ليستريح وينام.
كانت الساعة تشير إلى التاسعة ليلا، بينما هو يستعد ليستحم. كان الماء باردا جدا. يفتح صنبور الماء الساخن، بينما يذهب للغرفة ليأتي بالمنشفة. ثم يعود بعد ذلك ليبدأ ليلته ما قبل الأخيرة. ليلة بلا ألف. وكغير باقي الليالي. ليلة غامضة، ساحرة ومبهرة.
بعد مرور بعض الوقت، كان يلاحظ بخار يحوم حوله بكثافة. بدأ يشعر بنفسه كسحابة تطفو فوق الماء. تتصاعد نحو السماء. لم يكن يدري، كان انتحارا بطيئا. وبينما كان البخار يتسلل عبر نوافذه. أبوابه. ولم يجد مخرجا يلوذ به، غير عينه، أنفه وأذنه. كأنها نسمات طفيفة تربت به، لكنها كانت جسيمات سامة، تستحوذ عليه. تجره من يده نحو عوالمها العليا. أهكذا يكون اللقاء مع السماء وما فوق؟
كانت الغيوم في الخارج تعلن عن طوارئ قادمة، بينما هو يتهاوى، يتلاشى من الداخل. يعانق أخر غيمة. تبتلعه الهوة. تجره نحوها. يستجيب لمداها، هواها، بينما حجمه يصغر، يصغر، يصير كقطرة ماء. قطرة تنزلق نحو الأسفل وإلى مدارات مجهولة المعالم. من ذا الذي يعرف إلى أين تحمله روحه. إلى أي عوالم وأي دنيا ثانية. تقلص في وجهه الوجود. وضاقت به السبل. ولم يعد لمداه اتساع.
كان العالم بكل ما فيه يبدو ككذبة. كنكتة مضحكة، مضحكة جدا حد البكاء. وكخشبة مسرح كبير، تستعرض فيه جميع المشاهد، إلا مشهده الوحيد، المنسي. كان الحمام بكثرة البخار الذي يستولي عليه يبدو كبيت معتم، أو كحفلة شواء.بدأ ريان ينتابه الشك. بدأ يشعر بشيء لا يعجبه بالمرة. تتسارع نبضات قلبه. ويسرع لفتح النافذة. ليكتشف أنه يتنفس بصعوبة فائقة. وفورا يفتح عليه الباب أيضا. وبحركات مثقلة يأخذ المنشفة. ليخرج دون أي حرج. وكأن كل ما يهم في تلك اللحظة المميتة هو ستر عورته.
يخرج من ذلك العدم. من ذلك السراب. ذلك السهل الهاوي السقوط. يمشي مهرولا، مخنوقا، مذبول الخطوات. يستلقي في سريره، يتحسس أنفاسه. يطلب النجدة. يحمل هاتفه بارتعاش شديد. ويتصل بصاحبه ماجد. ليأتي هو الأخر مذعورا ومرعوبا. يحمله لسيارته كما لو كان يحمل ريشة حمام. كان أخف، أخف من الهواء.
يشغل ماجد السيارة ويذهب به مسرعا للمستشفى، بينما ريان في الكرسي المجاور له يلفظ أنفاسه الأخيرة. ويموت ببطء. كانت الطريق فارغة. غير حارس أمن الذي يستوقفه للحظات. ليخبره أن الحالة طارئة وجد مستعجلة.
بعد ربع ساعة من الطريق، يصلان للمستشفى. يحمله بيديه. ويتجه به فورا إلى غرفة الأكسجين. تدخل الممرضة هي الأخرى. ويقول لها بكل سهولة وباختصار
-لقد اختنق في الحمام…
تأتي الممرضة بأنابيب التنفس، تضعها في أنفه. وتطلب منه الانتظار خارجا.
وهو ينتظر، يتساءل هل ساعة من الانتظار يمكن أن تكفيه ليستعيد أنفاسه. المسكين. لا يزال شابا في مقتبل العمر. أه يا صديقي، يا ريان. ما سيكلفه غيابك هكذا. قد ترحل للأبد، لكن الحزن سيخيم في قلبي كلما تذكرتك. لا تزال أمنياتنا عالقة أيها الأبله. لقد اتفقنا أن نزور معا مدن كثيرة. ما أجمل الأماكن التي تحدثنا عنها.
ترى كيف ستمضي بقية حياتك؟ هل يتوقف عمرك عند هذا الحد؟ هل تعود طفلا صغيرا؟ أم تغذو شيخا كبيرا؟ أيكون هذا أخر لقاء بيننا؟ ربما نلتقي في أمنية أخرى، في وقت أخر أقل زحمة من هذه. حيث لا اختناق ولا موت ولا مرض. حيث لا وجع ولا انتظار. حيث لا حضور ولا غياب ولا عتاب. حيث لا قلق ولا حزن ولا دموع.
وليلي. هذه المدينة التي تحدث لي عنها بشوق. كنا قد اتفقنا أن نمر عبر أقواسها وطرقاتها. ونشاهد لوحاتها الأسطورية. أن نحس بشيء ما هناك، بمعنى الخلود والأبدية. أه يا صديقي، ليس بعد. لا ترحل. لا تجعلني أزورها وحدي. أبلغها سلامك.
لماذا بسبب الحماقات الصغيرة كهذه وتلك، تلغى مواعيد كثيرة للأبد؟ مواعيد قد تكون استثنائية ورائعة. لماذا يولد الإنسان وثم يموت هكذا فجأة دون وداع ولا استئذان؟ ثمة دائما هذه المفارقة. وإن يكن لا بد أن يحيى الباقون بعدهم كأن شيئا لم يكن. أن يتنفسوا بعمق. أن يتعلموا أن يفرحوا مجددا وأن يقمعوا الأحزان. أن ينتشلونها كما تنتشل النبتات السامة من الحقول. وكما ينقى الثوب من الدنس.
سحقا للحمام الذي أودى بحيوات عديدة. ولسوء تدبير وسائل التكنولوجيا المميتة. والتي تجعل الإنسان يخطو بعيون منفتحة إلى سحق الذات وتعذيبها دون قصد.
كان ريان مستلقيا في السرير. لقد بدأ أخيرا يتنفس ببطء. يسترجع استقرار نبضات قلبه. يستعيد حركات جسمه المتجمد. ويرتجف من شدة البرد. يتحسس الغطاء من حوله. يستعيد حرارة جسمه، بعدما كان قد سقط سقطة الثلج.
الشاعر أنور الخطيب لمجلة أزهار الحرف حاورته من فلسطين روان شقورة
حوار مع روان شقورة 1- نحن نعلم ميلاد الخطيب في لبنان وهو فلسطيني الهوية، فهل ترى أن الوطن هو الجذر...
اقرأ المزيد


















