السيد صادق علي شهاب الدين الحسيني فانكاد لمجلة أزهار الحرف
__
في زمنٍ تتقاطع فيه السياسة بالثقافة، وتتشابك فيه الأسئلة المتعلقة بالهوية، والتعليم، والعمل الإنساني، يبرز اسم السيد صادق علي شهاب ثَنْغَل بوصفه أحد أبرز القيادات السياسية والاجتماعية في ولاية كيرالا، ورئيس الاتحاد المسلم الهندي (IUML)، وصوتًا فاعلًا في الدفاع عن التعددية، وخدمة الإنسان، وتعزيز دور الثقافة في بناء المجتمعات.
عرف عن السيد شهاب ثَنْغَل حضوره المؤثر في ميادين التعليم، والعمل العام، والمبادرات الإنسانية، سواء داخل الهند أو خارجها، عبر شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والثقافية والاجتماعية، التي تسعى إلى الجمع بين الأصالة والانفتاح، وترسيخ قيم الحوار، والعدالة، والكرامة الإنسانية.
ومن هنا، كان لمجلة أزهار الحرف أن تحاوره، في حوارٍ موسّع تناول رؤيته لدور المؤسسات التعليمية والثقافية، وتجربة الاتحاد المسلم الهندي في العمل الإنساني، ومشاريع توثيق التاريخ المحلي، إضافة إلى قضايا اللغة، والهوية، والعمل الجاليوي، ومسؤولية الشباب في زمن التحولات الكبرى.
هذا الحوار من إعداد وإجراء
الدكتور زين العابدين كوكانتشيري
عميد كلية أيديال للعلوم والفنون – كيرالا، الهند
وتمّ نشرالحوار بواسطة
الدكتورة جيهان الفغالي
بموافقة رئيس التحرير ناصر رمضان عبد الحميد
وإلى نص الحوار
***
س: تترأسون عددًا من المؤسسات التعليمية والثقافية البارزة، من بينها جامعة دار الهدى الإسلامية في تشمّاد، وهيئة تنسيق الكليات الإسلامية، وجامعة نورِيّة العربية، إلى جانب مئات الجامعات والكليات الإسلامية وغير الإسلامية في الهند وخارجها. كيف تقيّمون دور هذه المؤسسات مجتمعة في تعزيز اللغة والثقافة، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، ولا سيّما في مجالات التبادل الثقافي، والترجمة، والأنشطة الفكرية المتنوعة؟
ج: ننظر إلى هذه المؤسسات التعليمية والثقافية بوصفها منصّات حيوية لصناعة الإنسان الواعي، القادر على الجمع بين الأصالة والانفتاح. فجامعة دار الهدى الإسلامية في تشمّاد، وهيئة تنسيق الكليات الإسلامية، وجامعة نورِيّة العربية، وغيرها من المؤسسات الشريكة، تعمل ضمن رؤية واحدة تهدف إلى خدمة اللغة، والثقافة، والمعرفة، وترسيخ قيم التعددية والحوار الحضاري داخل الهند وخارجها.
ومن أبرز ثمار هذه الجهود مشاركة طلبة دار الهدى في برامج التبادل الثقافي الدولي، حيث أسهموا في تقديم صورة حضارية عن الهند وثقافتها الإسلامية المتسامحة، وتعلّموا في الوقت نفسه من تجارب شعوب وثقافات أخرى. كما نعتزّ بتحقيق طلبتنا المرتبة الأولى في مناظرات قطر، وهو إنجاز يعكس المستوى الأكاديمي واللغوي الرفيع، وقدرتهم على الحوار العقلاني بلغة عالمية رصينة.
وفي مجال الترجمة، قام طلاب وباحثو هذه المؤسسات بترجمة العديد من المؤلفات الهندية إلى اللغتين الإنجليزية والعربية، بما أسهم في تعريف العالم بالإنتاج الفكري والأدبي الهندي، وتعزيز التواصل الثقافي بين الشرق والغرب. ونحن نؤمن بأن الترجمة ليست نقلًا لغويًا فحسب، بل فعلٌ حضاري يفتح آفاق الفهم المتبادل ويخدم الإنسانية جمعاء.
إلى جانب ذلك، تنفّذ هذه المؤسسات أنشطة ثقافية وفكرية متنوّعة، تشمل الندوات الدولية، والمؤتمرات العلمية، والمهرجانات الأدبية، والمسابقات اللغوية، وبرامج الحوار بين الأديان والثقافات. ومجمل هذه الجهود يؤكّد قناعتنا بأن التعليم والثقافة هما أقوى أدوات بناء السلام، وأن خدمة اللغة—بجميع أشكالها—هي خدمة للإنسانية في الهند والعالم.
س: أُقيم في ملابّورم «نُصُب نضال اللغة» تخليدًا لذكرى مجيد، ورحمن، وكنجيبا، الذين استُشهدوا برصاص الشرطة أثناء احتجاجهم ضد حكومة كيرالا الشيوعية دفاعًا عن اللغة العربية وغيرها من اللغات في الولاية. كيف تقرأون دلالة هذا النصب، وما مكانة تلك الحركة في الذاكرة الثقافية والسياسية لكيرالا؟
ج: إن نُصُب نضال اللغة في ملابّورم ليس مجرد معلمٍ تذكاري، بل شهادة حيّة على مرحلة مفصلية من تاريخ كيرالا الثقافي، حين وقف أبناء المجتمع دفاعًا عن التعدد اللغوي وحقهم في الحفاظ على لغاتهم وتراثهم المعرفي. استشهاد مجيد، ورحمن، وكنجيبا خلال تلك الاحتجاجات السلمية يذكّرنا بأن قضية اللغة لم تكن مسألة تعليمية فقط، بل قضية كرامة وهوية وحرية ثقافية.
لقد جسّدت تلك الحركة وعيًا مبكّرًا بأهمية العربية وسائر اللغات في النسيج الحضاري لكيرالا، ورفضًا لأي محاولات للإقصاء أو التهميش الثقافي. والنصب اليوم يخلّد تضحيات جسيمة قُدّمت من أجل أن تبقى كيرالا أرضًا للتنوّع والانفتاح، حيث تتعايش اللغات والثقافات في إطار من الاحترام المتبادل.
ونرى في هذا المعلم رسالةً للأجيال الجديدة بأن الحقوق الثقافية تُصان بالنضال السلمي والوعي الجماعي، وأن حماية اللغة هي حماية للتاريخ والمعرفة والهوية. كما يؤكّد أن التعدد اللغوي كان ولا يزال مصدر قوة لكيرالا، وأن دماء أولئك الشهداء ستظل تذكيرًا دائمًا بأن الثقافة لا تُفرض، بل تُحترم وتُحمى.
س: نفّذ الاتحاد المسلم الهندي مشروعًا إنسانيًا لبناء مئات المنازل في منطقة واياناد لصالح المتضرّرين من الفيضانات والانهيارات الأرضية. كيف تقيّمون هذا المشروع من حيث أبعاده الإنسانية والتنموية، وما دلالته في سياق مسؤولية العمل السياسي تجاه الكوارث الطبيعية؟
ج: مشروع الإسكان الذي نفّذه الاتحاد المسلم الهندي في واياناد هو تعبير صادق عن التزامنا الأخلاقي والوطني بالوقوف إلى جانب أبناء شعبنا في أوقات الشدّة. فالفيضانات والانهيارات الأرضية خلّفت معاناة إنسانية كبيرة، وكان من واجبنا أن ننتقل من التعاطف إلى الفعل، وأن نوفّر للمتضرّرين مأوى آمنًا يعيد إليهم شيئًا من الاستقرار والكرامة.
بناء مئات المنازل لم يكن مجرّد استجابة إغاثية طارئة، بل خطوة مدروسة نحو إعادة التأهيل والتنمية الاجتماعية، حيث حرصنا على أن تكون البيوت صالحة للسكن الكريم، وتراعي احتياجات الأسر، وأن تُنفّذ بروح الشراكة بين الحزب والمؤسسات الخيرية والمتطوّعين.
هذا المشروع يعبّر عن فهمنا لدور العمل السياسي بوصفه خدمةً عامة، لا تقتصر على الخطاب أو المطالب، بل تتجسّد في مبادرات ملموسة تمسّ حياة الناس مباشرة. كما يؤكّد أن التضامن الإنساني فوق كل الاعتبارات، وأن الوقوف مع المتضرّرين من الكوارث الطبيعية هو واجب وطني وأخلاقي.
س: في ظل قيادتكم، أُطلق في مقاطعة ملابّورم مشروعٌ لتوثيق التاريخ المحلي، بدءًا من قرية كاروڤراكُنْد. ما الدوافع الفكرية والثقافية وراء هذه المبادرة، وما الرسالة التي تودّون إيصالها، خصوصًا إلى جيل الشباب؟
ج: ينطلق هذا المشروع من إيماننا بأن التاريخ ليس حكرًا على الأحداث الكبرى أو الشخصيات المعروفة، بل هو حكاية الناس، وحياة القرى، وتجارب المجتمعات المحلية التي صنعت الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي عبر الزمن. وقد لاحظنا أن كثيرًا من الروايات المحلية أُهملت أو قُدّمت بصورة مجتزأة، ما يستدعي جهدًا علميًا وأخلاقيًا لإعادة الاعتبار لذاكرة المكان والإنسان.
مبادرة اتحاد الشباب المسلم في ملابّورم، التي بدأت بقرية كاروڤراكُنْد، تهدف إلى ترسيخ ثقافة كتابة التاريخ من القاعدة، بالاعتماد على الأرشيفات والروايات الشفوية والسجلات المحلية، وبمشاركة أبناء المنطقة أنفسهم. فالكتاب «الطرق التي سارت عليها الأرض: التاريخ المحلي لكاروڤراكُنْد» لا يكتفي بتوثيق الأحداث، بل يقرأ التحولات الاجتماعية والحِرَف التقليدية وأنماط الهجرة والحياة الزراعية وحركات المقاومة والمسار السياسي بعد الاستقلال.
رسالتنا، وخصوصًا إلى الشباب، أن معرفة الجذور شرطٌ لفهم الحاضر وبناء المستقبل. فحين يعي الشاب تاريخ منطقته، يتعمّق شعوره بالانتماء والمسؤولية، ويتعامل مع واقعه بوعيٍ نقدي ومتوازن.
س: شهدت ولاية البنجاب افتتاح مركز شهاب ثَنْغَل الثقافي، الذي تفضّلتم بتدشينه وإهدائه إلى الوطن. كيف تقيّمون أهمية هذا الصرح الثقافي خارج كيرالا، وما الدور الذي تتوقعون أن يؤديه في تعزيز التواصل والوئام بين كيرالا والبنجاب؟
ج: يحمل افتتاح مركز شهاب ثَنْغَل الثقافي في البنجاب دلالة تتجاوز حدود الجغرافيا، فهو تعبير عملي عن إيماننا بأن الثقافة قادرة على أن تكون جسرًا للوحدة والتقارب بين الشعوب والمناطق المختلفة في وطنٍ متعدّد الثقافات كالهند. هذا المركز أُنشئ ليكون فضاءً حيًّا للتلاقي الثقافي وترسيخ قيم التعايش والاحترام المتبادل.
نراه جسرًا يربط بين كيرالا والبنجاب، ويُبرز القواسم الإنسانية المشتركة بينهما، سواء في تقدير التعليم أو الاعتزاز بالهوية أو روح التضامن الاجتماعي. كما أن وجود مسجد ومرافق ثقافية ضمن هذا الصرح يرمز إلى التكامل بين البعد الروحي والثقافي، ويعكس رسالة الإسلام القائمة على السلام والخدمة العامة.
س: يولي الاتحاد المسلم الهندي اهتمامًا خاصًا بالمكتبات والمراكز الثقافية التي تحمل أسماء قادته التاريخيين. كيف ترون دور هذه المؤسسات في حفظ الذاكرة الوطنية وتعزيز الوعي الفكري لدى الأجيال الجديدة؟
ج: نؤمن بأن الثقافة والمعرفة هما الركيزة الأساسية لأي نهضة مجتمعية. إن إنشاء المكتبات والمراكز الثقافية بأسماء قادتنا التاريخيين ليس مجرد تكريم رمزي، بل ربط واعٍ بين الجيل الحاضر وإرثٍ فكري وسياسي وأخلاقي أسهم في صون التعددية وبناء الهند الحديثة.
هذه المؤسسات تحفظ الذاكرة الجماعية، وتتيح المعرفة، وتشجّع القراءة والبحث، وتغرس قيم المواطنة، والاعتدال، والحوار، والانفتاح الفكري، بما يسهم في إعداد جيلٍ واعٍ بجذوره وقادرٍ على التفاعل الإيجابي مع تحديات العصر.
س: ينظّم اتحاد الشباب المسلم في ملابّورم مهرجان «ما» (Ma’ Festival). ما الذي يميّز هذا المهرجان، وكيف يسهم في ترسيخ الهوية الثقافية والانتماء الحضاري لدى الشباب؟
ج: مهرجان «ما» تجربة ثقافية رائدة تعبّر عن وعي الشباب بأهمية الثقافة والفنون في بناء الإنسان. يتميّز بتعامله مع التراث بوصفه طاقة حيّة قابلة للتجديد، من خلال الأدب والمسرح والموسيقى والفنون والحوار الفكري.
يسهم المهرجان في خلق فضاء مفتوح للتعبير عن الهوية بثقة ووعي، ويعزّز روح الانتماء، ويؤكّد أن الحفاظ على الجذور لا يتعارض مع الانفتاح على العالم.
س: أنشأ اتحاد الشباب المسلم وحدة المتطوّعين «الحرس الأبيض». كيف تقيّمون هذه التجربة، وما الرسالة التي تحملها في أوقات الأزمات؟
ج: تجربة الحرس الأبيض تمثّل أحد أنبل وجوه العمل الشبابي والإنساني، حيث تأسّست على مبدأ أن خدمة الإنسان في لحظات ضعفه مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون واجبًا تنظيميًا. وقد كان متطوّعوها في الصفوف الأولى خلال الكوارث الطبيعية، يقدّمون العون دون تمييز.
رسالة الحرس الأبيض أن الشباب قادرون على أن يكونوا عنصر أمان وبناء، وأن قيم الرحمة والانضباط والعمل الجماعي يمكن أن تتحوّل إلى قوة فاعلة في مواجهة الأزمات.
س: تحوّل مركز كيرالا الثقافي الإسلامي (KMCC) إلى شبكة عالمية. كيف تنظرون إلى هذه التجربة؟
ج: تجربة KMCC ثمرة رؤية آمنت بأن أبناء كيرالا في المهجر سفراء لقيمهم الثقافية والإنسانية. وقد جمع المركز بين العمل الثقافي والاجتماعي والإنساني، وكان جسرًا يربط الجاليات بوطنها الأم، ويعزّز التعايش الإيجابي مع مجتمعات الإقامة.
نؤمن بأن العمل الجاليوي الناجح هو الذي يحافظ على انتمائه دون انغلاق، ويتفاعل مع الآخر دون ذوبان، وأن الثقافة يمكن أن تكون جسرًا لا جدارًا.
س: أطلق الاتحاد مشروع «بيتُ الرحمة» الذي تجاوز عشرة آلاف منزل. كيف تنظرون إلى هذا المشروع وما رمزية إطلاقه باسم السيد محمد علي شهاب ثَنْغَل؟
ج: مشروع «بيتُ الرحمة» تجسيد عملي لقيم الرحمة وصون كرامة الإنسان، وبلوغه أكثر من عشرة آلاف منزل يعكس روح التضامن الاجتماعي. أما إطلاقه باسم السيد محمد علي شهاب ثَنْغَل، فهو وفاء لقيم جسّدها في حياته، حيث كان يؤمن بأن خدمة الفقراء وبناء المأوى للضعفاء من أعظم صور العمل الإنساني.
نرى في «بيتُ الرحمة» رسالة أمل، ونموذجًا يثبت أن السياسة والعمل الاجتماعي يمكن أن يلتقيا على أرضية القيم الإنسانية، وأن السكن حقّ أصيل يحفظ للإنسان أمنه وكرامته.
اختصار الرجولة في الجنس /د. منى حلمي
د . منى نوال حلمى / مصر ================ اختصار الرجولة فى قوة الأداء الجنسى ====================================== حياة العرب كلها تنافضات فى...
اقرأ المزيد



















