وعسى…
وعسى أن يأتيك القادم خفيفًا، لا يطرق بابك بعنف، بل يمرّ من قلب النهار كما تمرّ الفكرة الجميلة في رأس متعب. أن يحمل الفجرُ صلاته إلى عينيك، لا ليوقظك فقط، بل ليطمئنك أن الضوء لم ينسَ طريقه إليك، وأن المطر حين يلمس جبينك يأتي من صفاء الغيم، لا من غبار الخيبة.
وعسى أن تتعلّم الطرقات خطواتك، فتنبت تحتك بدل أن تُرهقك، وأن تكفّ الورود عن الانكسار في انتظار لا يُجدي. أن تنطق الحياة اسمك بتهجئةٍ بطيئة، كما ينادي الوليد أمَّه أول مرة، بلا خوف، بلا معنى مكتمل، لكن بكل اليقين.
وعسى أن تُفتح لك أبواب لم تفكّر يومًا أن تطرقها، لأنك كنت مشغولًا بالمشي لا بالهروب، بالدهشة لا بالقلق. أن تشبه الضوء حين يمدّ كفّه للسنابل، في لحظة تواطؤ صامت بين الشمس والقصيدة.
وعسى أن تسكنك المدن التي أحببتها، لا كغريبٍ يبحث عن ملامحه، بل كذكرى يعرفها الجميع حين يتعبون. أن يصير حضورك ظلًّا باردًا في قيظ الأيام، وأن يتذكّر الناس قربك كيف كانت الأشجار تتنفّس، قبل أن يصير القلب حجرًا.
وعسى أن يزهر فيك ما ظننتَه ذبل إلى الأبد، أن تنمو داخلك غابات يقين لا تحرقها الرياح، وأن تنسى جراح الأمس كما ينسى الموج قسوته حين يصل الرمل… ويضحك.
وعسى أن يأتي الربيع هذه المرة مختلفًا، لا عابرًا يلوّح ويرحل، بل وطنًا يقيم فيك. أن يُنبت حبًّا لا يشيخ، ويترك على كفّك علامة خفيّة تقول: من هنا بدأت الحياة تُصفّق.
وعسى ألا يخذلك الغد، ولا يخونك الحلم، ولا تطعن الدنيا خاصرة طمأنينتك. وعسى أن تضحك، لا ضحكًا عاليًا، بل ضحكًا يشبه عودة السنونوات، وارتداء الأرض عشبها الجديد، وحياء السماء حين يرضى عنها البحر.
وعسى، يا أنت، أن تمضي دائمًا نحو الأجمل، أن تخرج من حزنك لا منتصرًا عليه، بل متصالحًا معه، كالعنقاء التي تعرف أن الرماد ليس نهاية. وأن تقول للعالم، بهدوء من جرّب كل شيء:
ما متُّ… كنتُ فقط أرتّب قلبي، ليليق بالفرح القادم.
سعيد إبراهيم زعلوك

















