وحْدَةُ القَلْبِ وَمِيثاقُ القَدَر:
قراءةٌ بنيويةٌ في نصّ “هل تعلم ” للشاعرة ياسمين عبد السلام هرموش .
بقلم : د. زبيدة الفول.
هل تعلم؟
قلبي
لا يُجيدُ الترجمةَ إلى لغات،
لغةٌ واحدةٌ تسكنه،
اسمُكَ
نصُّهُ الأعلى
وآخرُ ما أكتبُهُ… بكَ.
قلبي
ليس قابلاً للقسمة،
ولا يعرفُ الشِّرك،
خُلِقَ واحدًا
ليهبَ واحدًا،
ويفنى
إذا انكسرَ العهدُ… فيكَ.
يا واحدًا،
لو قُسِمَ القلبُ ألفًا
لبقيتَ فيه
واحدًا،
لا يقبلُ الشِّرك
ولا ينشقّ… عنكَ.
لكنّ الحبّ
حين يحدث،
لا يستأذنُ الفكرة،
ولا يحترمُ الاتّفاقات،
يجيء
كقَدَرٍ أعمى
ويُقيم… فيكَ.
وأنا…
حين أحببتُك
لم أكن أختار،
كنتُ أُصاب… بكَ.
لماذا تزورني في حلمي؟
هل تظنّ
أنّي خُلِقتُ
لأحيا لحبّك؟
أنّ عمري
وُضعَ قوسًا
لسهمك؟
فأصابَ القلبَ… فيكَ؟
يدُكَ
ليست كفًّا،
بل ميثاقُ قَدَر،
إذا امتدّت
عرفَ الحب
حدودَهُ… عندكَ.
عروقُها
ممرّاتُ دمي،
سِفرٌ داكن
يكتبُ تاريخَ القلب،
ويرسمُ خريطتَه
دون رأفة،
كأنّ قلبي
خُلِقَ
ليُتلى
على راحتِكَ… إليكَ.
ان اشتقت الي
فافتح قلبك لاسمي
وستجدني مقيمة في نبضك ..
مقدّمة
يأتي هذا النصّ ككائنٍ لغويٍّ مكتفٍ بذاته، لا يطرق باب المعنى من الخارج، بل يستدعي قارئه إلى قلبه مباشرة، حيث اللغة ليست أداةَ تواصلٍ بل قدرًا، والحبّ ليس اختيارًا بل إصابة. هنا لا نقرأ قصيدةً عن العاطفة، بل نصًّا يُشيِّد عالمه وفق منطق داخلي صارم، عالمٍ يقوم على الوَحْدة بوصفها قانونًا كونيًا، وعلى القلب بوصفه نصًّا أعلى، لا يقبل الترجمة ولا الشِّرك ولا الانقسام.
إنّه نصٌّ يتحرّك بين ظاهر الاعتراف وباطن الميثاق، بين الشِّعر والفلسفة، حيث الانزياح لا يُزيّن المعنى بل يصنعه، وحيث الصورة ليست ترفًا بل بنيةً دلاليةً تؤسّس لرؤية وجودية كاملة.
أوّلًا: البنية الدلالية العامة – مركزية «الوَاحِد»
من منظور بنيوي، يقوم النصّ على قطبٍ دلاليٍّ مركزي هو الوَحْدة، وتتفرّع عنه شبكة من الثنائيات الضدية:
• واحد / الشِّرك
• القلب / القسمة
• القدر / الاختيار
• الإصابة / القرار
• العهد / الانكسار
هذه الثنائيات لا تأتي متوازنة، بل محسومة سلفًا لصالح القطب الأوّل. فـ«القلب» في النصّ كيانٌ توحيديّ، أقرب إلى مفهومٍ ميتافيزيقي منه إلى عضوٍ بيولوجي، وهو ما يتجلّى في قول الشاعرة:
«قلبي ليس قابلاً للقسمة،
ولا يعرفُ الشِّرك»
القلب هنا بنية مغلقة، مكتفية، تُقصي الاحتمال، وتؤسّس لنظامٍ دلالي لا يسمح بالتعدّد.
ثانيًا: البنية اللغوية – من اللغة إلى الميتا-لغة
تتعامل الشاعرة مع اللغة بوصفها موضوعًا داخل النص، لا مجرّد وسيط. ففعل «الترجمة» يُستدعى لينفى، فيتحوّل إلى كناية عن استحالة نقل التجربة العاطفية خارج اسم المحبوب.
«قلبي لا يُجيد الترجمة إلى لغات»
بهذا، ينتقل النصّ من اللغة إلى الميتا-لغة: اللغة التي تتأمّل نفسها، وتعلن عجزها أمام فرادة التجربة. الاسم يصبح «النصّ الأعلى»، أي المرجع النهائي للمعنى، وهو مفهوم يتقاطع مع أطروحات البنيوية التي ترى أنّ المعنى يُنتج داخل النسق لا خارجه.
ثالثًا: البنية التصويرية – الجسد بوصفه نصًّا
من أبرز سمات النصّ تحويل الجسد إلى خطاب:
• اليد = ميثاق
• العروق = ممرّات دم / سفر داكن
• القلب = كتاب يُتلى
هذه الاستعارات ليست زخرفًا بل آليات بنائية. فالجسد يُقرأ، يُكتب، ويُتلى، ما يخلق توازيًا بين البيولوجي واللغوي.
«كأنّ قلبي خُلِقَ
ليُتلى
على راحتِكَ»
هنا يبلغ الانزياح ذروته: القلب لا ينبض فقط، بل يُتلى، في إحالة رمزية إلى النصّ المقدّس، بما يرسّخ فكرة التفرّد والقداسة العاطفية.
رابعًا: الزمن والقدر – نفي الإرادة
يُبنى الزمن في النصّ على منطقٍ قدريّ، لا سببيّ. الحبّ «يحدث» ولا يُختار، «يجيء» ولا يُستدعى.
«لكنّ الحبّ
حين يحدث،
لا يستأذنُ الفكرة»
هذا النفي للإرادة يعمّق البنية التراجيدية للنصّ: الذات ليست فاعلة بل مُصابة، وهو ما يحوّل التجربة العاطفية إلى قدرٍ أعمى، وفق توصيف الشاعرة نفسها.
خامسًا: الصوت الشعري – الأنا في مواجهة المطلق
الصوت الشعري هنا أحادي، لكنه غير مغلق؛ إنّه «أنا» تواجه مطلقًا متجسّدًا في «أنت». لا حوار فعلي، بل خطاب اعترافي يتّخذ طابع التلاوة. السؤال الوحيد:
«لماذا تزورني في حلمي؟»
ليس سؤال معرفة، بل سؤال دهشة وجودية، يؤكّد استمرارية الحضور حتى في اللاوعي، ما يعمّق هيمنة الآخر داخل البنية النفسية للنصّ.
خاتمة
في هذا النصّ، لا نخرج من الحبّ إلى العالم، بل ندخل من العالم إلى الحبّ بوصفه نظامًا كونيًا مغلقًا. إنّه نصٌّ يشبه دائرةً محكمة، كلّ مفردة فيه تعود إلى مركزها: الوَاحِد.
القلب هنا ليس مكانًا للعاطفة فحسب، بل معبدًا دلاليًا، والاسم ليس علامةً لغوية بل قدرًا مكتوبًا، واللغة ليست وسيلة بل مصيرًا.
هكذا تُقيم ياسمين عبد السلام هرموش نصّها على حافة الشعر والفلسفة، حيث العاطفة تفكّر، والفكرة تنزف، وحيث الحبّ لا يُقال… بل يُتلى.



















