الجمعة 2/1/2026… حينُ يصيرُ الوداعُ وعدًا بالعودة
في صباح الجمعة، الثالث من كانون الثاني 2026، وقفتُ أمام حقائبي لا لأغادر مكانًا، بل لأحمل وطنًا كاملًا في صدري. كنتُ أُغلق السحّاب على الملابس، وأفتح في القلب ألف نافذةٍ للحنين. غادرتُ مصر جسدًا، وبقيتُ فيها روحًا؛ لأن بعض الأمكنة لا تُزار، بل تُسكن، ومصر من هذا الصنف النادر الذي يتحوّل من جغرافيا إلى وجدان.
اختلجت داخلي مشاعر متداخلة كأمواج النيل: فرحُ الأمنية المتحقّقة، وسعادة الاكتشاف، ودهشة الحضارة التي لا تشيخ، وإحساس الانتماء العربي الذي ازداد رسوخًا، كأن القاهرة أعادت ترتيب هويتي في حقيبة القلب. شعرتُ أنّني لم أمشِ فوق أرضٍ عادية، بل غصتُ في طبقات الزمن، ونبشتُ كنوز الذاكرة، ولمستُ معنى النضال الذي حوّل الألم إلى تاريخ، والتاريخ إلى كرامة. هنا تعلّمتُ أنّ مصر لا تحفظ الماضي في المتاحف فقط، بل تزرعه في الشوارع، وتسقيه بضحكة الناس، وتجعله خبزًا يوميًّا للروح.
وفي ذروة هذا الامتلاء، جاء تتويج الرحلة أدبيًّا وإنسانيًّا؛ حين التقيتُ بالدكتور الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد وزوجته الكريمة السيدة أزهار جابر. هناك، لم أشعر أنني ضيفة، بل ابنة بيت ثقافي واسع، يحتضن الحرف كما يحتضن الإنسان. تكريمي، توقيع كتبي، والانتماء إلى ملتقى الشعراء العرب لم تكن لحظات بروتوكولية، بل كانت طقس عبورٍ من مرحلة إلى مرحلة، ومن حلمٍ فردي إلى رسالة جماعية. وزاد الفرح اكتمالًا بلقائي بالأديبة اللبنانية جنان خرباني، التي شكّلت حضورًا أخويًّا دافئًا، فأعادت للغربة معناها الجميل: أن نجد أنفسنا في وجوه تشبهنا روحًا.
الكلام يطول ولا ينتهي، لأن هذه الأيام من العمر لا تُختصر، بل تُحفظ في صندوق الذاكرة الثمينة. شكراً مصر، من القلب، لأنكِ منحتِني طيفًا واسعًا من المشاعر: فرحًا، انبهارًا، أمانًا، وسلامًا داخليًّا. شكرًا لشعبكِ العظيم، الذي قدّم لي البهجة ولو بابتسامة عابرة، لكنها وصلت إلى قلبي كرسالة محبة خالدة. وشكرًا من الروح للدكتور ناصر رمضان والسيدة أزهار، أنتما أهلٌ للكرم بمعناه العميق؛ أعطيتُماني كنزًا من المعنى والانتماء سيلازمني العمر، ولن يبهت بمرور الزمن. جميلكما أحمله معي كتعويذة نور في دروب الحياة.
سلامًا لمصر… لا أودّعكِ، لأن من يعرفكِ لا يستطيع الابتعاد عنكِ طويلًا. هذا ليس وداعًا، بل فاصلة قصيرة في جملة حبّ طويلة. لقاؤنا قريب، بإذن الله، فالأحضان التي تعلّم القلب معنى الوطن، لا تُغلق أبوابها أبدًا.


















