الشّاعرة فاطمة حسين الساحلي… حين تصير اللّغة موقفًا…
ليست فاطمة حسين الساحلي شاعرةً تكتب من هامش التّجربة، بل صوتٌ ينهض من صميم المكان واللّغة والهويّة. ابنة أنصار في قضاء النبطيّة، جنوب لبنان، تنتمي إلى جغرافيا مشبعة بالتّاريخ والذّاكرة والمقاومة الثقافيّة، فجاء شعرها امتدادًا واعيًا لهذا العمق، لا بوصفه حنينًا، بل فعل حضور.
تدرّس اللغة العربية بوصفها رسالة لا مهنة، متنقّلة بين ثانويّة الشّهيد مصطفى شمران وثانويّة أبي ذر الغفاريّ، في مؤسّسات أمل التربويّة، حيث تمارس فعل التّربية بوصفه شريكًا للقصيدة. وفي الإعلام، وسّعت فضاء اللّغة من الصفّ إلى الأثير، فكانت لها بصمة إذاعيّة عبر برنامج “لؤلؤة اللّغات” على إذاعة الرسالة، وبرنامج تلفزيوني هو “شاعرات فاطميات وأقلام فاطميّة” على قناة الإمام الحسين (ع) الفضائيّة، مسلّطة الضّوء على تجارب الشّاعرات اللّبنانيّات وإعادة الاعتبار للصّوت النّسويّ في المشهد الشعريّ.
ثقافيًا، تنتمي الساحلي إلى أكثر من فضاء أدبي فاعل؛ فهي عضو في الحركة الثقافيّة في لبنان – فرع النبطيّة، وعضو في نادي القرّاء – أنصار، كما تحضر في المشهد العربيّ من خلال عضويّتها في ملتقى الشّعراء العرب وارتباطها بـ مجلّة أزهار الحرف، حيث تتقاطع القصيدة مع النقد والحوار الثقافيّ الأوسع.
شاركت وتشارك في مهرجانات شعريّة داخل لبنان وخارجه، ليس بوصفها صوتًا احتفاليًّا، بل تجربة ناضجة تراكمت بين المنبر والكتاب. صدر لها ديوانان شعريّان: “مهلًا أيّها القدر” و”همسات في أذن الزّمان”، ونالت من خلالهما أوسمة وتكريمات من منتديات شعريّة متعدّدة، إلى جانب إطلالات تلفزيونيّة واستضافات ثقافيّة عربيّة.
وقد توّج مسارها بلقب “شاعرة جبل عامل” الّذي أطلقه عليها الشّاعر والنّاقد الكبير السيّد محمد حسن الأمين، إثر قصائد ألقتها بحضوره، من بينها قصيدة “أنوثتي”، في ندوة علّيّة جبل عامل الثقافيّة في مجدل سلم، وسط حضور دينيّ وثقافيّ وشعريّ مرموق.
اليوم، تستعدّ فاطمة حسين الساحلي لإصدار ثلاثة دواوين جديدة تتوزّع بين الوطنيّات والوجدانيّات والغزل، مؤكّدة أنّ القصيدة لديها لا تزال مساحة مفتوحة للأسئلة الكبرى، وأنّ اللّغة حين تُحمل بصدق، قادرة على أن تكون بيتًا، ومرآة، وموقفًا في آنٍ واحد.
وعلى ضوء هذا المسار الشّعريّ والإبداعيّ، كان لمجلّة أزهار الحرف معها هذا الحوار
حاورتها جميلة بندر
————————-
1.في شعركِ، تحضر اللّغة بوصفها كيانًا أخلاقيًا لا أداة تعبير فقط. متى تحوّلت القصيدة لديكِ من قولٍ جماليّ إلى موقف؟
. بدايةّ، شكرًا كثيرًا لكِ على هذه المقدّمة الفيّاضة بالجمال.. والشّكر أيضًا لمجلّة أزهار الحرف بشخص رئيس تحريرها الشّاعر ناصر رمضان عبد الحميد.
. القصيدة بالطّبع هي ذلك الجمال المنساب في قلم كلَّ شاعر بما تحمله من رموز وخيال تنمّ عمّا في داخله. بالنّسبة لي القصيدة موقف ورسالة وقضيّة أيضًا.
فالموقف هو سيّد الكلمة ومنه تنطلق الرّسالة لتصبح قضيّة تهتزّ لها العواطف والمشاعر.
2.أنتِ ابنة جبل عامل، منطقة مثقلة بالذّاكرة والتّاريخ. كيف يشتغل المكان في نصّكِ: كجذرٍ هويّاتي أم كضغطٍ جماليّ يستدعي المقاومة بالكتابة؟
– أشكركِ كثيرًا على هذا السّؤال، وكأنّكِ تسكنين في داخلي وتدركين أغواره.
أوّل قصيدة سطّرتها في كتاباتي كانت عن الجنوب (جبل عامل). عن الأرض الّتي يفوح أريج ترابها عند سقوط أوّل قطرة ماء؛ حين يعلن فصل الشّتاء قدومه.. الأرض الّتي ترعرعنا في أحضانها كالأمّ الحنون .. وعندما بدأت أولى مراحل حياتي وإذ بالعدوّ الصّهبونيّ ينقضّ عليها كالوحش الكاسر يقضم فيها الأخضر واليابس بأنيابه القاسية .. شباب في عمر الورود يسقطون شهداء.. يغرسون أرواحهم في ترابه .. يروونه بدمائهم الزّاكيات .. فراح قلمي يسيل بحبره الفوّار ليسطّر تلك الملاحم والبطولات .. ويعبّر عنها بحزن وعنفوانٍ في آن معًا .. وهنا امتزج جمال الكلمة بالحرف المقاوم.
3.في دواوينكِ الأولى، نلمس توتّرًا بين القدر والزّمن والذّات. هل كانت الكتابة محاولة لفهم المصير أم لمساءلته؟
– لم يكن مساءلة بقدر ما كان عتابًا على القدر الّذي سرق منّي والدتي رحمة اللّٰه عليها .. وأنا بعدُ طفلة صغيرة. فكانت تلك الضّربة أقسى ضربة تلقّيتها في حياتي.. وهذا ما جعلني أواجه كلّ الصّعوبات بقوّة والخروج منها بقوّة أكبر.
4.عنوان ديوانكِ «مهلًا أيّها القدر» يوحي بمواجهة هادئة لا صداميّة. كيف تفاوض الشاعرة قدرها لغويًا؟
. كما أشرت لكِ في السّؤال السّابق .. قصيدة مهلًا أيّها القدر .. كان عتابًا على القدر الّذي سرق منّي أجمل شيء في حياتي ” أمّي” رحمها فكان النّداء أن أقول للقدر مهلًا .. لماذا سرقتها منّي وحرمتني منّي الحنان والأمان؟ لذلك أسميت ديواني الأوّل بعنوان القصيدة .. لذلك هو ليس مواجهة هادئة بل عتاب ونداء لأوّل صدمة تلقّيتها في عمر صغير جدًّا.
5.أُطلق عليكِ لقب «شاعرة جبل عامل» بحضور نقديّ وثقافيّ وازن. ماذا يعني لكِ هذا اللّقب: تتويجًا أم مسؤولية مضاعفة؟
. هذا اللّقب تتويج ومسؤوليّة في الوقت ذاته.. جبل عامل جبل العلماء والعظماء والمجاهدين ..أن أحمل هذا اللّقب يعني أن أكون على حريصة جدًّا ودقيقة أكثر في كلِّ ما أقوم به.
6.في قصيدة «أنوثتي»، بدا الصوت النسوي واثقًا لا احتجاجيًا. هل ترين أن قوة الشعر النّسوي تكمن في الهدوء أم في الصدام؟
. هذه القصيدة هي السّبب في تسميتي شاعرة جبل عامل .. هي ليست صرخة بل حوار بين الأنوثة والحجاب.. بالطّبع بدا الصّوت النّسويّ واثقًا .. وقد احتلّ مساحة كبيرة في كلِّ المجالات .. وفي مجال الأدب الثّقافة والشّعر على وجه الخصوص.
7.لكِ حضور إعلامي إذاعي وتلفزيوني. هل تخشين أن تُستنزف القصيدة حين تقترب كثيرًا من المنبر والإعلام؟
. حضوري في الإعلام سواء في تقديم البرامج أو المقابلات بالنّسبة لي هي منبر داعم للقصيدة وليس استنزافًا.. بل يجعلها سائدة أكثر .. قريبة جدًّا من قلوب عدد آخر من الجمهور.
8.في برنامجكِ «شاعرات فاطميات وأقلام فاطمية»، اشتغلتِ على إبراز أصوات نسوية. كيف تقيّمين اليوم المشهد الشعري النسوي في لبنان: هل نضج أم ما زال يطالب بشرعيته؟
. بحسب رؤيتي الشّخصيّة وبشكل عام .. أصبح الحضور النّسويّ لافتًا جدًّا .. وقد أصبح طاغيًا على السّاحة الشّعريّة وهذا شيء عظيم .. وقد وصل إلى درجة عالية في النّضج والحمدللّٰه.
9.هل ما زال للشعر وظيفة اجتماعية في زمن التّسارع الرقميّ، أم أصبح فعل مقاومة رمزيًّ محدود الأثر؟
. مهما تسارعت الأزمنة وتغيّر العالم ومهما طغى على العصور الزّمن الرّقميّ .. تبقى للقصيدة مكانتها السّامية .. فهي ليست رقمًا ولا عمليّة حسابيّة .. إنّها وحي منزل ..مشاعر تترجم بالحرف والكلمة .. وإن أصبحت مقاومة .. فهي مقاومة للقهر والحزن والدّمعة .. فالشّعر عصب الحياة وجرعة الأمل والطّاقة الإيجابيّة.
10.في نصوصكِ الوطنيّة، لا تحضر الشعارات بل تحضر القيم. كيف تكتبين الوطن دون أن يتحول إلى خطاب جاهز؟
. أشكركِ على هذا السّؤال .. أحيانًا تتحوّل الشّعارات إلى استفزاز وإن صحّ القول إلى النّعرات الطّائفيّة .. فإن لم تحضر القيم في القصيدة الوطنيّة على وجه الخصوص فهي ليست تقطيع وأوزان.
القصيدة الوطنيّة هي خطاب موجّه بالشّكل الصّحيح.. تصويب البوصلة إلى الاتّجاه الّذي يوصلكِ إلى الطّريق القويم.
11.كيف تغيّرت أدواتكِ الشعريّة بين ديوانكِ الأوّل ومشاريعكِ القادمة؟ وما الذي تخلّيتِ عنه بوعي؟
. كلُّ البدايات تبدأ بخطوات خجول .. ثمّ تنضج مع الوقت .. وهكذا حصل معي .. وبما أنّني شخصيّة عصاميّة لم يساندني أحد منذ أن وضعت حرفي الأوّل على سكّة الشّعر .. فقد كانت كتاباتي بحاجة إلى صقل أكثر .. وحين أصدرت ديواني الأوّل كان نابعًا من عفويّة شعريّة وتجربة جميلة جعلت منها خطوة سريعة نحو الانطلاق .. إلى أن وصلت بي الأمور إلى أن أصبح مستشارة للكثير من الواثقين بقدراتي الشّعريّة .. وها أنا اليوم أحظى بموهبة أكثر نضجًا .. كما أنّني لم أتخلّ عن ديواني الأوّل .. ولكن إن أردت العودة إليه فسوف أرمّمه لا أكثر.
12.تستعدّين لإصدار ثلاثة دواوين جديدة. هل تمثّل هذه المرحلة ذروة نضج، أم بداية مساءلة جديدة لتجربتكِ؟
. صحيح أستعدّ لإصدار ثلاثة دواوين متنوّعة في موضوعاتها .. سيكون هناك ديوان شامل يحمل في طيّاته الوطنيّات والغزل والوجدان لن أفصح الآن عن اسمه .. والدّيوان الثّاني ديوان يحمل قصائد دينيّة بعنوان غرس لا شبيه له والدّيوان الثّالث بعنوان لؤلؤة اللّغات وهو عنوان البرنامج الإذاعيّ الّذي كنت أقدّمه عبر أثير إذاعة الرّسالة، يحتوي على قصائد عديدة كلّها تعنى باللّغة العربيّة .. وهذه الدّواوين باكورة أكثر من عشر سنوات.
13.ما الّذي تخشاه الشاعرة فاطمة الساحلي أكثر: صمت اللّغة أم تكرارها؟
. كلاهما.. فالصّمت سوف يؤدّي إلى إهمالها .. أمّا التّكرار فسوف يجعلها مبتذلة.
14.لو طُلب منكِ أن تختصري تجربتكِ الشّعرية بجملة واحدة لا تُجامل القارئ، ماذا تقولين؟
. الصّدق والشّفافيّة، ومخاطبة القارئ من القلب إلى القلب دون تكلّف وابتذال.
15.كونكِ عضوًا في مجلة “أزهار الحرف”، كيف ترين دور المجلّة في دعم الشّعر العربي المعاصر، وفي فتح فضاءات للنقد والحوار الأدبي؟ وهل ترى الشاعرة أن وجود مثل هذه المجلات يشكّل جسراً بين التجربة الفردية للشاعر والمشهد الثقافي الأوسع؟
. شكرًا كثيرًا لهذه المجلّة برئيس تحريرها الاستاذ ناصر رمضان عبد الحميد لما يبذله من جهد في سبيل إحياء الكلمة والثّقافة عبر مجلّة أزهار الحرف .. وهي اسم على مسمًّى .. والشّكر لكِ عزيزتي على ما تقومين به من خلال هذه الحوارات القيّمة في نشر الثّقافة وإحيائها على الدّوام .. فأنت صحافيّة ممهمورة.
16.تنتمين إلى ملتقيات ومجلّات ثقافيّة عربيّة، وعلى وجه الخصوص إلى ملتقى الشّعراء العرب الّذي يرأسه الشّاعر ناصر رمضان عبد الحميد. كيف ترين دور هذه المنصّات والملتقيات اليوم: هل هي حاضنة حقيقية للنصّ وداعمة للتّجربة الفرديّة للشّاعر، أم مجرّد واجهة نشر؟ وهل توفّر مساحة فعليّة للحوار النقديّ والتّجريب الأدبي؟
. لي شرف الانتماء إلى ملتقى الشّعراء العرب الّذي يرأسه الشّاعر ناصر رمضان عبد الحميد الّذي يبذل قصارى جهده مشكورًا على كلِّ ما يقوم به.. هناك بعض المنتديات تنشر أحيانًا كلامًا ما أنزل اللّٰه به من سلطان .. وهناك المنتديات الثّقافيّة الّتي لا تنشر سوى القصيدة الحقيقيّة والكلمة الهادفة كمجلّتكم العريقة.. شكرًا كثيرًا لهذا الحوار القيّم والأسئلة الذّكيّة .. ودمتم منارة للشّعر والثّقافة والأدب.
————————-
حاورتها من لبنان جميلة بندر
عضو بملتقى الشعراء العرب
محررة بمجلة أزهار الحرف.



















