البنية النفسية لمايا يوسف من خلال ديوان «تراتيل المطر القديم»
دراسة نقدية نفسية–جمالية
تمهيد
يمثّل ديوان «تراتيل المطر القديم» لمايا يوسف نموذجًا شعريًا لكتابة الذات في لحظة وعيها الحادّ بالألم والحنين والغياب. فالقصيدة في هذا الديوان لا تؤدّي وظيفة جمالية فحسب، بل تنهض بوصفها ممارسة نفسية واعية، تُعيد من خلالها الشاعرة تنظيم ذاكرتها الوجدانية، وتفكيك توتّراتها الداخلية عبر اللغة والرمز والترتيل.
تنطلق هذه الدراسة من تتبّع البنية النفسية للذات الشاعرة، كما تتجلّى في النصوص، من خلال ثيمات الحب، الغربة، الجسد، الليل، والحنين، مع الوقوف عند آليات الاشتغال النفسي والجمالي التي تحكم بناء القصيدة.
أولًا: تشكّل الذات بين الوعي والجرح
تبدو الذات الشاعرة في الديوان ذاتًا واعية بجرحها، لا تنكره ولا تستسلم له. إنها ذات ترى الألم وتسمّيه، وتُخضعه للكتابة بوصفها فعل سيطرة رمزية. فالقصيدة هنا ليست بكاءً مفتوحًا، بل إعادة صياغة للخذلان في صورة فنية.
يتكرّر حضور ضمير المتكلم بوصفه مركزًا للوعي، لكنه وعي غير مغلق، بل منفتح على الشكّ والتساؤل والتشظّي، ما يعكس حالة نفسية متأرجحة بين الرغبة في التماسك والانجذاب نحو الانكسار.
ثانيًا: الحبّ كاختبار نفسي وجودي
الحب في «تراتيل المطر القديم» ليس حالة وجدانية عابرة، بل تجربة نفسية مركّبة، تختبر من خلالها الذات حدودها القصوى. فالحبيب ليس موضوع رغبة فقط، بل مرآة لهشاشة الأنا، ومصدر قلقها الوجودي.
تظهر في النصوص ثنائية السيطرة/العجز، الامتلاك/الانفلات، ما يكشف عن صراع نفسي داخلي بين الحاجة إلى الآخر والخوف من فقده. ومن هنا، يتحوّل الحب إلى مساحة اختبار للهوية أكثر منه وعدًا بالخلاص.
ثالثًا: الغربة بوصفها حالة نفسية دائمة
الغربة في الديوان لا تُختزل في البعد المكاني، بل تتجسّد بوصفها اغترابًا داخليًا عن الذات والعالم. إنّها غربة مركّبة تتداخل فيها خسارة الوطن، الحبيب، واليقين.
تُسائل الشاعرة الزمن والرحيل، وتضع الذات في مواجهة سؤال الفناء والتحوّل، دون محاولة للهروب من القلق، بل بقبوله بوصفه جزءًا من التكوين النفسي.
رابعًا: الليل كفضاء إسقاط نفسي
يحتلّ الليل مكانة مركزية في الديوان، بوصفه كيانًا نفسيًا حاضنًا. فالليل يتحوّل إلى مساحة اعتراف، وإلى بديل رمزي للأمان الغائب. إنه الزمن الذي تُسقِط عليه الذات مخاوفها، وهواجسها، وأسئلتها المؤجَّلة.
نفسيًا، يمثّل الليل منطقة اللاوعي، حيث تتخفّف الأنا من أقنعتها، وتسمح للهشاشة بالظهور دون مقاومة.
خامسًا: الجسد بين الرمز والتسامي
يحضر الجسد في الديوان بوصفه لغة ثانية، لا أداة إغواء. فهو مساحة التقاء بين الحسيّ والروحي، وقناة للتعبير عن الرغبة والحرمان معًا.
يُقدَّم الجسد ضمن طقس شعري أقرب إلى القربان، ما يعكس نزعة صوفية في البنية النفسية للذات، حيث لا انفصال حادّ بين الجسد والروح، بل تماهٍ يخفّف حدّة الصراع الداخلي.
سادسًا: الحنين بوصفه آلية نفسية
الحنين في «تراتيل المطر القديم» ليس مجرّد استدعاء للماضي، بل آلية نفسية لإعادة بناء الذات. إنه محاولة لترميم التصدّعات الداخلية عبر استحضار ما فُقد، دون ادّعاء استعادته.
من هنا، يتجلّى المطر «القديم» كرمز لذاكرة حيّة، لم تُغلق بعد، وما تزال فاعلة في تشكيل الوعي واللغة.
سابعًا: اللغة كعلاج رمزي
تعتمد الشاعرة لغة تصويرية كثيفة، تقوم على التكرار والترتيل، ما يمنح النص بُعدًا طقسيًا واضحًا. هذا الإيقاع الداخلي يحاكي نبضًا نفسيًا متقلّبًا، ويؤدّي وظيفة تهدئة واحتواء.
اللغة هنا لا تصف الألم، بل تحتضنه، وتعيد تشكيله ضمن نظام جمالي يمنح الذات قدرًا من التوازن.
خاتمة
تُظهر هذه الدراسة أنّ البنية النفسية لمايا يوسف في ديوان «تراتيل المطر القديم» بنية قائمة على وعي الألم لا الاستسلام له، وعلى تحويل الفقد إلى طقس شعري قادر على الاحتواء. فالقصيدة عندها ليست مرآة للجرح فحسب، بل أفق لإعادة تنظيمه، ومجالًا لتسويةٍ نفسية بين الذات وذاكرتها.
إنه ديوان يكتب الحنين لا ليُنهيه، بل ليجعله جزءًا من الهوية، ويؤكّد أنّ الشعر، في أعمق مستوياته، فعل نجاة.
من رحم الألم /مانسيا فراس المعدراني
الِاسْمُ: مَانِيسَا فِرَاسُ الْمَعْدَرَانِي اسْمُ الْأُمِّ: صَفَاءُ الْمَيْسِ رَقْمُ السِّجِلِّ: ١٣ الْقَرْيَةُ: الدَّلْهَمِيَّةُ رَقْمُ الْهَاتِفِ: ٧١٧٤١١٠٣ الصَّفُّ: الثَّامِنُ الأَسَاسِيُّ الْمَدْرَسَةُ:...
اقرأ المزيد


















