عائلة الصديقي: شجرة فنية ضاربة في عمق الهوية المغربية
عندما نتحدث عن عائلة الصديقي، فنحن لا نتحدث عن مجرد أسماء، بل عن مؤسسة ثقافية كاملة أثرت المشهد المغربي في مجالات الفقه، المسرح، الفن، والسينما. هي عائلة خرجت من قلب مدينة الصويرة لتحمل مشعل المعرفة والإبداع إلى العالم أجمع.
الجذور المعرفية: من الفقه إلى الفن
تبدأ هذه السلالة الإبداعية بالفقيه العلامة محمد بن سعيد الصديقي، الذي كان مرجعاً في علوم الدين والفقه، وترك خلفه مؤلفات قيمة تزاوج بين العلم والإيمان. ومن هذا الأصل المتين، تفرعت أغصان فنية عديدة شملت رموزاً وقامات مثل: عزيزي، سعيد، صديق، عبد الرزاق، الطيب، وعبد الهادي الصديقي؛ أسماء حفرت بصمتها في ذاكرة الثقافة المغربية والعالمية.
باشير الصديقي: وريث الجينات الإبداعية
في هذا السياق، يبرز الفنان باشير الصديقي كوارث حقيقي لهذا الإرث الجيني المتشعب. هو حفيد العلامة ونجل الفنان الكبير صديق الصديقي، ووالدته السيدة لطيفة بومزورة، التي عُرفت باهتمامها العميق بالموسيقى الروحية وفن “الحضرة” النسائية.
نشأ باشير في محترف والده، حيث تشرب مهارات التعامل مع الخامة، فبرع في تطويع الخشب والنحاس، محولا إياها من مواد صماء إلى تحف فنية تنطق بالجمال.
حضور متجدد: الدورة الثانية لملتقى النحت والخزف
تأكيدا على حيويته الإبداعية، يسجل الفنان باشير الصديقي حضورا وازنا في الدورة الثانية لملتقى النحت والخزف التي أقيمت مؤخرابمدينة الدار البيضاء. هذا الحدث الفني البارز، الذي تحتضنه المدرسة العليا للفنون الجميلة ويستمر حتى 28 من الشهر الجاري، يمثل منصة تبرز تطور أدواته الفنية وانصهاره في الحراك التشكيلي المعاصر.
وفي لفتة إنسانية وفنية بليغة تعكس عمق الروابط الأسرية، لم يكتف باشير بعرض أعماله الخاصة، بل حرص على إحضار بعض من أعمال والده المرحوم “صديق الصديقي” لتعرض جنبا إلى جنب مع إبداعاته، مما خلق حوارا بصريا بين جيلين ووحد بين الذاكرة والحاضر تحت سقف واحد.
فلسفة التشكيل: من “صاحب الخشب” إلى باشير
يتميز العمل الفني للفنان باشير الصديقي بمزج المدارس العتيقة واللمسات الأفريقية والآسيوية، حيث يسعى لاستخراج الجمال الخفي الكامن داخل المادة. ويرتبط اسم العائلة بلقب تاريخي أطلقه الملك الراحل الحسن الثاني على والد الفنان، وهو لقب “صاحب الخشب”، تقديرا لإبداعه الذي عُرض لأول مرة في “باب الرواح” عام 1965. واليوم، يعيد التاريخ نفسه مع باشير الصديقي، الذي يخط مساره الخاص كفنان ومصمم، ليؤكد أن كلمة آل الصديقي في عالم الفن المغربي ما زالت مستمرة، قوية، ومتجددة.
إن عائلة الصديقي ليست مجرد عائلة فنية، بل هي جسر يربط بين أصالة العلم وحداثة الفن. ومشاركة الباشير الأخيرة في معرض النحت والخزف، مصحوبا بإرث والده، هي شهادة حية على أن الإبداع في هذه العائلة هو أمانة تنقل من جيل إلى جيل، لتظل صامدة في وجه الزمن كمنحوتاتهم الخشبية الخالدة.
فوزية جعيدي
فنانة تشكيلية
هلا كنت أم بدر /عائشة مرهوني
هلال كنت أم بدر؟ كما العائد إلى بيته الأول كما القمر في رحلته الكونية نحو التشكيل هلال كنت أم بدر؟...
اقرأ المزيد



















