يطلقون أحيانًا على بعض المثقفين كلمة “المتنوّر”.
لكن كلما فكّرت بالأمر، شعرتُ أنّ التنوير أعمق من لقب، وأصدق من أن يُختصر بكلمة. المتنور ليس الأكثر صخبًا، ولا الأكثر اعتراضًا، ولا من يخالف كل شيء ليبدو مختلفًا، التنوير أهدأ من ذلك بكثير.. وأعمق.
هو سلوك يومي قبل أن يكون موقفًا فكريًا.
فقد يكون المتنوّر معلّمًا لا يفرض إجاباته على طلابه، بل يفرح حين يسمع سؤالاً جديدًا. وقد يكون كاتبًا يفتح نافذة صغيرة في جدارٍ اعتدنا عليه طويلًا. وقد تكون أمًّا تقول لابنها: “فكّر”، بدل أن تقول له: “لا تناقشني”. وقد يكون إنسانًا عاديًا يرفض الظلم ببساطة، لأنه يشعر أنه خطأ.. لا لأنه قرأ كتابًا عن العدالة.
هذا الجوهر الإنساني هو ما لخصه “إيمانويل كانت “يوماً حين قال إن التنوير هو شجاعة الفرد في استخدام عقله دون وصاية من أحد. وهو ذاته “التسامح” الذي رآه فولتير ضرورةً نابعة من إدراكنا لضعفنا البشري.
فالمتنور الحقيقي، كما جسّده مفكرون مثل طه حسين، هو من يجعل من فكره أداة للبناء والتحرر، لا وسيلة للتعالي.
التنوير، برأيي، هو شجاعة أن تسأل: لماذا؟ لا لتُحرج أحدًا، ولا لتُسقط أحدًا.. بل لتفهم. هو أن تراجع نفسك قبل أن تراجع الآخرين. أن تنصت بصدق، حتى لمن لا يشبهك. أن تدرك أن الحقيقة أكبر من رأيك، وأوسع من تجربتك.
المتنور الحقيقي يُعرف من هدوئه، من اتساع قلبه، ومن الأثر الطيب الذي يتركه فيمن حوله.
لكن، يبقى الخوف الأكبر اليوم هو أن يغترب هذا المعنى عن أهله، ويتحول “التنوير” إلى مصطلح استهلاكي، أو “موضة” فكرية يُراد بها الوجاهة .
الثقافة والتنوير /رحاب هاني
يطلقون أحيانًا على بعض المثقفين كلمة "المتنوّر". لكن كلما فكّرت بالأمر، شعرتُ أنّ التنوير أعمق من لقب، وأصدق من أن...
اقرأ المزيد


















