صباح بشير:
كنت أكتب احتفاء بجميل أثر المرأة، غير أنّ تلاحق التّجارب بدّل موازين نظرتي؛ فاستحال هذا اليوم في وعيي من احتفال بالتّكريم إلى منصّة لكشف التحدّيات، ومساحة لمساءلة الواقع المعاصر، فالمرأة غنيّة عن تخصيص يوم لإثبات جدارتها، وهي الّتي يشرق برهان وجودها مع كلّ شمس كفاح ومنجزات.
في هذا اليوم، تتسابق عبارات التّهاني، وتصدح المنابر بكلمات الثّناء على دورها في الحياة، وفي غمرة هذا الابتهاج الظاهريّ، يبرز سؤال جوهري: هل يترجم هذا الاحتفال وعيا مجتمعيّا متجذّرا، أم يظلّ طقسا سنويّا يتكرّر بآليّة تخلو من إدراك الغايات؟
يتردّد صدى عبارة “كوني أنتِ” وكأنّها تميمة سحريّة تمنح المرأة صكّ استقلالها، ولكن.. هل يعي المجتمع كنه هذا النّداء؟ أهي أحرف خاوية من المعنى، أم دعوة صادقة لتحطيم قيود التّقاليد والانطلاق نحو التّعبير الحرّ عن الذات؟
يحدث كثيرا أن تستحيل هذه العبارة شعارا سطحيّا يلوكه البعض دون فقهٍ لأبعاده؛ فالمجتمع الّذي يغدق التّهاني اليوم، هو ذاته الّذي قد يغلق أبواب الحرّيّة ويحجّم الأدوار في سائر أيّام العام.
إنّ المبالغة في الاحتفاء بالفوارق بين الجنسين قد تفضي إلى تكريس الصّور النمطيّة، وحصر المرأة في قوالب جاهزة، فالمساواة الحقّة تكمن في منح كلّ فرد ـ دون اعتبار لجنسه ـ الفرصة الكاملة لتحقيق كينونته والمساهمة في عمارة الكون، بعيدا عن صراعات البيولوجيا.
تتطلّب العدالة الإنسانيّة رفضا قاطعا للتّمييز القائم على النّوع، فالمجتمع المستنير لا يوزّع الأدوار وفق الخلقة، إنما يمنحها بناءً على القدرة والموهبة والإمكان.
فلنجعل من هذا اليوم منطلقا لتأصيل قيم المساواة، ومناسبة لترسيخ دعائم مجتمع قوامه الإنصاف، يحترم الإنسانيّة في جوهرها المطلق، بعيدا عن جندريّة القالب، فالمرأة والرّجل شطران متكاملان، يشتركان في تشييد صرح الوجود، ولكلّ منهما بصمته المتفرّدة في بناء لبنات الأسرة والمجتمع.
تحيّة احترام من كلّ امرأة إلى كلّ رجل يرى في قضاياها جوهر قضايا المجتمع، ويؤمن أنّ النّهضة لا تكتمل إلّا بخطواتهما معا، شريكين في الطموح وصنوين في البناء.



















