محراب موسى /د. زبيدة الفول

مِحْرابُ مُوسَى

وَدَّعْتُهُ وَفُؤادُ قَلْبِي يُعْصَرُ
وَالدَّمْعُ فِي مجرى العيون يسعر

يَا “مُوسَى”، يَا نَبْضاً تَمَدَّدَ في دَمِي
قَبْلَ العِيانِ وبِالخَفَاءِ يُسَوَّرُ

يَا فَلْذَةً نَبَتَتْ بِغَيْمِ جَوانِحِي
أَنْتَ الشَّقيقُ، وَأَنْتَ عُمْرِيَ الأَكْبَرُ

أَوْدَعْتُكَ الرَّحمنَ، جَلَّ جَلالُهُ
مَنْ كَلَّفَ الأَقْدارَ فِيكَ تُسَخَّرُ

إِنْ أَوْجَسَتْ نَفْسُ الفَتَى خَوْفَ المَدَى
فَاسْمَعْ نِدَاءَ الوَحْيِ حِينَ يُقَرَّرُ:

“لَا تَخْفَ” إِنَّكَ أَنْتَ أَعْلَى مَنْزِلاً
فَالحَقُّ مَنْصُورٌ، وَسَعْيُكَ يُؤْجَرُ

فِي قَلْبِكَ “الآيَاتُ” طَوْعُ بَصِيرَةٍ
وَطَرِيقُكَ المَرْسُومُ نُورٌ أَبْهَرُ

اِذْهَبْ فَإِنَّكَ للْمَعالِي آيَةٌ
وَشُموسُ سَعْدِكَ في المَدى تَتَبَلْوَرُ

كُنْ كَالعَصَا.. فَلَقَتْ بِيَمِّكَ مُسْتَحِيـ
ـلاً فَالطَّرِيقُ بِنُورِ عَزْمِكَ يُعْبَرُ

غَادَرْتَ عَيْنِي، لَمْ تُغَادِرْ خَافِقِي
فَالنُّورُ لا يَنْأَى وَإِنْ هُوَ يُسْتَرُ

إِنِّي أَرَاكَ غَداً بِتَاجِ نَجَاحِهِ
فَوْقَ النُّجومِ وَكُلُّ صَعْبٍ يَصْغُرُ

عُدْ لِي بَشِيراً، كَيْ تَرْتَدَّ بَصِيرَتِي
فَأَنَا بِدُونِكَ غُرْبَةٌ تَتَحَسَّرُ

ستعيدك الأيام حتما بيننا
زين الشباب وقلب أمك كوثر

وَسَتَحْمِلُ الذِّكْرَى خُطَاكَ بِمَسْمَعِي
فَكَأَنَّ صَوْتَكَ فِي الدِّيَارِ يُكَرَّرُ

وَسَأَسْأَلُ الأَبْوَابَ عَنْكَ إِذَا خَلَتْ
وَسَأَلْثُمُ الدَّرْبَ الَّذِي قد كُنْتَ يوما تَعْبُرُ

يَا مُهْجَتِي، إِنْ طَالَ بُعْدُكَ فِي النَّوَى
فَدُعَائِيَ المَرْفُوعُ نَحْوَكَ يُقْدَرُ

فِي كُلِّ فَجْرٍ أَسْتَعِينُ بِذِكْرِهِ
وَالله رَبٍّ العالمين يُقَدِّرُ

وَسَأَغْرِسُ الآمَالَ فِي دَرْبِ المُنَى
حَتَّى أَرَاكَ وَمَجْدُ عِلْمِكَ يَزْهَرُ

فَإِذَا رَجَعْتَ، وَفِي يَدَيْكَ شَهَادَةٌ
نُورُ النَّجَاحِ بِوَجْهِ عُمْرِكَ يُنْثَرُ

واذا بْكِيت ففي الفُؤَادُ سعادة
وَأقُولُ: هَذَا الصَّبْرُ كَيْفَ يُقَدَّرُ

فاذْكُرْ فُؤَادَي حين تخلو برهة
فَالدَّمْعُ بَعْدَكَ فِي المَحَاجِرِ يُمْطِرُ

وَإِذَا دَعَوْتُ اللهَ فِي جَوْفِ الدُّجَى
فَالله أَوَّلُ مَا يَمُرُّ وَيُذْكَرُ

عُدْ يَا بُنَيَّ، فَكُلُّ بَيْتٍ بَعْدَكُمْ
صَمْتٌ طَوِيلٌ، وَالفُؤَادُ تَحَسَّرُ.

وَإِذَا تَذَكَّرْتُ الطُّفُولَةَ فِي المَدَى
رَقَّ الفُؤادُ، وَخَاطِرِي يَتَكَسَّرُ

وأَرَى خُطَاكَ عَلَى الدُّرُوبِ كَأَنَّهَا
طَيْفٌ يَمُرُّ، وَفِي الفُؤَادِ يُصَوَّرُ

كَمْ كُنْتَ تَمْلأُ بِالضِّياءِ مَسَاكِنِي
وَالْيَوْمَ بَعْدَكَ كُلُّ شَيْءٍ يُقْفِرُ

حَتَّى الصَّبَاحُ إِذَا أَطَلَّ عَلَى الرُّبَى
يَبْدُو حَزِينًا، وَالضِّيَاءُ يُكَدَّرُ

لَكِنَّنِي وَاللَّهِ أُودِعُكَ الرِّضَا
فَبِهِ القُلُوبُ مِنَ المَخَاوِفِ تُجْبَرُ

فَامْضِ بِنُورِ العِلْمِ نَحْوَ طريقه
فَالعِلْمُ بَحْرٌ، وَالطُّمُوحُ مُيسر

وَإِذَا بَلَغْتَ مِنَ العُلُومِ مَنَازِلًا
فَاذْكُرْ دُعَائي يا حبيبي عنبر

وَإِذَا رَجَعْتَ وَفِي الجَبِينِ كَرَامَةٌ
عَانَقْتُ عُمْرِي، وَالْفُؤَادُ يُبَشِّرُ

فَأَنَا أَرَى فِي كُلِّ خُطْوَةِ عَائِدٍ
حُلْمًا جَمِيلًا بِاللِّقَاءِ يُبَشَّرُ

سَتَظَلُّ فِي عَيْنَيَّ طِفْلًا كُلَّمَا
مَرَّ الزَّمَانُ وَشَوْقُ قَلْبِي يَكْبُرُ

إِنِّي دَعَوْتُ اللهَ يَحْفَظُ خُطْوَكَ الْـ
ـمَمْدُودَ فِي دَرْبِ العُلَا وَيُيَسِّرُ

وَأَنِ اسْتَضَاءَ العِلْمُ فِي آفَاقِكَ الـ
ـعُلْيَا، وَحُلْمُكَ فِي السماء يُنَوَّرُ

فَإِذَا رَجَعْتَ إِلَى الدِّيَارِ مُكَلَّلًا
بِالعِلْمِ، فَالفَجْرُ الجَدِيدُ سَيُزْهَرُ

وَتَرَى الأُمُومَةُ فِي العُيُونِ بَشَارَةً
وَيَقُولُ قَلْبِي: ذَا المُنَى يَتَجَسَّرُ

هَذَا بُنَيَّ الَّذِي غَدَا بِالعِلْمِ فِي
أُفُقِ العُلَا نَجْمًا يَضِيءُ وَيَفْخَرُ

فَارْجِعْ لِقَلْبِي بعدما تهب المنى
فَالحُبُّ بَعْد الله عندك يثمر

د. زبيدة الفول