هذا أنا /رضا بوقفة

هكذا أنا

لم أشتكِ
لكن قلمي بدأ يبوح.
غريبٌ أنت ياحبري؛
سوادُك في الجوف،
وبياضُك على الورق.
ظاهرك متقلّب،
وباطنك بريء…
هذا حالي؛
علّمتني الأيام أن أكون هكذا
ولا أكون هكذا.
أنا الذي إذا ضحك،
اختبأ صوته في الظل،
وإذا صمت،
تكاثرت حوله الحروف.
أمشي خفيفًا…
كأنني لا أنتمي لخطاي،
وأكتب ثقيلًا…
كأن المعنى يسكنني.
في جيبي ورقةٌ مرتجفة،
وقلمٌ لا يهدأ،
كلّما حاولت نسيان شيء،
سبقني إليه الحبر.
يقولون: ما لك قليل الكلام؟
وأبتسم…
فالكلمات عندي
لا تُقال، بل تُزرع.
أنا ابنُ مساءٍ طويل،
إذا أرخى ستاره،
أشعلتُ قنديلي من صمتي،
وجلستُ أُحادث ظلي.
فإن رأيتموني عابرًا،
فلا تسألوا عن وجهي…
يكفيني أن اسمي
يُكتب حين أكون بين رؤوس الاقلام.
ولا تسألوا كيف أضيع…
فأنا إذا وجدتُ طريقي،
أبدّلُهُ… كي لا أصل.
أكتبُ لأفهم،
فإذا فهمتُ…
محوتُ ما كتبت.
في عينيَّ بقايا حكاية،
لا تُروى،
وفي صدري بابٌ
لا يُفتح… إلا إذا أُغلق.
أنا لستُ كما ترون،
ولا كما أظنّ،
أنا احتمالٌ عالقٌ
بين حبرٍ لم يجفّ،
ومعنى لم يولد.
إذا ناداني الضوءُ،
تأخّرتُ قليلًا…
كي يسبقني ظلي.
وإذا سقطتُ،
لم أبحث عن يدٍ تُقيمُني،
بل عن فكرةٍ
تُعيدُ ترتيب سقوطي.
هكذا أمضي…
نصفُ خطايَ حضور،
ونصفُها الآخرُ غياب،
وكلّي سؤال،
يكتبُ نفسهُ
ولا يُجيب.
فإذا جلستُ
أبتسمُ لقلمي،
وأقرأ ما كتبتُ في نصّي،
بين سطرٍ لا يكتمل،
ومعنىً يتخفّى خلفي.
أصافحُ كلماتي كغريب،
وأتأمّل
كأنني لستُ أنا.
أضحكُ أحيانًا،
لا لأنّ النصّ جميل،
بل لأنّه كشفني… دون أن يقصد.
وأصمتُ أكثر،
حين أرى الحبرَ
قد سبق اعترافي.
فأُعيد القراءة.
لا لأفهم،
بل لأتوه أكثر.
ثم أطوي الورق بهدوء،
كأنني أُخفي سرًّا،
وأترك قلمي…
مفتوحا
لجولة بوح أخرى.

بقلم الشاعر رضا بوقفة شاعر الظل
وادي الكبريت
سوق أهراس
الجزائر
الشعر اللغز الفلسفي والقصة اللغزية الفلسفية