حين أصبحت امرأة أمة كاملة
بلقيس .. اعظم ملكات الحكمة وأول سفيرات العقل في التاريخ
بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن
أن الشخصيات العظيمة ليست بتلك التي تعيش في زمنها وإنما تلك التي تتجاوز زمنها ، فهناك من يكتب التاريخ بالحروب وهناك من يكتبه بالقصور وهناك من يكتبه بالدماء ، لكن القليل جدا من البشر يكتبونه بالحكمة ، والحكمة وحدها هي التي لا تشيخ ، لأنها ابنة الحقيقة والحقيقة لا يطالها الفناء
ومن بين أولئك القلة تقف ” بلقيس ” على تخوم التاريخ ، لا كامرأة حكمت مملكة بل كفكرة حكمت العقول ، فكلما ذكر اسمها لم يتجه الفكر إلى جمالها كما فعلت الأساطير ولا إلى ثروتها كما فعلت أخبار الممالك بل إلى ” عقلها ” ، ذلك العقل الذي استطاع أن يجعل من السلطة رسالة ومن الملك مسؤولية ومن القوة وسيلة لا غاية ، ولذلك اتى ” القرآن ” بذكر قصتها ليحرر الإنسان من وهم قديم ظل يطارد الأمم منذ نشأة السلطة وهو ” أن الملك يصنع العظمة ” ، فجاءت قصة بلقيس لتقول إن العظمة هي التي تصنع الملك وإن العرش لا يمنح الحكمة لصاحبه بل الحكمة هي التي تمنح العرش شرعيته ، ولذلك لم يخلدها القرآن لأنها كانت أغنى ملوك الأرض ، ولا لأنها امتلكت أعظم جيش ، ولا لأنها بنت القصور والسدود ، وإنما لأنها قدمت نموذجا نادرا للحاكم الذي لم يسجن نفسه داخل قصره ولم يجعل التاج يحجب عنه نور الحقيقة
لقد كانت تدرك دائما أن السلطة إذا انفصلت عن العقل أصبحت بطشا ، وأن الثروة إذا انفصلت عن الأخلاق أصبحت فتنة ، وأن القوة إذا انفصلت عن الحكمة أصبحت بداية السقوط ، ولهذا لم تكن تقيس انتصارها بعدد المدن التي تخضع لها بل بعدد الكوارث التي استطاعت أن تمنعها عن شعبها ، إنها هذه الفلسفة تكاد تغيب عن عالمنا اليوم ، عالم يقيس الدول بحجم ترساناتها ويقيس الزعماء بقدرتهم على فرض إرادتهم ، بينما كانت بلقيس تقيس القيادة بقدرة الحاكم على كبح غروره قبل أن يكبح خصومه ، نعم لقد بنت سبأ مجدها بالحجارة وشيدت سدودها بعرق الرجال وملأت خزائنها بخيرات التجارة ، لكن بلقيس بنت شيئا أعظم من ذلك كله ، بنت صورة للحاكم الذي لا يخجل من الإصغاء ولا يتردد في المراجعة ولا يرى في الاعتراف بالحقيقة هزيمة بل ميلادا جديدا ، ولهذا لم يكن انتقالها من عرش سبأ إلى الإيمان مجرد تحول ديني بل كان تحولا فلسفيا في معنى السلطة ، فقد انتقلت من الإيمان بأن الملك هو غاية الإنسان إلى الإيمان بأن الإنسان هو غاية الملك ، فما قيمة عرش لا يقود صاحبه إلى الحق ؟ وما قيمة سلطان يعجز عن تهذيب النفس قبل إدارة الدولة؟ ، وهنا يكمن سر خلودها
فالقرآن لم يجعلها رمزا لليمن وحده ولا للشرق وحده بل جعلها مثالا إنسانيا خالدا ، لأن القيم التي حملتها لا تعرف حدود الجغرافيا ، فالشورى ليست يمنية والحكمة ليست شرقية والعدل ليس حكرا على أمة بل هي ميراث الإنسانية كلها ، ولو أن العالم الحديث أعاد قراءة قصة بلقيس جيدا لاكتشف أن ” القرآن ” كان يقدم منذ قرون نموذجا للحاكم الرشيد ، بحاكم يستمع قبل أن يأمر ، ويفكر قبل أن يقاتل ، ويتحقق قبل أن يحكم ، ويتواضع حين تظهر له الحقيقة ، لذلك فأن أعظم ما تركته بلقيس ليس عرشا اختفى ولا قصرا تهدمت جدرانه ولا كنوزا ابتلعها الزمن ، وإنما تركت سؤالا سيظل يلاحق كل من يتولى شأن الناس وهو :
هل تستحق أن تجلس على العرش ، أم أن العرش هو الذي ينتظر من يستحقه؟ ، ذلك هو السؤال العميق الذي لم تجب عنه القصور ولم تجب عنه الجيوش ، وإنما أجابت عنه ” امرأة من سبأ ” قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام ، حين أثبتت أن الحاكم لا يخلده مقدار ما ملك بل مقدار ما اهتدى ، وأن الأمم لا تبقى بقوة سيوفها بل بقوة ضمائر قادتها
ولهذا ستظل بلقيس في الذاكرة الإنسانية اعظم ملكات الحكمة وأول سفيرات العقل في التاريخ ، لأن الرسالة التي حملتها لم تكن رسالة سبأ وحدها بل رسالة كل حضارة تؤمن بأن الإنسان يسمو حين يجعل من الحكمة عرشه ، ومن العدل تاجه ، ومن الحقيقة وطنه الذي لا يزول .













