على مائدة الحروف…
_بقلم الاستاذة لمياء عويد_
ثمة موائد لا تُفرش بالطعام، بل تُهيَّأ من نبض الحروف، وتُزيَّن بالكلمات، ويجتمع حولها أناسٌ قد لا تجمعهم جغرافيا واحدة، لكن يجمعهم شيءٌ أبقى من المسافات: شغفٌ بالكلمة، وإيمانٌ بأن للحرف قدرةً عجيبة على أن يفتح بين الأرواح نوافذ لا تغلقها الحدود.
على هذه المائدة، لا يعود السؤال عن المسافة مهمًا، ولا يصبح اختلاف الأمكنة عائقًا أمام التقارب. فحين تلتقي الأرواح عند معنى جميل، يصبح الحرف جسرًا خفيًا يعبره القلب إلى قلبٍ آخر، دون أن يحتاج إلى عنوان أو خارطة.
هنا، لكل قلم حكايته، ولكل نص ملامحه، ولكل صاحب حرف زاويةٌ يرى منها العالم. قد تختلف الأصوات، وتتباين الرؤى، لكن الاختلاف لا يفسد جمال المشهد؛ بل يمنحه اتساعه. كأننا أمام فسيفساء من الحروف، لا تكتمل صورتها إلا حين تتجاور ألوانها، ويمنح كل جزءٍ منها للوحة شيئًا من روحه.
ولأن الكلمة ليست مجرد حروفٍ مصطفّة على السطور، فإنها حين تصدر من القلب تصل إلى القلب. قد تمنح عابرًا في يومه طمأنينة، أو تضيء لروحٍ متعبة نافذةً صغيرة، أو تجعل غريبًا عن المكان يشعر، ولو للحظة، أن ثمة مساحةً تتسع له دون سؤال.
ولعل أجمل ما في هذه المائدة أنها لا تسأل القادمين إليها من أين جاؤوا، ولا إلى أي أرضٍ ينتمون؛ يكفي أن يحملوا في أرواحهم ما يستحق أن يُقال، وفي أقلامهم ما يستحق أن يُقرأ.
ومع الوقت، يصبح الحضور أكثر من مجرد أسماء تلتقي على صفحات؛ يصبح أثرًا يتشكل بهدوء، ومشهدًا إنسانيًا يثبت أن الأوطان قد تولد أحيانًا من فكرة، وأن المسافات قد تختصرها جملة، وأن الإنسان يستطيع أن يجد وطنًا صغيرًا في مكانٍ لم تطأه قدماه قط.
هكذا تتسع مائدة الحروف، ويتسع معها المعنى.
ولا يبقى أجمل ما فيها ما كُتب فحسب، بل ما تركته الكلمات في النفوس من أثر؛ تلك المساحة الدافئة التي تجعل للحضور معنى، وللإبداع امتدادًا، وللكلمة حياةً تتجاوز لحظة كتابتها.
فما أجمل أن نلتقي حول حرفٍ لا يسألنا عن حدودنا، بل يفتح لنا أبوابًا نحو بعضنا؛ وأن نكتشف، في زمنٍ كثرت فيه المسافات، أن هناك موائد لا يجمعنا إليها خبزٌ ولا مكان، بل يجمعنا إليها الحرف حين يكون صادقًا، والروح حين تعرف كيف تُنصت.
وعلى مائدة الحروف…
قد تبدأ الحكاية بكلمة،
لكنها لا تنتهي إلا حين يصبح للكلمة أثرٌ في القلب.













