“عيون صامتة”
بقلم : فوزية جعيدي
اختيار الفنان المميز يونس الطالبي لعنوان “عيون صامتة” يمنح التحليل الفلسفي والجمالي أبعادا عميقة، حيث ينتقل التركيز من “الشكل” إلى “الجوهر”، ويحول اللوحة من مجرد تكوين بصري إلى “بيان وجودي” حول الصمت كأداة للتعبير.
الصمت كلغة عليا (بين اللغة والرؤية)
في الفلسفة، يعتبر الصمت أحيانا أقوى من الكلمة، لأنه يتجاوز حدود اللغة الضيقة.
اختياره هذا العنوان، يؤكد الطالبي أن العيون في لوحته هي “أدوات نطق” بديلة. الصمت هنا ليس غيابا للكلام، بل هو فيض من المشاعر التي لا تسعها العبارات.
الصمت” الانطفاء الروحي” يمنح الوجوه هالة من “القدسية” أو التأمل الصوفي، حيث تصبح النظرة هي الجسر الوحيد للتواصل بين الذوات المتراصة في اللوحة.
فينومينولوجيا “النظرة الصامتة”
العنوان يسلط الضوء على “فعل النظر” نفسه. العيون الصامتة في اللوحة لا تحكي قصة، بل “تشهد” على الواقع.
كل عين في اللوحة” المراقب الصامت” تمثل زاوية رؤية مختلفة للعالم. الصمت هنا يعكس حالة من “الذهول” أو “الاستيعاب العميق” لتعقيدات الحياة المعاصرة.
عندما تصمت الأفواه وتتحدث العيون، تزداد كثافة الحضور الإنساني. الفنان هنا يراهن على “ذكاء المشاهد” لفك شفرات تلك النظرات؛ فمنها ما هو مثقل بالانكسار، ومنها ما يفيض بالأمل أو الترقب.
الصمت كدرع للمقاومة والاغتراب
من منظور اجتماعي وفلسفي، يمكن تأويل “العيون الصامتة” كنوع من المقاومة السلبية أو الاغتراب:
حماية الجوهر: الصمت قد يكون وسيلة لحماية “الأنا” من الضجيج الخارجي. في هذا التزاحم البصري للوجوه، يختار كل كائن في اللوحة صمته الخاص ليحافظ على خصوصية تجربته الروحية.
العنوان يعزز فكرة أننا رغم وجودنا معا في إطار واحد (المجتمع/اللوحة)، إلا أن كل فرد منا يسكن صمته الخاص “عزلة الجمع”، مما يخلق توازنا غريبا بين القرب المكاني والتباعد الشعوري.
بصريا، يربط العنوان بين العناصر التراثية والحداثية:
العين والرمز: “العين” رمز موغل في القدم في الثقافة المغربية والمتوسطية (الحماية، الحسد، البصيرة). وصفها بالصامتة يسحبها من سياق الخرافة إلى سياق “الشهادة الوجودية”.
استخدم الفنان لوحة ألوان متنوعة ولكنها متناغمة:
الألوان الدافئة (الأصفر، البرتقالي، الأحمر): تضفي حيوية وحرارة إنسانية على المشهد.
الألوان الباردة (الأزرق، الأخضر، البنفسجي): توازن التكوين وتمنحه عمقا هادئا، وقد تشير إلى الحرية أو الفضاء الفكري.
تعتمد اللوحة على أسلوب التكعيبية المحدثة أو التجريد الهندسي، حيث يتم تقسيم الفضاء إلى مستطيلات ومساحات طولية متداخلة. هذا التقسيم يمنح العمل إيقاعا عموديا يوحي بالتراكم أو “البناء” الإنساني.
رغم أن الألوان والخطوط توحي بالحركة والتداخل، إلا أن عنوان “عيون صامتة” يفرض نوعا من السكون والسكينة على المشهد، مما يجعل المشاهد يقف طويلاً أمام اللوحة في محاولة لاستنطق هذا الصمت.
باعتماده عنوان “عيون صامتة”، نجح يونس الطالبي في تحويل اللوحة إلى “مرآة صماء” تعكس تساؤلات المتلقي. إنه يدعونا ليس فقط للنظر إلى اللوحة، بل للدخول في حوار صامت معها، حيث تصبح النظرة هي اللغة العالمية التي توحد بين كل تلك الوجوه المتباينة.
11/4/2026










