الضوء حين يكتب العالم: قراءة في فلسفة الصورة وجماليات الفوتوغرافيا
بقلم : هناء ميكو
يقدّم الناقد الجمالي والشاعر عز الدين بوركة في كتابه «كتابة الظل: الفوتوغرافيا من النشأة إلى المعاصرة» طرحًا شاهقًا في رؤيته، وسهلًا ممتنعًا في أسلوبه، حيث تتناثر الشذرات الفكرية عبر مسار التحول التاريخي للصورة الفوتوغرافية، متوشحةً بملحٍ شعري وتأملٍ فلسفي يهبان المعرفة دفئها الإنساني.
ينسج المؤلف خيوط كتابه بانسيابية آسرة، لتهرول الأفكار جداول عذبة تتدفق في نهر واحد، وتذيب صلابة المفاهيم في نسيج منسجم يجمع بين التاريخ والجماليات والفلسفة.
منذ الصفحات الأولى تبدأ رحلة سبر أغوار الظل في جلباب أثر بصري وكائن يعج بالحياة، يرافق الوجود، ويمنح الضوء معناه، ويتغلغل في مختلف التجليات الحسية والبصرية.
يستعرض الكتاب التحول الذي أحدثته الفوتوغرافيا في تاريخ الفن؛ فقبل اختراع التصوير كانت اللوحة تؤدي وظيفة التسجيل: تحفظ الوجوه، وتوثّق الأحداث، وتستعيد المناظر الطبيعية. ومع ميلاد الكاميرا تحرر الرسم من عبء المحاكاة الدقيقة، وانفتح أفق الحداثة على التجريد والتعبيرية والتكعيبية، وتنصهر في بوثقة الفكرة والوجدان والرؤية الداخلية جوهر العمل الفني.
وفي المقابل، وُلدت الفوتوغرافيا فنًا مستقلًا، بعيدًا عن كونها أداة ميكانيكية للتوثيق؛ إذ أصبح المصوّر مبدعًا يشكّل الضوء، ويختار الزاوية، ويبني التكوين، ويتحكم في الزمن عبر سرعة الغالق، ليحوّل الصورة إلى خطاب جمالي وفلسفي يحمل رؤيته للعالم.
ويبلغ البعد الشعري ذروته حين يصف المؤلف الصورة الفوتوغرافية بأنها منفىً للضوء، ووحيٌ صامت للزمن الذي عبر، وحافظة للذاكرة، وتجميدٌ لحركة لا تكف عن الجريان، وتسجيلٌ لوجود عابر، ودعوة إلى اكتشاف اللامرئي الكامن خلف المرئي. إنها حكاية لصراع الضوء والظل كونه أفقًا مفتوحًا على الرغبة في الخلود، ولغة تجعل الصورة كائنًا يشهد ويفكر ويقاوم النسيان.
ويمتد أثر الفوتوغرافيا إلى عوالم أخرى، شاهدةً على ولادة السينما، ثم الفنون الرقمية المعاصرة، حيث تصبح الصورة مادة إبداعية مفتوحة على إمكانات لا تنتهي، تتقاطع فيها التقنية مع الخيال، والواقع مع الافتراض، والتوثيق مع التأويل، لتتماهى الصورة لغة العصر ومرآة الإنسان في بحثه المتجدد عن المعنى.
ومن انتباهاتي أثناء القراءة حسن اختيار صورة الغلاف؛ فهو اختيار يكشف عن ثقافة بصرية رفيعة ووعي جمالي متين، ثمرة تكوين معرفي وممارسة ميدانية رصينة، واحترام للنهج البحثي الذي يجعل كل عنصر في الكتاب حاملًا للدلالة.
وتنتمي الصورة إلى فن التصوير الجوي *(Photos aériennes)*، وهو مجال يقوم على التقاط المشهد من منظور علوي، حيث تتحول الأرض إلى نسيج بصري نابض بالإيقاع، وتتحور الخطوط والظلال والفراغات مفردات في لغة الصورة.
وتتجلى براعة الاختيار في انسجام الغلاف مع روح الكتاب؛ فالصورة تؤدي وظيفة الشذرة، وتختزل فكرة كاملة في لقطة واحدة، وتفتح مسارات متعددة للتأويل، ليغدو الغلاف عتبة جمالية وفكرية تمهّد لولوج عالم تتجاور فيه الفوتوغرافيا مع الفلسفة، ويتحوّل فيه الضوء إلى كتابة، والظل إلى سرد، والصورة إلى نص مفتوح.
ويعزز المؤلف هذا الأفق البصري باعتماد الشذرة أسلوبًا للسرد؛ إذ تقوم على التكثيف والاختزال، فتحتضن الفكرة في ومضة لغوية مكثفة، بينما تتجاور الشذرات لتشكّل نسيجًا معرفيًا متماسكًا، ويصبح البياض عنصرًا دلاليًا يوسّع من سلطة الصمت.
وتحضر في الكتاب ثنائيات متضادة تشكل أحد أهم محركات الرؤية الجمالية والفكرية؛ فالظل يقترن بالنور، والحضور يجاور الغياب، والذاكرة تعانق النسيان، والسكون يلامس الحركة، والواقع يلتقي بالتخييل، لتتحول هذه الأضداد إلى طاقة مولِّدة للمعنى.
وتكشف هذه الثنائيات عن وعي عميق بأن الإبداع ينمو من توتر العلاقات بين الأضداد، حيث يستمد كل عنصر معناه من مقابله، ويتحوّل الجمال إلى أثر هشّ في تماسّه مع الزوال.
ويتردد صدى هذه الرؤية في تاريخ الفن، منذ تقنية الكياروسكورو *(Chiaroscuro)* التي منحت الضوء والظل قوة درامية، مرورًا بالجدل بين الواقعية والتجريد، وصولًا إلى التعبيرية التي جعلت القبح والجمال وجهين لرؤية واحدة.
ومن الملامح المنهجية اللافتة العناية الدقيقة بتوثيق المرجعيات؛ إذ ترد المصطلحات بلغاتها الأصلية وترافقها ترجمتها العربية، كما تحضر الهوامش بمثابة امتداد حي للمتن.
وتكشف هذه العناية عن وعي بالأمانة العلمية، وعن إدراك بأن المصطلح يحمل تاريخًا ثقافيًا لا يقل أهمية عن دلالته المباشرة، مثل كروم *(Chrome)* الذي يحافظ على حضوره الأصلي داخل النص العربي.¹³
وفي انحناءةٍ رقيقة بين الضوء والظل، يترك المؤلف نافذةً مشرعة على الفن المغربي، حيث تحضر المرأة باعتبارها كائنًا جماليًا يتفتّح في تضاريس الصورة، ويمنح المعنى امتدادًا آخر. هناك، تتبدّى تجربة الفنانة برادة يطو كغيمةٍ تُصغي إلى نبض الأرض، وتنسج من تماسّها مع الطبيعة لغةً للحرية، حيث تتعانق الأشجار مع الأفق، ويتحوّل الفضاء إلى قصيدة بصرية تتنفّسها العدسة، لتصبح الفوتوغرافيا فعل إنصات عميق لما تقوله الأمكنة حين تستعيد ذاكرتها، وما تهمس به الروح وهي تعبر تخوم المرئي نحو اللامرئي.
يطرح أيضا كتاب «كتابة الظل: الفوتوغرافيا من النشأة إلى المعاصرة» إشكالية التسطيح والعمق في علاقة البورتريه بالصورة، من خلال مساءلة الكيفية التي ينتقل بها الوجه من مجرد معطى بصري إلى أنطولوجيا حسية تتفجر منها ينابيع المعنى، وتنفتح عبرها فتوحات التأويل. فالوجه يستودع كثافة الوجود الإنساني، ويختزن آثار الزمن والذاكرة والهوية، فيصير حقلًا دلاليًا تتقاطع داخله الذات مع الآخر، والمرئي مع المضمر. ويتجاوز البورتريه حدود التشابه الفيزيائي، فاتحًا إمكانات تأويلية تجعل الصورة فضاءً لاختبار الحضور الإنساني، حيث يتجاور الأثر البصري مع العمق النفسي والثقافي، وتؤسس الفوتوغرافيا رؤية جمالية ومعرفية تعيد التفكير في معنى الوجه داخل الثقافة البصرية المعاصرة.
ومن الانتباهات الدقيقة التي يسجلها عز الدين بوركة تركيزه على الوجه، ذلك الجزء العلوي من الجسد، مقر العقل والفؤاد، ومنبع العلامات الأكثر قدرة على التعريف بالإنسان. ويحمل هذا الاختيار وعيًا فلسفيًا نافذًا يقترب من ماهية الكائن الإنساني، ويستكشف طبقاته الوجودية عبر أكثر مناطقه كثافة في التعبير عن الفكر والانفعال والذاكرة.
وتكشف الأمثلة التي ينتقيها المؤلف عن أفق بصري رحب يربط تاريخ الصورة بتحولاتها الكبرى، ويمنح الفوتوغرافيا امتدادًا حضاريًا متصلًا. فاستحضار بورتريهات الفيوم المرسومة على توابيت المصريين القدماء، إلى جانب بورتريهات المشاهير التي أنجزتها آني ليبوفيتز، يفتح مجالًا للحوار بين الماضي والمعاصرة، ويجعل البورتريه شاهدًا على استمرارية البحث الإنساني عن الوجه، باعتباره حاملًا للهوية، ومستودعًا للأثر، ومرآةً للزمن.
ويكشف هذا الاختيار رغبة فكرية في وصل الأزمنة داخل نسق بصري واحد، يستحضر الذاكرة، ويقرأ الحاضر، ويستشرف المستقبل. فالإبداع الفوتوغرافي يظهر سيرورة مفتوحة، تحمل في كل تحول تقني إمكانية جمالية جديدة، وتدفع الصورة نحو تخوم أكثر رحابة، حيث يتسع الخيال بقدر اتساع أدواته.
وفي هذا الأفق، تستعيد الفوتوغرافيا مشروعيتها الإبداعية، فالقيمة الجمالية تنبع من الرؤية، ومن الطاقة التأويلية التي تمنحها عين المصور للضوء والظل، ومن القدرة على استخراج المعنى من التفاصيل العابرة. وتتجلى العلاقة بين الإنسان والآلة علاقة تكامل خلاقة، تتبادل فيها الحساسية الإنسانية والإمكانات التقنية أدوارهما في صناعة الصورة، فتتواصل تحولات الفوتوغرافيا مشروعًا معرفيًا وإستيطيقيًا مفتوحًا على احتمالات تتجاوز المألوف، وتستشرف إبداعات تعيد رسم حدود الرؤية الإنسانية.
ويتكثف هذا الوعي النقدي في منح آلة التصوير الفوتوغرافي مساحة للتعبير عن كينونتها الجمالية والفكرية عبر مقاربة موضوعات شديدة الحساسية، يتقدمها الجسد والهوية والحرية والكون والإيروتيكا داخل أفق الفن المفاهيمي. وتستحضر هذه الرؤية تجارب كاثرين أوبي، وكلود كاهون في سلسلة Self-Portraits، وأندرياس غورسكي، وسارة لوكاس، وشيرين نشأت، وسيندي شيرمان، حيث يتحول الجسد إلى بنية دلالية متحركة، وسلسلة من الأقنعة والهويات المتحولة التي تكشف آليات إنتاج النمط الجسدي داخل الثقافة البصرية المعاصرة. ويقود التقمص المتكرر للشخصيات والصور النمطية إلى تفكيك الخطابات التي تنتجها السينما والإشهار ووسائط الإعلام، فيتجلى الجسد بناءً ثقافيًا يخضع لإعادة تشكيل متواصلة داخل اقتصاد الصورة، بينما تعيد استراتيجيات المحاكاة التقويضية إنتاج شروط ظهور النمطية، وتؤسس للجسد فضاءً للمقاومة الرمزية في عالم تتكاثر فيه الصور بوتيرة غير مسبوقة.
ويمتد هذا المنظور إلى تجربة ويليام كنتريدج، حيث يحمل الجسد آثار التاريخ وندوب السلطة، وتتداخل الرسوم المتحركة مع السرد التشكيلي لإعادة كتابة ذاكرة الأجساد التي أقصاها نظام الفصل العنصري. وتتحول الصورة إلى مجال لاستعادة الحضور البصري لمن حُرموا من حق التمثيل، فتستعيد الذاكرة قوتها النقدية، ويستعيد الجسد مكانته شاهدًا على التاريخ، وحاملًا لسردية مغايرة تكشف المسكوت عنه داخل الخطاب الرسمي.
ويفضي هذا المسار إلى إعادة التفكير في الفوتوغرافيا داخل السياق الرقمي المعاصر، حيث فرض التدفق الهائل للصور شروطًا إستيطيقية جديدة، ورفع من حساسية المتلقي تجاه قيمة الصورة وأثرها، فأصبح التمييز بين «الصورة الأثر» و«الصورة الضوضاء» فعلًا نقديًا يحدد مكانة العمل الفوتوغرافي. وتستمد الصورة الفنية قيمتها من الرؤية المؤسسة لها، ومن الوعي الجمالي والمعرفي الذي يوجّه بناءها، فتتحول آلة التصوير إلى ميديوم لإنتاج المعنى، وحاضنة للتفكير البصري، وشريك إبداعي يوسّع أفق الثقافة البصرية، ويمنح الصورة قدرة متجددة على مساءلة الإنسان والعالم
وتنتهي القراءة إلى أن عز الدين بوركة يفتح أمام القارئ أفقًا فلسفيًا وجماليًا يجعل الصورة سؤالًا في الوجود، والضوء لغة للتفكير، والظل ذاكرة تحفظ ما يعجز الزمن عن احتوائه، في عمل يجمع بين العمق المعرفي ورهافة الأسلوب، كما تكشف «كتابة الظل: الفوتوغرافيا من النشأة إلى المعاصرة» أن عز الدين بوركة ينسج مشروعًا فكريًا وجماليًا يرفع الفوتوغرافيا إلى مرتبة التفكير الفلسفي، ويحررها من حدود الممارسة التقنية، عبر مساءلة الصورة في علاقتها بالإنسان والذاكرة والسلطة والزمن. وتمنح المقاربة النقدية للكتاب قيمة مضاعفة، لأنها تصل تاريخ الفوتوغرافيا بتحولاتها الإستيطيقية، وتستشرف آفاقها المقبلة داخل عالم تتسارع فيه التقنيات وتتجدد أسئلة الرؤية. ويحضر هذا المنجز مرجعًا عربيًا نوعيًا يفتح مسالك جديدة للتفكير في الثقافة البصرية، ويؤكد أن الصورة تواصل كتابة العالم كلما اتسع أفق التأويل، وارتقت العين إلى مقام الرؤية.
احالات
1. فكرة الظل ككائن بصري: قراءة في الفلسفة البصرية للصورة.
2. تاريخ التحول من الرسم إلى الحداثة التشكيلية (الفن الأوروبي الحديث).
3. مفهوم المصوّر كفاعل جمالي في نظريات الفوتوغرافيا المعاصرة.
4. الصورة كزمن مُجمَّد في الفلسفات الجمالية للصورة (Roland Barthes).
5. تطور الصورة من الفوتوغرافيا إلى السينما والفن الرقمي.
6. التصوير الجوي: دراسة في الجغرافيا البصرية وفنون المشهد.
7. نظرية العتبات (Genette) في تحليل الغلاف كمدخل للنص.
8. جمالية الشذرة والكتابة المفتوحة في النقد المعاصر.
9. ثنائية الضوء/الظل في تاريخ الفن (الكياروسكورو).
10. فلسفة الأضداد في الجماليات الحديثة.
11. تطور الكياروسكورو في الفن الأوروبي.
12. منهج التوثيق الأكاديمي في الدراسات الفنية.
13. إشكالية تعريب المصطلحات البصرية الحديثة.
14. الفوتوغرافيا كخطاب فلسفي في النقد البصري المعاصر.
15. الفن المغربي المعاصر وتجربة برادة يطو في علاقة الفن بالطبيعة .













