“العفوية المنظمة”
قراءة في سيميولوجيا الأثر عند الفنان التشكيلي عبد الواحد جبارة
تشكل تجربة الفنان عبد الواحد جبارة في هذا العمل امتدادا واعيا لمدرسة التجريد الغنائي، حيث تتحول اللوحة من فضاء للعرض إلى “مساحة للاختبار السيكولوجي”. لا يسعى جبارة هنا إلى محاكاة الواقع، بل إلى إعادة إنتاج “الحالة” عبر تراكبات لونية وطبقات تكتونية تعكس عمقا وجدانيا مركبا.
جدلية الفوضى والانبثاق
تتجلى في اللوحة بنية بصرية يمكن تسميتها بـ “الفوضى الخلاقة”. فمن الناحية السيكولوجية، يعتمد الفنان تقنية التنقيط والرش، وهي تقنيات تكسر هيمنة “الأنا” الواعية لتفسح المجال لـ “اللاشعور” ليرسم مساراته. الخطوط البيضاء الرشيقة التي تخترق كثافة الألوان الترابية ليست مجرد إضافة جمالية، بل هي فعل انبثاق؛ تمثل إرادة الضوء في التحرر من ثقل المادة.
الفضاء المفتوح وسيكولوجية الحركة
تتميز اللوحة بغياب المركز، مما يجبر عين المتلقي على التجوال المستمر دون استقرار. هذا التشتت البصري المتعمد يعكس حالة من القلق الإبداعي المثمر. إن “ديناميكية السطح” عند جبارة توحي بأن العمل لا يزال في طور التكوين، وكأن اللون لا يزال يتدفق، مما يمنح المتلقي شعورا بالمشاركة في “فعل الخلق” الفني بدلا من كونه مجرد مشاهد لنتيجة نهائية.
تعتمد اللوحة على تقنية “الرش” و”السكب”، مما يعكس حالة من التفريغ الانفعالي اللحظي. الخطوط البيضاء والصفراء المنسابة عموديا وأفقيا توحي بحركة جسدية نشطة للفنان، وهي تعبير عن رغبة في التحرر من القيود الشكلية والبحث عن لغة بصرية تتجاوز الوعي المباشر.
التضاد اللوني كصراع وجودي
تتوزع الألوان في العمل وفق تضاد سيكولوجي حاد:
الألوان العميقة (الكمد): تمثل البعد الداخلي ، الذاكرة، والتراكمات النفسية التي تشكل قاعدة الوعي.
الألوان المضيئة (الأصفر والأبيض): تمثل الوثبات الشعورية اللحظية، وهي “النوتات” الحركية التي تعطي للوحة إيقاعها الموسيقي.
الرمزية الإشارية والأثر التلميحي
تختزل الخطوط العمودية المنحدرة مفهوم “السقوط” أو “الانسياب”، بينما تشكل الخطوط الأفقية المتقطعة نوعا من “المقاومة”. هذا التقاطع يولد طاقة بصرية تعبر عن التوتر السيكولوجي بين الرغبة في التحرر التام وبين الانضباط التقني الذي يفرضه القماش.
الاستنتاج النقدي:
إن لوحة عبد الواحد جبارة هي نص بصري مفتوح، حيث تتماهى فيها الذات الكاتبة (الفنان) مع المادة (اللون). هي دعوة لتأمل “سيكولوجية الأثر”؛ فكل لطخة لونية هي بصمة زمنية تعبر عن لحظة انفعالية مكثفة، مما يجعل العمل وثيقة حية على حوار داخلي لا ينتهي بين الذات وعالمها المحيط.
فوزية جعيدي




