بين صليل السلاح وترانيم الحرف: فلسفة الوجود بين الحرب والسلام.
ليست الحربُ في جوهرها مجرد صدامٍ بين السلاح والسلاح، بل هي اللحظة التي يقرر فيها الجهلُ أن يكتب التاريخ بالدماء بدلاً من الحبر. إنها انتحارٌ جماعيٌّ للقيم التي استغرق البشرُ قروناً لترسيخها، ووحشٌ يقتاتُ على أحلام الشباب ليُشيد قصوراً من وهمٍ فوق ركام المدن وهشيم الذكريات.
إنَّ الحرب تشويهٌ صارخٌ لهوية المكان والزمان؛ فبينما تهدم القذائفُ الجدران، تتركُ في الأرواح ندوباً غائرة لا تُرى، حيث يتحول الإنسان من كائنٍ باحثٍ عن الجمال إلى كائنٍ مسكونٍ بالخوف والترقب. والمأساة الحقيقية تكمن في أنَّ الحرب تسرق من اللغة رقتها، فتصبح الكلماتُ جافة كالأرض المحروقة، وتتوارى الاستعاراتُ البليغة خلف دخان النزاعات، مما يجعل استعادة “إنسانية الحرف” هي المعركة الأولى والأسمى التي يجب أن يخوضها المثقفون اليوم.
وعلى الضفة المقابلة، يبرزُ السلامُ ليس كحالةٍ من الاسترخاء أو مجرد صمتٍ للمدافع، بل كفعلِ إبداعٍ مستمر يتطلبُ يقظةً تامة للضمير. إنَّ السلام الحقيقي هو الذي يُبنى على أنقاض الأنانية، وهو تلك الموسيقى الهادئة التي تعزفها الطمأنينة في قلوب البشر حين يدركون أنَّ الآخر ليس تهديداً بل هو مرآةٌ للذات. هو بذرةٌ تحتاجُ إلى سقايةٍ يومية من التسامح، وحالةٌ يتصالحُ فيها الإنسانُ مع ظله قبل أن يتصالحَ مع العالم؛ فبناءُ السلام يتطلب شجاعةً تفوق خوض الحروب، لأن الهدم فعلُ لحظة، أما البناء فيقتضي صبراً يمتد لعمرٍ كامل.
وهنا يتجلى دورُ الأديب ليكون الحارس الوفيَّ لقيم الجمال؛ فالقلمُ الذي لا ينحازُ للإنسان في محنته هو قلمٌ ضلَّ طريق البلاغة. إنَّ مسؤوليتنا الأدبية تحتم علينا أن نجعل من الحرف أزهاراً تتحدى يباس الصراعات، وأن نصيغ من المعاني دروعاً تحمي العقول من الانجراف خلف خطابات الكراهية. إنَّ الكتابة عن السلام في زمن القسوة هي أرقى أنواع المقاومة الجمالية، لأنها تذكرنا دائماً بأنَّ الأصل في الوجود هو التناغم، وأنَّ النشاز ليس إلا سحابة عابرة في سماء البشرية.
ختاماً، ندرك يقينًا أن الحرف الأدبي الصادق هو الرسول الأسمى للسلام. ففي رحاب أزهار الحرف، نتعلم أن الكلمة هي الجسر الأخضر الذي نعبر عليه من وحشة الصراع إلى رحابة التآخي. إننا لا نكتب لنملأ الفراغ بالكلمات، بل لنرمم بمدادنا تلك التصدعات التي خلفتها القسوة في جدار الروح، ليظل القلمُ دائماً هو الملاذ الآمن الذي يصون ذاكرة الإنسان، ويحيلُ بؤس الحروب إلى نسيان، وأمل السلام إلى واقعٍ يزهر في كل مكان.
حسن الدهيبي
لبنان














