حين حاورتُ البتراء… قالت لي الصخرة: أنا ذاكرةُ الرملِ ونبضُ الحضارات
لم أذهب إلى البتراء كما يذهب العابرون إلى الأمكنة؛ لم أحمل معي خارطةً ولا كاميرا، بل حملتُ قلبًا يبحث عن سرٍّ اختبأ في أحضان الجبال، وعينين تريدان أن تفتشا عن القصيدة التي كتبتها الطبيعة على صفحات الصخر.
وقفتُ أمام بوابة المدينة الوردية، فإذا بالصمت يتكلم، وإذا بالحجارة تفتح أفواهها القديمة، وإذا بالبتراء تمدّ يدها من أعماق الزمن وتقول:
البتراء:
مرحبًا بك أيها القادم من زمنٍ سريع الخطى، أنا البتراء… ابنةُ الصخر، وعروسُ الصحراء، وذاكرةُ أمةٍ حفرت اسمها في قلب الجبل كي لا تأكله رياح النسيان.
أنا:
أيتها المدينة التي أدهشتِ العيون وأسرْتِ القلوب، من أنتِ؟ وكيف وُلد هذا الجمال الذي يقف بين الحقيقة والأسطورة؟
البتراء:
أنا قصيدةٌ كتبها الأنباط على جدران الصخور، وأنا حكاية شعبٍ عربيٍّ قديم عرف كيف يجعل من القفر بستانًا، ومن الصمت أغنية. اسمي يعني “الصخر”، لأنني لم أُبنَ فوق الحجر فقط، بل وُلدت من روحه، فاحتضنتني الجبال كما تحتضن الأم طفلها الأول.
أنا عاصمة الأنباط، أولئك الذين جعلوا من الصحراء طريقًا للحياة، ومن القوافل جسورًا تصل الشرق بالغرب. هنا كانت خطوات التجار تعانق الرمل، وهنا كانت روائح البخور والمرّ والتوابل والحرير تحمل أخبار الحضارات من الجزيرة العربية والهند ومصر وبلاد الشام.
أنا:
يا بتراء، حدثيني عن أولئك الذين صنعوا مجدك، كيف استطاعوا أن يحولوا الصخور الصامتة إلى مدينة تنبض بالحياة؟
البتراء:
كان الأنباط أبناء الحكمة والماء والحجر. لم يكونوا ينظرون إلى الصحراء بوصفها موتًا، بل رأوا فيها سرًّا ينتظر من يفك رموزه. شقّوا القنوات في بطني الصخري، وبنوا السدود والخزانات، وجمعوا قطرات المطر كما يجمع الشاعر حروف قصيدته.
لقد علّمتُ الإنسان أن العبقرية لا تحتاج إلى أرضٍ خصبة فقط، بل تحتاج إلى عقلٍ يرى النور في قلب العتمة.
أنا:
أيتها المدينة الساحرة، حدثيني عن بوابتك التي يدخل منها الزائر وكأنه يدخل معبدًا من أسرار.
البتراء:
إنه السيق… ممرّي الذي يشبه قصيدةً طويلة كتبتها الطبيعة. بين جدرانه العالية يمشي الإنسان وكأنه يعبر بين صفحتين من كتاب الزمن. هناك، كنتُ أستقبل القوافل والملوك، وهناك كانت الخطوات تهمس بأسماء الذين مروا بي ثم رحلوا وبقيتُ أنا شاهدةً عليهم.
أنا:
وماذا عن تلك الجوهرة التي جعلت العالم كله يرفع عينيه إليك؟
البتراء:
أتحدث عن الخزنة… ابنتي التي نحتها الأنباط في صدر الجبل. لا تبحث في اسمها عن ذهبٍ مخفي، فالكنز الحقيقي ليس في الصناديق، بل في اليد التي استطاعت أن تحول الصخر إلى لوحة، وفي العقل الذي جعل الجبل ينطق بالجمال.
أنا الخزنة التي وقفت أمام الزمن شامخة، أرتدي ثوب الفن النبطي، وأحمل ملامح حضارات تلاقت فوق وجهي كما تلتقي الأنهار في بحر واحد.
أنا:
وهل لكِ كنوز أخرى غير الخزنة؟
البتراء:
كيف أنسى الدير؟ ذلك العملاق الحجري الذي يعتلي القمم كأنه راهبٌ صامت يناجي السماء. ومن يراني من هناك يدرك أن الإنسان حين يؤمن بحلمه يستطيع أن يصنع معجزة من صخرة.
وهناك المسرح النبطي الذي احتضن أصوات الناس وأفراحهم، والقبور الملكية التي بقيت شاهدةً على ملوكٍ عبروا الحياة وتركوا وراءهم آثارًا لا تموت، وشارع الأعمدة الذي يحمل في تفاصيله صفحات من العصور التي تعاقبت عليّ.
أنا:
يا بتراء، لقد سمعت أن الزمن حاول أن يطوي صفحتك، فكيف بقيتِ حاضرةً في ذاكرة العالم؟
البتراء:
لأن المدن التي تُبنى بالحجارة قد تسقط، أما المدن التي تُبنى بالروح فلا تموت.
تغيّرت الطرق، وتبدلت التجارة، وتعاقبت الإمبراطوريات، وجاءت الزلازل تهز أركاني، لكنني بقيتُ كالنخلة التي تنحني للعاصفة ولا تنكسر.
دخل الرومان أرضي، ثم مرت بي عصور أخرى، وخفت صوتي فترةً من الزمن، حتى أعاد الرحالة يوهان لودفيغ بوركهارت اكتشافي للعالم عام 1812، فعادت عين الإنسان لترى وجهي القديم.
أنا:
يا بتراء، ما رسالتك للإنسان المعاصر الذي يعيش في زمن السرعة والنسيان؟
البتراء:
أقول له: لا تجعل قلبك صحراء، فحتى الصحراء أنجبت مدينةً مثلي.
تعلّم من صخوري أن الثبات ليس جمودًا، بل قدرة على البقاء. وتعلم من أنظمتي المائية أن قطرة صغيرة قد تصنع نهرًا، ومن نقوشي أن الإنسان لا يخلّد نفسه بما يملك، بل بما يترك من أثر.
أنا لستُ حجارةً صامتة، أنا مرآة الإنسان حين يتحدى المستحيل. أنا سؤال التاريخ وإجابة الحضارة. أنا ذاكرةٌ وردية كتبتها الأيدي العربية على جبين الزمن.
أنا:
وداعًا أيتها البتراء… يا قصيدةً لا تنتهي.
البتراء:
اذهب، لكن لا تحمل صورتي فقط، احمل رسالتي. فالأمكنة العظيمة لا تطلب من الزائر أن يتذكر شكلها، بل أن يتذكر معناها.
أنا البتراء…
أنا صوتُ الصخر حين يتكلم،
ونبضُ الرمل حين يحلم،
وحكايةُ الإنسان الذي جعل من الجبل قلبًا، ومن التاريخ وطنًا لا يغيب
د. زبيدة الفول













