حين بكى الحبق…
هو الجنوب
كان جنة…
كان الحبق يصل إلى العتبات
بلا دليل
كأن البيوت تحفظ رائحته
وتفتح له أبوابها من تلقاء القلب.
كان الزيتون
يمشط شعر التلال
بأصابع خضراء
تحفظ صلاة الأجداد
التبغ يعانق جيد الحقول
بهيبة العاشقين
مترفا بضوء النهار
وكانت الشمس
كل مساء
تغرق في أحضان البحر
ثم تخرج منه
كأنها لم تعرف الغياب.
ثم هوى الليل…
لا كليل
بل كجمرٍ أُسقط من السماء
على قلب التراب.
فبكى الحقل حطبا
انحنت الجبال
كأمهات أثقل الحزن ظهورهن
تساقطت الحجارة
واحدة تلو أخرى
كأنها تطفئ
آخر نبضة في صدر القرى.
وأعين الحبق
أضناها الرماد…
أي ريح هذه
التي تعبر العنب
قبل أن ينضج؟
أي ليل هذا
الذي يشرب دم الأطفال
ولا يرتوي؟
أي قلب يستطيع
أن يسمع صرخة أم
تفتش بين الركام
عن يد صغيرة
كانت بالأمس
تلوح لها من النافذة؟
الأشجار…
ذاكرة الأجداد.
لم تسقط
انحنت فقط
لتقبّل الأرض
قبلة الوداع
ثم تركت جذورها
تحت الرماد
تحرس أسماء
الذين رحلوا.
البيوت…
كانت تضج بالفرح
تفوح من نوافذها
رائحة الليمون والقهوة
وتتدلى من شرفاتها
ضحكات الصغار
فصارت ركامًا…
ركامًا يحرس
ضحكات عالقة في الجدران
أكوابا لم تكمل قهوتها
صورا بقيت تحدق
في غياب أصحابها.
أيها الجنوب…
يا جنة تمزقت ثيابها
على مرأى السماء
يا حجارة تبكي أبناءها
ولا تجد في الأرض
متسعا لكل هذا الحزن.
لن يمحو الضباب وجهك
ولا تطفئ النار روحك
ففي ترابك نور
لا يعرف الانطفاء
وفي جراحك
تولد الجهات من جديد.
كل جذر قُطع
يكتب نبضه تحت الأرض
وكل بيت هُدم
يظل واقفا
في ذاكرة الريح.
وكل أم
وضعت اسم طفلها
بين يدي السماء
ستظل تنتظر
أن يعيده الصباح.
سيعود الحبق…
إلى الأدراج
إلى شقوق البيوت
إلى أيدي النساء
إلى مواسم التبغ
إلى شرفات الليمون
وقهوة الصباح.
سيعود…
لأن الأرض التي شربت دم أبنائها
لا تموت.
سيسترد الجنوب
عرشه المسلوب
يغسل وجهه من الرماد
ويفتح للضوء
آخر نافذة…
ثم يقول للسماء
أنا لم أنطفئ…
كنت فقط
أجمع قلبي
من بين الحطام.
ليلى بيز المشغرية













