
الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر وكوسوفا: جسر حضاري بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
9
9
9
9
9
محمد فؤاد شاكر وكوسوفا: العلم والوفاء والجسر الحضاري بين مصر وكوسوفا
دراسة في حياته العلمية والفكرية، ودوره في خدمة القضية الكوسوفية، وعلاقته بالبروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، وأثر الأدب والشعر في توثيق الذاكرة المشتركة
بقلم: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي
E-mail: [email protected]
المقدمة
في سجل العلاقات الفكرية والثقافية والإنسانية بين الشعوب، تبرز شخصيات علمية لا تتوقف رسالتها عند حدود تخصصها الأكاديمي، بل تتجاوزها إلى خدمة قضايا الإنسان، والدفاع عن الحق، وبناء جسور التواصل بين الأمم. ومن هذه الشخصيات يبرز الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر (1949–2011) بوصفه عالمًا أزهريًا ومفكرًا وداعيةً وكاتبًا، جمع بين التكوين العلمي المتين، والحضور الفكري والثقافي والإعلامي، والاهتمام بقضايا العالم الإسلامي.
وتأتي قضية كوسوفا في مقدمة القضايا التي كشفت عن البعد الإنساني والفكري في شخصية الدكتور محمد فؤاد شاكر؛ إذ لم ينظر إليها باعتبارها قضية سياسية عابرة، وإنما تعامل معها في إطار أوسع يرتبط بالإنسان والعدل والتضامن وحقوق الشعوب. وقد أسهمت كتاباته ومواقفه ولقاءاته في إبقاء القضية حاضرة في المجال الفكري والثقافي والإعلامي، وفي تعريف قطاعات من النخب العربية والإسلامية بما تعرض له الشعب الكوسوفي من معاناة. وتؤكد الدراسة أن لقاءاته المتكررة مع البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي كانت مجالًا لتبادل الرؤى والمعلومات حول تطورات قضية كوسوفا، وللتعاون في خدمة هذه القضية.
ولا تقتصر أهمية هذه الدراسة على الجانب العلمي من حياة الدكتور شاكر، وإنما تمتد إلى تحليل شبكة التأثير التي تشكلت حول شخصيته: في الفكر، والدين والدعوة، والثقافة، والأدب، والإعلام، والتاريخ، والسياسة، والدبلوماسية. كما تتوقف الدراسة عند الدور الذي أدته العلاقة العلمية والإنسانية بينه وبين الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي في تحويل التواصل الشخصي إلى تعاون يخدم قضية كوسوفا ويعزز أواصر الأخوة والتفاهم بين مصر وكوسوفا.
ويكتسب الجانب الأدبي في هذا المقال أهمية خاصة؛ فقد تحولت قضية كوسوفا في تجربة الدكتور محمد فؤاد شاكر من موقف فكري ودعوي إلى تعبير شعري يحمل مشاعر التضامن مع الشعب الكوسوفي، ويجعل من الشعر شاهدًا على مرحلة تاريخية مؤلمة. وقد كشفت القراءة النقدية للقصيدة أن النص يجمع بين الوجدان الشعري والمرجعية الدينية والوعي التاريخي والرسالة الإنسانية، وأنه أسهم في نقل القضية من المجال السياسي المجرد إلى المجال الإنساني والوجداني.
ثم يأتي الفصل الحادي عشر، بما يحمله من قصيدة الوفاء “من كوسوفا إلى مصر: سلام الوفاء”، ليكمل الدائرة من الجانب الآخر؛ فبعد أن كان صوت مصر متوجهًا إلى كوسوفا تضامنًا ومساندة، يأتي صوت كوسوفا إلى مصر محملًا بالوفاء والاعتراف بالجميل. وهنا يتحول الشعر إلى جسر رمزي بين الشعبين، وتحول الذكرى إلى ذاكرة مشتركة تحفظ أثر العلماء والمثقفين الذين أسهموا في التقريب بين الأمم.
ومن ثم، فإن هذه الدراسة لا تسعى إلى تقديم سيرة علمية مجردة للدكتور محمد فؤاد شاكر، وإنما تحاول قراءة تجربته في سياق أوسع، هو سياق العلم عندما يتحول إلى رسالة، والفكر عندما يصبح موقفًا، والأدب عندما يصبح ذاكرة، والعلاقات الإنسانية عندما تتحول إلى جسور بين الشعوب. وفي هذا الإطار تبرز كوسوفا بوصفها المحور الذي التقت حوله أبعاد متعددة من تجربة الدكتور شاكر وعلاقته بالدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي.
الفصل الأول: النشأة والتكوين العلمي
1.1 المولد والنشأة
وُلد الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر في الخامس من أكتوبر عام 1949م، بقرية الحسينات التابعة لمركز أبو تشت بمحافظة قنا في صعيد مصر. هذه النشأة الريفية في صعيد مصر، حيث تتداخل روافد الثقافة الإسلامية مع التقاليد المصرية الأصيلة، شكّلت الأساس الأول لشخصيته العلمية والدعوية. فقد نشأ في بيئة محافظة، تقدّر العلم والعلماء، وتحترم الأزهر الشريف بوصفه المؤسسة العلمية الدينية الأولى في مصر والعالم الإسلامي.
1.2 حفظ القرآن الكريم والبدايات التعليمية
بدأ حياته بالتعليم الديني، حيث حفظ القرآن الكريم في صغره في كتّاب القرية. وقد كان حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة أساسًا متينًا لتكوينه اللغوي والديني، إذ منحه القدرة على التعامل مع النصوص الشرعية بفهم عميق، ومكّنه من استيعاب علوم العربية والبلاغة. وقد أشارت سيرته إلى أنه حفظ القرآن الكريم وعمره عشر سنوات، واعتلى منبر المسجد في قريته لخطبة الجمعة وهو في سن الثانية عشرة، وهي إشارة دالة على نبوغه المبكر وقدرته الخطابية الفذة.
1.3 التدرج في التعليم الأزهري
بدأ حياته العملية فور تخرجه، حيث عمل مدرسًا بالأزهر الشريف في المعاهد الأزهرية عام 1969م. ثم واصل دراسته العليا أثناء عمله، فحصل على درجة التخصص (الماجستير) في العلوم الإسلامية برسالة عنوانها أبو الوفا الشرفاوي المتصوف: حياته وآثاره. وظل يترقى في الأزهر حتى وصل إلى وظيفة موجه، وحصل على الدكتوراه في الحديث النبوي الشريف برسالة عنوانها الأحاديث الموضوعة عند الصوفية في القرن السابع الهجري.
هذا التكوين العلمي المزدوج — بين العلوم الإسلامية عامة، والتصوف والحديث خاصة — منحه قدرة فريدة على الجمع بين المنهج النقلي في الحديث والمنهج الذوقي في التصوف، وهو ما انعكس بوضوح على نتاجه الفكري.
1.4 المؤهلات العلمية
يمكن إجمال مؤهلاته العلمية على النحو التالي:
– ليسانس الآداب من جامعة الإسكندرية.
– ماجستير في التصوف الإسلامي برسالة عن “أبو الوفا الشرفاوي المتصوف: حياته وآثاره”.
– دكتوراه في الحديث النبوي الشريف برسالة عن “الأحاديث الموضوعة عند الصوفية في القرن السابع الهجري”.
هذا التدرج العلمي يكشف عن منهجية متكاملة: بدأ من الآداب واللغة، ثم تخصص في التصوف الإسلامي، ثم ارتقى إلى الحديث النبوي الشريف. وهذا التكامل بين اللغة والتصوف والحديث هو ما جعله عالمًا موسوعيًا قادرًا على التعامل مع النصوص من زوايا متعددة.
الفصل الثاني: المسيرة المهنية والمناصب العلمية
2.1 العمل في المعاهد الأزهرية
عمل الدكتور محمد فؤاد شاكر مدرسًا بالأزهر الشريف في المعاهد الأزهرية منذ عام 1969م، ثم عمل شيخًا بالمعاهد الأزهرية، ثم موجهًا بها. وهذه المرحلة من حياته المهنية كانت حاسمة في تكوينه العلمي والتربوي، إذ أتاحت له الاحتكاك المباشر بالطلاب، والتعرف على قضاياهم، ومشكلاتهم الفكرية، مما صقل مهاراته الدعوية والتربوية.
2.2 العمل الجامعي
بعد حصوله على الدكتوراه، عمل فترة في كلية التربية بجامعة قناة السويس لتدريس مادة الدراسات الإسلامية لطلابها. ثم تم نقله إلى جامعة عين شمس، حيث عمل أستاذًا للدراسات الإسلامية، ثم رئيسًا لقسم الدراسات الإسلامية والعربية في كلية التربية بجامعة عين شمس، ثم أستاذًا جامعيًا متفرغًا.
هذه المسيرة الجامعية تعكس المكانة العلمية التي وصل إليها، والتقدير الأكاديمي الذي حظي به في الأوساط الجامعية. فقد جمع بين الخبرة الأزهرية العريقة والخبرة الجامعية الحديثة، وهو ما جعله قادرًا على مخاطبة العقل الأكاديمي بلغة علمية رصينة، ومخاطبة العامة بلغة مبسطة مؤثرة.
الفصل الثالث: الأثر العلمي والفكري
3.1 النشاط العلمي
إن الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر ذو نشاط واسع في مجال الفكر والمعرفة، وله مشاركات عديدة في ميدان الفكر والثقافة، كما أنه يكتب في عدد غير قليل من الصحف والمجلات العربية والإسلامية. ومن أبرز نشاطاته العلمية والفكرية:
1. له مقالة ثابتة في جريدة “اللواء الإسلامي بعنوان “قال لي صاحبي”، وهو يرد فيها على العلمانيين وأصحاب الانحرافات الفكرية.
2. يكتب مقالات وبحوثًا عديدة في جريدة الأهرام، ومجلة التصوف الإسلامي، ومجلة عقيدتي.
3. يكتب في عدد غير قليل من الصحف العربية والإسلامية.
4. يشارك في البرامج الإذاعية في إذاعة القرآن الكريم، والبرنامج العام، وصوت العرب، والقنوات التليفزيونية المصرية والعربية.
5. يقوم بالإشراف على العديد من الرسائل العلمية والبحوث الدراسية.
6. اشترك في العديد من المؤتمرات العلمية داخل مصر وخارجها.
3.2 تقييم الأثر العلمي
يمكن تقييم الأثر العلمي للدكتور محمد فؤاد شاكر من خلال عدة محاور:
أولًا: الإسهام في الدراسات الحديثية: تمثلت أبرز إسهاماته العلمية في مجال الحديث النبوي الشريف في دراسته عن “الأحاديث الموضوعة عند الصوفية في القرن السابع الهجري”. هذه الدراسة تعد إسهامًا علميًا رائدًا في مجال نقد الحديث الموضوعي، إذ جمعت بين منهج المحدثين في نقد الأسانيد والمتون، ومنهج المؤرخين في تحليل السياقات الاجتماعية والفكرية. وقد كشفت هذه الدراسة عن قدرة الدكتور شاكر على المزج بين الدقة العلمية في نقد الأحاديث، والفهم العميق للتصوف الإسلامي وتاريخه.
ثانيًا: الإسهام في الدراسات الصوفية: تمثلت دراساته عن “أبو الوفا الشرفاوي” و”أحمد رضوان” إسهامًا في توثيق تاريخ التصوف الإسلامي في مصر، وكشف عن شخصيات صوفية كان لها دور كبير في الحياة الدينية والاجتماعية. وقد جمع في هذه الدراسات بين المنهج التاريخي في توثيق السير، والمنهج التحليلي في دراسة الأفكار والآثار.
ثالثًا: الإسهام في الفكر الإسلامي المعاصر: تمثلت مؤلفاته مثل “المسيح الدجال” و”زواج باطل” و”ليس من قول النبي” في معالجة قضايا فكرية معاصرة من منظور إسلامي أصيل. وقد جمع فيها بين العمق العلمي والبساطة في العرض، مما جعلها في متناول القراء من مختلف المستويات الثقافية.
رابعًا: الإشراف العلمي: قام بالإشراف على العديد من الرسائل العلمية والبحوث الدراسية، مما ساهم في تخريج أجيال من الباحثين المتخصصين في الدراسات الإسلامية. وهذا الإسهام في تكوين الكوادر العلمية يعد من أهم آثار الدكتور شاكر العلمية، لأنه يمتد عبر الأجيال.
الفصل الرابع: الأثر الديني والدعوي
4.1 الرحلات الدعوية
قام الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر بدور بارز في نشر العلم، ونشر روح السماحة والترابط بين المسلمين. فقد عمل في بداية عام 1981م في بلاد اليمن السعيد، وكان خطيبًا للجمعة في مساجد صنعاء عاصمة جمهورية اليمن، وقام هناك برسالة الدعوة إلى الله لمدة ست سنوات. كما سافر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية داعيًا إلى الله تعالى.
وهو في كل ذلك يرتكز على حبه لله، وحبه لرسول الله ﷺ، مما دفعه إلى الوسطية في نشر الدعوة دون إفراط أو تفريط. هذه الرحلات الدعوية كانت لها آثار مهمة في نشر الفكر الإسلامي الوسطي في هذه البلاد، وفي تعزيز الروابط بين مصر وهذه الدول الشقيقة.
4.2 تقييم الأثر الديني والدعوي
يمكن تقييم الأثر الديني والدعوي للدكتور محمد فؤاد شاكر من خلال المحاور التالية:
أولًا: نشر الفكر الوسطي: تمثلت أهم إسهاماته الدعوية في نشر الفكر الإسلامي الوسطي المعتدل، القائم على الفهم الصحيح للإسلام، البعيد عن الغلو والتطرف، وعن التفريط والتقصير. وقد جسد هذا المنهج في كل أعماله الدعوية، سواء في مصر أو في البلاد التي سافر إليها.
ثانيًا: الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة: تميز أسلوبه الدعوي بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، والبعد عن التنفير والتشدد. وقد أشارت سيرته إلى أنه كان “يدعو بالحكمة والرشاد، ويعين الناس على التفقه في الدين ببصيرة وتواضع، ويوضح الآراء المخالفة بأدب ورفق وموعظة هادفة”.
ثالثًا: التصدي للغلو والتطرف: تصدى الدكتور شاكر في بداية التسعينات لتيار الغلو الذي كان منتشرًا عن طريق بعض الجماعات التي نسبت نفسها إلى الإسلام. وتنقل في كل ربوع مصر، يكشف زيف هذا الإفراط، ويدعم الدعوة الراشدة البعيدة عن الإفراط والتفريط. وهذا الموقف الجريء في مواجهة الغلو والتطرف يعكس شجاعته العلمية ومسؤوليته الدينية.
رابعًا: التصدي للفكر الرافضي: تصدى الدكتور شاكر لفكر الرافضة في قضية معروفة في بلاد المسلمين في منتصف التسعينات، وقام بالرد على تلك الأفكار بالكتابة في الصحف، وعقد اللقاءات والندوات، حتى ضبط التنظيم الرافض، وفشل سعيه في تشتيت وحدة الأمة وفي التطاول على صحابة رسول الله. وهذا الموقف يعكس دفاعه عن وحدة الأمة وعن مكانة الصحابة الكرام.
خامسًا: الدعوة إلى تأليف الأمة: دعا الدكتور شاكر إلى تأليف الأمة وجمعها على كلمة واحدة، وندد بمحاولات الأعداء للنيل من مكانة الإسلام والمسلمين. وكان يكتب في الصحف منددًا بمحاولات الاستئصال التي يقوم بها أعداء الإسلام للمسلمين في بلاد البلقان. وهذا الموقف يعكس وعيه بقضايا الأمة الإسلامية في مختلف أنحاء العالم.
الفصل الخامس: الأثر الثقافي والأدبي
5.1 النتاج الفكري والأدبي
للأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر آثار علمية ضخمة، ونتاج فكري فخم، وتراثه أثر في نفوس كثير من عشاق العلم ورواد المعرفة على اختلاف مشاربهم. وتشهد مؤلفاته الصوفية وغيرها على قدرته وحذقه، ومكانته، ومدى حبه لدينه، والدفاع عن عقيدته. وهي كلها مصنفات تحلت بالإبداع والتميز، وتميزت بالحس المرهف، وفيها دعوة إلى الالتجاء إلى الله بصفاء نفس ونقاء قلب، والبعد عن الانحرافات الباطلة، والخرافات المضللة.
كما أن فيها دعوة إلى الإنصاف والوسطية ونبذ الإفراط والتفريط في شتى المجالات. ومن يطلع على مصنفاته يجد علمًا غزيرًا.
5.2 أبرز مصنفاته
من أبرز مصنفاته وأهمها ما يلي:
1. “المسيح الدجال مسيح الضلالة، وعيسى بن مريم مسيح الهدى — ط مكتبة الحجاز، نشر دار البشر، القاهرة، سنة 1993م.
2. “زواج باطل: المسيار – العرفي – السري – المتعة” — ط القاهرة، توزيع مكتبة أولاد الشيخ للتراث.
3. “ليس من قول النبي ﷺ” — ط مطابع الفاروق الحديثة، القاهرة، نشر مكتبة أولاد الشيخ للتراث، سنة 2001م.
4. “العارف بالله الشيخ أحمد رضوان: حياته وآثاره” — ط القاهرة، سنة 1997م.
5. “حديث الآحاد ومكانته في السنة” — نشر مكتبة الحجاز، القاهرة، سنة 1997م.
6. “إظهار الشناعة في الرد على منكر الشفاعة” — ط القاهرة الأولى، سنة 1999م.
7. “من إعجاز السنة المشرفة” — ط القاهرة، دار النيل، سنة 1995م.
8. “أبو الوفا الشرقاوي المتصوف: حياته وآثاره” — ط القاهرة.
9. “رسالة إلى الذي يقول ببدعية الاحتفال بمولد الرسول” — نشر شركة الإسلام، القاهرة.
10. “صحابي وحديث”.
11. “آية وحديث”.
12. “الأحاديث الموضوعة عند الصوفية في القرن السابع الهجري”.
13. “العنوسة وخطرها على المجتمع الإسلامي”.
14. “الاحتيال المشروع في الإسلام”.
5.3 تقييم الأثر الثقافي والأدبي
يمكن تقييم الأثر الثقافي والأدبي للدكتور محمد فؤاد شاكر من خلال المحاور التالية:
أولًا: إثراء المكتبة الإسلامية: أسهمت مؤلفاته في إثراء المكتبة الإسلامية بموضوعات متنوعة، تجمع بين علوم الحديث والتصوف والفكر الإسلامي المعاصر. وقد تنوعت هذه المؤلفات بين الدراسات الأكاديمية المتخصصة، والكتب الموجهة للجمهور العام، والرسائل العلمية المحكمة.
ثانيًا: الأسلوب الأدبي الرفيع: تميز أسلوبه الأدبي بالجمع بين لغة التراث ونسيج ألفاظ السلف وروح الأصالة، وبين معاصرة القضايا التي أجاد في التصدي لها. فكأنك تقرأ أو تسمع نسيجًا متآلفًا بين أصالة أئمتنا من السلف المتقدمين ومعاصرة القضايا المعاصرة. وهذا الأسلوب يجعل كتاباته في متناول القراء من مختلف المستويات الثقافية.
ثالثًا: التنوع الموضوعي: تنوعت موضوعات مؤلفاته بين العقيدة (المسيح الدجال، الشفاعة)، والفقه (زواج باطل، الاحتيال المشروع)، والحديث (ليس من قول النبي، حديث الآحاد، الأحاديث الموضوعة)، والتصوف (أبو الوفا الشرقاوي، أحمد رضوان)، والاجتماع (العنوسة). وهذا التنوع يعكس موسوعية علمه، وقدرته على معالجة مختلف القضايا من منظور إسلامي شامل.
رابعًا: الحس المرهف: تميزت مؤلفاته بالحس المرهف، وفيها دعوة إلى الالتجاء إلى الله بصفاء نفس ونقاء قلب، والبعد عن الانحرافات الباطلة والخرافات المضللة. وهذا الحس الصوفي يضفي على كتاباته روحانية خاصة، تجعلها مؤثرة في النفوس.
الفصل السادس: الأثر السياسي والدبلوماسي
6.1 الدور السياسي غير المباشر
على الرغم من أن الدكتور محمد فؤاد شاكر لم يتولَّ مناصب سياسية رسمية، إلا أن نشاطه الدعوي والعلمي كان له أثر سياسي غير مباشر. فقد قام بدور بارز في نشر روح السماحة والترابط بين المسلمين، وفي التصدي لتيارات الغلو والتطرف التي كانت تهدد استقرار المجتمعات الإسلامية.
6.2 الأثر الدبلوماسي
يمكن تقييم الأثر الدبلوماسي للدكتور محمد فؤاد شاكر من خلال المحاور التالية:
أولًا: السفير غير الرسمي للفكر الإسلامي الوسطي: من خلال رحلاته الدعوية إلى اليمن والإمارات والسعودية، قام بدور سفير غير رسمي للفكر الإسلامي الوسطي. فقد جسد صورة الإسلام السمحة المعتدلة، وساهم في تعزيز الصورة الإيجابية لمصر وللأزهر الشريف في هذه البلاد.
ثانيًا: تعزيز الروابط الثقافية والعلمية: ساهمت رحلاته ومشاركاته في المؤتمرات العلمية داخل مصر وخارجها في تعزيز الروابط الثقافية والعلمية بين مصر والبلاد الإسلامية. وقد كان له دور في نقل الخبرات العلمية والدعوية بين هذه البلاد.
ثالثًا: مواجهة الفكر المتطرف: كان لجهوده في مواجهة الفكر المتطرف والرافضي أثر مهم في حماية الأمن الفكري للمجتمعات الإسلامية، وفي تعزيز الوحدة الوطنية والإسلامية. وهذا الدور الأمني والفكري يعد شكلًا من أشكال الدبلوماسية الوقائية.
الفصل السابع: المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها
7.1 ملامح المدرسة الفكرية
ينتمي الدكتور محمد فؤاد شاكر إلى مدرسة فكرية تجمع بين العناية بالتراث الإسلامي وأخذ أحسنه، وبين محبة آل بيت النبي ﷺ وما يستلزمه ذلك من الحفاظ على سنته الشريفة. فضلًا عن المجاهرة بالحق والدعوة بالحكمة والرشاد، وعون الناس على التفقه في الدين ببصيرة وتواضع، وتوضيح الآراء المخالفة بأدب ورفق وموعظة هادفة.
فهو عالم له رؤيته التراثية والتصوفية، ويجمل ذلك بهضم لقضايا أمته المعاصرة، وقدرة على التخاطب والحوار مع المخالفين، وقدرة على التأثير وجذب القلوب في المحبين.
7.2 تقييم المدرسة الفكرية
يمكن تقييم المدرسة الفكرية للدكتور محمد فؤاد شاكر من خلال المحاور التالية:
أولًا: الجمع بين الأصالة والمعاصرة: تجمع مدرسته الفكرية بين العناية بالتراث الإسلامي وأخذ أحسنه، وبين معاصرة القضايا التي أجاد في التصدي لها. وهذا الجمع بين الأصالة والمعاصرة هو ما يميزه عن غيره من العلماء.
ثانيًا: محبة آل البيت: تميزت مدرسته بمحبة آل بيت النبي ﷺ، وما يستلزمه ذلك من الحفاظ على سنته الشريفة. وهذا الموقف يعكس اعتداله وإنصافه، ويجعله قادرًا على مخاطبة مختلف التيارات الإسلامية.
ثالثًا: المجاهرة بالحق: تميزت مدرسته بالمجاهرة بالحق، والدعوة بالحكمة والرشاد، وعون الناس على التفقه في الدين ببصيرة وتواضع. وهذا الموقف يعكس شجاعته العلمية ومسؤوليته الدينية.
رابعًا: الحوار مع المخالفين: تميزت مدرسته بالقدرة على التخاطب والحوار مع المخالفين، وتوضيح الآراء المخالفة بأدب ورفق وموعظة هادفة. وهذا المنهج الحواري هو ما جعله قادرًا على التأثير وجذب القلوب.
الفصل الثامن: العلاقة مع البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي والأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر
تربط الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر علاقة علمية وإنسانية متميزة بالبروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي. وقد تجلى ذلك في قيام الدكتور بكر إسماعيل بكتابة سيرة الدكتور محمد فؤاد شاكر، مما يدل على عمق الثقة والتقدير المتبادل بينهما.
هذه العلاقة القائمة على الاحترام المتبادل والتقدير العلمي، تعكس روح الأخوة في الله والتعاون على البر والتقوى. وقد أسهمت هذه العلاقة في إثراء الساحة العلمية والدعوية، حيث تبادل الخبرات والتجارب في مجال الدراسات الإسلامية. كما أن هذه العلاقة تمثل نموذجًا للتعاون العلمي بين العلماء في العالم الإسلامي، والذي يتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات الوطنية.
لقائي بالأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر
التعريف بالشخصية
إن الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر يعتبر واحداً من قمم الفكر الإسلامي المعاصر، كما أنه قام بجهود بناءة في مجال الدعوة الإسلامية، لما له من تأثير وثقل فكري كبير في مجال الفكر الإسلامي المعاصر.
وهذا المفكر الجليل قد أخذ على عاتقه في هذه الحياة مهمة التنوير، والعمل على حشد الأدلة التي بها ينتصر الحق، والحرص على شئون المسلمين والاهتمام البالغ بهم، وتقديم أقصى الجهود الممكنة في سبيل إتمام رسالة التنوير والتوجيه بالانتصار على ركام التخلف الفكري والمادي.
جهوده في خدمة قضايا العالم الإسلامي
ولقد أسهم فضيلته بنصيب كبير في عملية تبنى قضايا العالم الإسلامي وإثارتها في جميع المحافل المحلية والدولية، وقد حرص على طرح هذه القضايا بالأسلوب العلمي القوي المؤثر، والدعوة الدؤوبة لإيجاد حل جذري لتلك القضايا التي يئن تحت وطأتها عالمنا الإسلامي المعاصر.
ومفكرنا الكبير ذو خبرة عالية وممتازة في معالجة القضايا التي تدافع عن الفرد المسلم وحقوقه الشرعية، فهو من الذين وهبهم الله من نور علمه الواسع.
قصة اللقاء الأول
وقد كنت سمعت عنه من خلال وسائل الإعلام المختلفة، فرأيت لزاماً عليَّ أن أتصل به وأجتهد في لقائه نظراً لما يتمتع به من فكر مستنير، وعقلية علمية حرة مثمرة.
ولما اتصلت به رحب بي ترحيباً شديداً، فلمست فيه الروح العلمية والأخلاقية السامية والتي تركت في نفسي أثراً بالغاً في التعلق به بمجرد الاتصال.
ثم التقيت به وتبادلنا الآراء والأفكار وقدمت له المعلومات عن المسلمين وأحوالهم في منطقة البلقان.
الانطباعات عن الشخصية
ومن خلال لقائي الأول به لمست أن هذا الرجل يتمتع بفكر عال، واطلاع واسع، وخبرة هائلة في ميدان العلوم والثقافة، كما أثرت شخصيته في نفسي، وشعرت بقيمته كمفكر، ودوره المؤثر في النهضة بعالمنا الإسلامي نحو التقدم والحضارة والرقي.
وعلى الرغم من مكانته العلمية ومنزلته الثقافية إلا أنه يتمتع بالتواضع، والأخلاق الرفيعة، والسماحة العالية، والروح الإسلامية التي تسمو بالنفس نحو الخالق سبحانه وتعالى.
كلمة تقدير
ولا يسعني في هذا المقام إلا أن أقول: إن هذه الشخصية تعتبر مثالاً رائعاً في العلم والدين، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، والله هو الهادي إلى سواء السبيل.
استمرار اللقاءات والتعاون
فكنا نلتقي كثيراً في المؤتمرات والندوات وخاصة عن قضية كوسوفا. وكان يزورني في مكتبي دائماً وكنت أحدثه عن أحدث التطورات عن قضية كوسوفا، ودائماً كان يصحب معه خلال زيارتي أصدقاءه والمثقفين والمفكرين حتى يتعارفوا معي ومع قضية كوسوفا.
وفي ختام هذا الفصل، يمكن القول إن العلاقة العلمية والإنسانية التي ربطت الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر بالبروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي كانت علاقة مثمرة وعميقة، تجاوزت حدود اللقاءات العابرة إلى شراكة حقيقية في خدمة قضايا الأمة الإسلامية. وقد تجلى أثر هذه العلاقة بوضوح في التعاون المثمر حول قضية كوسوفا، والتي كانت ولا تزال من أهم القضايا التي تشغل العالم الإسلامي.
تقييم أثر هذه اللقاءات والتعاون على خدمة قضية كوسوفا
الأثر الفكري
أسهمت اللقاءات الفكرية بين الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي والدكتور محمد فؤاد شاكر في بلورة رؤية فكرية واضحة حول قضية كوسوفا، حيث تم طرح القضية بأسلوب علمي مؤثر بعيداً عن العواطف غير المنضبطة. وقد ساعدت خبرة الدكتور شاكر الواسعة في معالجة القضايا الإسلامية على تقديم تحليل عميق للأبعاد الفكرية لقضية كوسوفا، مما أثرى الفكر الإسلامي المعاصر بمعالجات موضوعية لهذه القضية المصيرية.
الأثر الأدبي
انعكس هذا التعاون على الحياة الأدبية من خلال ما كُتب عن قضية كوسوفا من مقالات وأبحاث ودراسات، حيث تم توظيف البلاغة الأدبية والأسلوب العلمي الرصين في خدمة القضية. وقد أسهمت هذه الكتابات في إيصال صوت كوسوفا إلى العالم الإسلامي والعالمي بأسلوب أدبي مؤثر يجمع بين المتعة الفكرية والتأثير الوجداني.
الأثر الإعلامي
كان للتعاون بين العالمين أثر بالغ في الحياة الإعلامية، حيث حرص الدكتور شاكر على إثارة قضية كوسوفا في جميع المحافل المحلية والدولية. وقد استفادت القضية من الحضور الإعلامي للدكتور شاكر ومن شبكة علاقاته الواسعة مع وسائل الإعلام المختلفة، مما أسهم في تسليط الضوء على معاناة المسلمين في كوسوفا وتسخير الرأي العام العالمي لصالحهم.
الأثر الثقافي
أسهمت اللقاءات الثقافية بين الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي والدكتور محمد فؤاد شاكر في تعزيز الوعي الثقافي بقضية كوسوفا، حيث كان الدكتور شاكر يصحب معه المثقفين والمفكرين للتعرف على القضية عن قرب. وقد أسهم هذا التعارف الثقافي في نشر الوعي بقضية كوسوفا بين النخب الثقافية العربية والإسلامية، مما وسع دائرة الدعم للقضية.
الأثر الديني
كان للبعد الديني أثر كبير في هذه العلاقة، حيث كانت الروح الإسلامية الجامعة هي المحرك الأساسي للتعاون. وقد أسهم هذا التعاون في توحيد الجهود الدعوية لخدمة قضية كوسوفا، وتقديم الدعم الديني والمعنوي للمسلمين هناك. كما أسهمت العلاقة في تعزيز روح الأخوة الإسلامية والتعاون على البر والتقوى بين العلماء.
الأثر العلمي
أسهم التعاون العلمي بين العالمين في إثراء الدراسات الإسلامية المتعلقة بقضية كوسوفا، حيث تم تبادل الخبرات والتجارب في مجال الدراسات الإسلامية. وقد استفادت المكتبة الإسلامية من هذه الشراكة العلمية بما قدمته من أبحاث ودراسات رصينة حول قضية كوسوفا.
الأثر التاريخي
ترك هذا التعاون أثراً تاريخياً مهماً في توثيق قضية كوسوفا، حيث ساهمت اللقاءات والمراسلات بين العالمين في حفظ ذاكرة القضية وتوثيق مراحلها المختلفة. كما أن كتابة الدكتور بكر إسماعيل لسيرة الدكتور محمد فؤاد شاكر تعتبر وثيقة تاريخية مهمة تسجل العلاقة بين العالمين وجهودهما المشتركة.
الأثر السياسي
كان للتعاون بين العالمين أثر سياسي واضح في خدمة قضية كوسوفا، حيث استفادت القضية من الحضور السياسي والدبلوماسي للدكتور شاكر في المحافل الدولية. وقد أسهمت جهوده في إثارة القضية سياسياً وحشد الدعم الدولي لها، مما أسهم في إيجاد حل جذري لتلك القضية.
الأثر الدبلوماسي
أسهمت العلاقة بين العالمين في تعزيز الدبلوماسية الشعبية والرسمية لخدمة قضية كوسوفا، حيث كان الدكتور شاكر يمثل جسراً للتواصل بين المسلمين في كوسوفا والجهات الرسمية والشعبية في العالم الإسلامي. وقد أسهمت هذه الدبلوماسية في تعزيز الدعم الدولي لقضية كوسوفا.
الأثر في خدمة قضية كوسوفا
وفي المحصلة النهائية، يمكن القول إن اللقاءات والتعاون بين البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي والأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر كان له أثر بالغ في خدمة قضية كوسوفا على جميع المستويات. فقد أسهم هذا التعاون في إيصال صوت كوسوفا إلى العالم، وحشد الدعم لها، وتقديم الدعم المادي والمعنوي للمسلمين هناك، والعمل على إيجاد حل جذري للقضية. وقد كان هذا التعاون نموذجاً يحتذى به في التعاون العلمي والإنساني بين العلماء في خدمة قضايا الأمة الإسلامية.
الفصل التاسع: دور الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر في خدمة قضية الشعب الكوسوفي
في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر، تبرز شخصياتٌ جمعت بين العلم والمعرفة، وبين الوجدان والشعور، وبين الكلمة والموقف. ومن هذه الشخصيات البارزة الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر، ذلك العالم والمفكر الجليل الذي لم يكن يوماً بعيداً عن قضايا أمته الإسلامية، ولم يكن أبداً متخلفاً عن نصرة المستضعفين في الأرض.
وقد كان للمسلمين في البلقان، وخاصة في كوسوفا، نصيبٌ وافر من اهتمام هذا المفكر الكبير، الذي رأى في مأساتهم صورةً من صور الظلم الذي يتعرض له المسلمون في بقاع شتى من العالم. فكان شعره سلاحاً، وكلماته نداءً، ومواقفه شهادةً على حبٍّ صادقٍ للإسلام وأهله.
هذا الفصل يتناول دور الدكتور محمد فؤاد شاكر في خدمة قضية الشعب الكوسوفي، من خلال تحليل مواقفه الفكرية والأدبية، ودراسة شعره الذي خصصه لمساندة المسلمين في البلقان، مع تحليل أدبي نقدي لأبياته التي تجسدت فيها معاني التضامن والأخوة الإسلامية.
أولاً: الدور الفكري والدعوي في خدمة القضية الكوسوفية
1. المواقف المشهودة والآراء المؤثرة
لم يكن الدكتور محمد فؤاد شاكر عالماً منعزلاً في برج عاجي، بل كان مفكراً منخرطاً في هموم أمته، ينادي دائماً في بحوثه ومؤلفاته بالتآلف العربي والإسلامي، ونبذ الخلافات، والرجوع إلى الدين ومبادئه، والتمسك بتعاليم القرآن والسنة، حتى يتمكن المسلمون من مواجهة خطر الأعداء.
هذه الدعوة المستمرة إلى الوحدة والتآلف لم تكن مجرد شعارات نظرية، بل كانت ممارسة عملية تجلت في مواقفه من قضايا المسلمين، ومنها قضية كوسوفا. فقد أدرك الدكتور شاكر أن تمزق المسلمين وتفرقهم هو السبب الرئيسي في تعرضهم لهذه المآسي المتكررة، وأن الوحدة هي السبيل الوحيد للخلاص.
2. شخصية المفكر ودوره المتعدد
وشخصية مثل شخصية هذا المفكر لها دور بارز وفاعل في خدمة قضايا العالم الإسلامي من جوانب عديدة:
– من خلال الكتابات في الصحف والمجلات: حيث كان يوظف قلمه للدفاع عن قضايا المسلمين وكشف مآسيهم.
– من خلال المؤلفات: التي خلدت قضايا الأمة وأرشفت معاناتها.
– من خلال الاجتماعات والندوات: حيث كان يثير القضايا التي تشغل العالم الإسلامي في كثير من اجتماعاته وندواته.
– من خلال شخصه وفرده: فقد كان سفيراً لقضايا المسلمين في كل محفل يحضره.
وما ذاك منه إلا غيرة على الإسلام وأهله، ويبكي لألم المصاب، ويبذل أقصى ما في وسعه لمساعدة ومساندة المسلمين في كل مكان، وخاصة الشعب الكوسوفي.
3. البعد الإنساني في مواقفه
تميزت مواقف الدكتور شاكر ببعد إنساني عميق، فلم يكن يتعامل مع القضايا كأرقام أو إحصائيات، بل كان يتفاعل معها بوجدانه وقلبه. فكان يبكي لألم المصاب، ويتألم لمعاناة المسلمين، وهذا التفاعل العاطفي هو ما جعل كلماته تصل إلى القلوب قبل العقول، وتحرك المشاعر قبل الأفكار.
الفصل العاشر: قصيدة الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر في نصرة مسلمي كوسوفا: قراءة أدبية نقدية في البعد الإنساني والديني والتاريخي والدبلوماسي
تمثل القصيدة التي نظمها الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر في نصرة شعب كوسوفا نموذجًا للشعر الذي يتجاوز حدود التعبير الجمالي الخالص ليؤدي وظيفة إنسانية وفكرية وثقافية. فقد جاءت القصيدة، بحسب النص المرفق، في سياق النكبات والمذابح التي تعرض لها المسلمون في البلقان، ولا سيما في كوسوفا، فجاء الشعر موقفًا من الألم، وصوتًا للتضامن، وتعبيرًا عن الرفض الأخلاقي لمعاناة المدنيين والشهداء. ويشير النص التمهيدي إلى أن الشاعر عالج في شعره قضايا متعددة، ودعا إلى مساندة المسلمين في البلقان، ثم ارتبطت القصيدة بمرحلة المذابح والنكبات التي شهدتها المنطقة.
وتنبع أهمية هذه القصيدة من اجتماع ثلاثة عناصر فيها: الوجدان الشعري، والمرجعية الدينية، والوعي بالقضية الكوسوفية. ومن ثم فإن قراءتها لا ينبغي أن تقتصر على الوزن والقافية والصور البلاغية، وإنما تمتد إلى دراسة الرسالة التي تحملها، والكيفية التي تحول بها الشعر إلى وثيقة وجدانية تعكس موقفًا من مرحلة تاريخية مؤلمة.
أولًا: البنية الموضوعية للقصيدة
تبدأ القصيدة بتصوير حال المسلمين في البلقان في صورة إنسانية مؤثرة:
والمسلمون غدواْ في شر هالكةٍ
كمقعد الداء يشكو الوهن والكسلا
فهنا يستخدم الشاعر التشبيه ليصور الضعف والعجز بصورة محسوسة؛ إذ يشبه حال المسلمين بمن أقعده المرض، وهي صورة تحمل دلالة الألم والحاجة إلى النهوض. ولا يكتفي الشاعر بوصف المأساة، بل ينتقل سريعًا إلى تصوير العنف الواقع على الإنسان:
وأخوة الدين في البلقان تقتلهم
جحافل الروس تردى الطفل والكهلا
وتتسع الدائرة الإنسانية في البيت التالي، إذ يبرز الأطفال بوصفهم ضحايا لا ذنب لهم:
رمى الدمار صغارًا ما جنايتهم
قد وحدوا الله ما عبدوا له بدلا
وهذه الصورة تنقل القصيدة من الحديث عن قضية سياسية محددة إلى قضية إنسانية تتعلق بحماية الأبرياء.
ثانيًا: صورة المرأة والمقاومة
يقول الشاعر:
ونسوةٍ قد وهبن النفس طيعةً
خضن الغمار يردن النصر مكتملا
ويمنح هذا البيت المرأة حضورًا فاعلًا في المشهد الشعري؛ فهي ليست مجرد متلقية للمأساة، بل تظهر في صورة المشاركة والتضحية. واختيار الفعلين “وهبن” و”خضن” يمنح الصورة حركة وقوة، ويجعل التضحية فعلًا إراديًا في البناء الشعري.
ومن الناحية النقدية، فإن هذا الانتقال من الأطفال إلى النساء ثم إلى الشهداء يوسع دائرة المأساة، ويجعل القصيدة أقرب إلى لوحة جماعية تتعدد فيها الشخصيات والرموز.
ثالثًا: صورة الشهادة والخلود
يقول الشاعر:
كم من نفوسٍ هوت تسعى لخالقها
وكم من شهيدٍ عدا للموت فارتحلا
ثم يقول:
الخالدون هم في جنةٍ عظمت
المؤمنون وفي فردوسه نزلا
تتحول المأساة هنا من الموت بوصفه نهاية إلى الموت بوصفه، في الرؤية الدينية التي تتبناها القصيدة، طريقًا إلى الخلود والثواب. وهذا التحول يمنح النص بعدًا عقائديًا وروحيًا، ويجعل الشهادة رمزًا للصبر والثبات في مواجهة المحنة.
والقصيدة في هذا الموضع لا تكتفي برثاء الضحايا، وإنما تمنحهم مكانة رمزية في الذاكرة الدينية والوجدانية، وهو ما يفسر قوة حضور مفردات: النفوس، الشهيد، الخالدون، المؤمنون، الجنة، الفردوس.
رابعًا: من وصف المأساة إلى الدعوة إلى اليقظة
من أبرز التحولات الفنية والفكرية في القصيدة قول الشاعر:
هذى الدماء همت حقًا لتيقظنا
لنحرق الجبن والإخفاق والكسلا
فبعد أن كان الشاعر يصف المأساة، أصبح يخاطب المتلقي مباشرة. وهذه النقلة من السرد والوصف إلى التحريض الوجداني تمنح القصيدة طاقة خطابية واضحة.
واللافت هنا أن الشاعر لا يجعل الدماء مجرد رمز للحزن، بل يجعلها سببًا لـ”تيقظنا”، أي إن المأساة ينبغي أن تؤدي إلى الوعي والمراجعة والنهوض. ومن الناحية الأدبية، يمثل هذا البيت نقطة تحول مركزية في القصيدة، لأنه ينقلها من الرثاء إلى الرسالة.
خامسًا: الرمز الديني في خاتمة القصيدة
يقول الشاعر:
يا سيدي يا أبا الزهراء ليس لنا
إلا لواءك نزكى تحته الأملا
ثم يختم:
لا نصر للحق إلا يوم يجمعنا
سبيل أحمد يهدى القول والعملا
تتخذ الخاتمة طابعًا دينيًا واضحًا، ويستدعي الشاعر شخصية النبي محمد ﷺ بوصفها رمزًا جامعًا للهداية والاقتداء. كما يجمع في البيت الأخير بين القول والعمل، فيجعل الهداية ليست مجرد فكرة نظرية، وإنما منهجًا عمليًا.
وهذا الختام يؤدي وظيفة فنية مهمة؛ فهو يعيد القصيدة إلى المرجعية التي تأسست عليها منذ بدايتها، ويمنحها خاتمة ذات طبيعة روحية وفكرية.
سادسًا: الخصائص الفنية والأسلوبية
1. اللغة
لغة القصيدة فصيحة، ذات معجم ديني ووجداني قوي، وتكثر فيها ألفاظ المأساة والشهادة والنصر والحق، إلى جانب المفردات ذات الدلالة الروحية.
2. الصورة الشعرية
تعتمد القصيدة على صور مباشرة وقوية، مثل تشبيه الضعف بالمرض، وتصوير الأطفال والنساء والشهداء في مشاهد متتابعة. وهذا يجعل الصور سهلة التلقي وقريبة من الوجدان.
3. الموسيقى الشعرية
الأبيات مكتوبة في إطار الشعر العربي الموزون ذي القافية، الأمر الذي يمنحها إيقاعًا خطابيًا مناسبًا لطبيعة الموضوع. ويساعد انتظام الموسيقى على ترسيخ الأبيات في الذاكرة.
4. التكرار
يتكرر في القصيدة عدد من المفاهيم المحورية، مثل: المسلمون، البلقان، الدماء، الشهيد، النصر، الحق. وهذا التكرار ليس مجرد تكرار لفظي، بل يرسخ المحاور الكبرى للنص.
5. الخطاب المباشر
يتحول الشاعر في مواضع مهمة من وصف الأحداث إلى مخاطبة الجماعة، ثم إلى الخطاب الديني المباشر، وهو ما يجعل القصيدة ذات طبيعة خطابية واضحة.
سابعًا: القيمة الأدبية والنقدية
تتميز القصيدة بقدرتها على الجمع بين الوظيفة الجمالية والوظيفة الرسالية. فهي لا تتعامل مع الشعر باعتباره ترفًا لغويًا، وإنما تستخدمه للتعبير عن التضامن مع قضية إنسانية وتاريخية.
ومن منظور نقدي، يمكن القول إن قوة القصيدة تكمن بصورة خاصة في صدق الانفعال، ووضوح الرسالة، وسهولة الصور، وقوة المعجم الديني والوجداني. أما طبيعتها الخطابية المباشرة فتجعلها أقرب إلى شعر الموقف والقضية منها إلى الشعر الرمزي شديد التعقيد؛ وهذه سمة مرتبطة بطبيعة الغرض الذي كتبت من أجله.
ثامنًا: أثر القصيدة في الحياة الفكرية
يمكن أن تسهم القصيدة في الحياة الفكرية من خلال نقل القضية الكوسوفية من المجال السياسي المجرد إلى المجال الإنساني والوجداني. فهي تجعل القارئ أمام أسئلة تتصل بالعدل، والحرية، والاضطهاد، والتضامن، ومسؤولية المثقف تجاه الأحداث الكبرى.
وبذلك يصبح الشاعر شاهدًا على عصره، ويغدو النص الأدبي وسيلة لإثارة التفكير في العلاقة بين الأدب والواقع.
تاسعًا: أثرها في الحياة الأدبية
تقدم القصيدة مثالًا على شعر القضية الذي يوظف الأدب في التعبير عن أحداث تاريخية معاصرة. كما تؤكد قدرة الشعر العربي على تناول قضايا تتجاوز الحدود الجغرافية، وتحويل مأساة شعب إلى موضوع شعري قابل للتداول في الثقافة العربية.
ومن هذه الزاوية يمكن أن تكون القصيدة مادة مهمة في الدراسات التي تبحث في أدب البلقان وكوسوفا في الشعر العربي، وفي حضور القضية الكوسوفية في الأدب العربي.
عاشرًا: أثرها في الحياة الإعلامية
تتميز القصيدة بقابلية عالية للتداول الإعلامي بسبب وضوح رسالتها وقوة خطابها وارتباطها بحدث تاريخي كبير. فالشعر في مثل هذه الحالات يمكن أن يعمل بوصفه وسيلة إعلامية ثقافية، تنقل الخبر من مستوى الحدث إلى مستوى الذاكرة والوجدان.
كما أن نشر القصيدة في الصحف والمجلات أو قراءتها في الندوات الثقافية يمكن أن يسهم في التعريف بالقضية الكوسوفية لدى جمهور لا يتابع التفاصيل السياسية بصورة مباشرة.
الحادي عشر: أثرها في الحياة الثقافية
ثقافيًا، تفتح القصيدة مجالًا للحوار بين الثقافة العربية وثقافة كوسوفا، وتؤكد أن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى فقط عبر المؤسسات الرسمية، وإنما أيضًا عبر الشعر والأدب والترجمة والذاكرة المشتركة.
ومن هنا يمكن النظر إليها بوصفها شاهدًا على الدبلوماسية الثقافية غير الرسمية التي يؤدي فيها المثقف دور الوسيط بين الشعوب.
الثاني عشر: أثرها في الحياة الدينية
يحضر البعد الديني حضورًا مركزيًا في النص، من خلال الحديث عن التوحيد والشهادة والجنة والفردوس، ثم استحضار النبي محمد ﷺ في الخاتمة. ولذلك يمكن قراءة القصيدة باعتبارها نصًا يجمع بين التعاطف الإنساني والتعبير عن الانتماء الديني.
كما أن هذا البعد يمنح القضية الكوسوفية في القصيدة إطارًا روحيًا، ويجعل التضامن مع الضحايا مرتبطًا بقيم الصبر والعدل والتكافل.
الثالث عشر: أثرها في الحياة العلمية والفكرية الأكاديمية
لا تقدم القصيدة بحثًا علميًا بالمعنى المنهجي، ولذلك لا يصح تحميلها وظيفة علمية مباشرة. لكن قيمتها بالنسبة إلى الحياة العلمية تتمثل في إمكان استخدامها مصدرًا أدبيًا وشاهدًا ثقافيًا في الدراسات الأكاديمية التي تبحث في صورة كوسوفا في الأدب العربي، أو في الشعر السياسي والديني، أو في علاقة الأدب بالأحداث التاريخية.
وهنا ينبغي التمييز بين القصيدة بوصفها عملًا أدبيًا، وبين البحث العلمي الذي يحتاج إلى وثائق ومصادر وتحليل تاريخي وسياسي مستقل.
الرابع عشر: أثرها التاريخي
تحمل القصيدة قيمة توثيقية وجدانية؛ فهي تسجل كيف تلقى شاعر عربي أحداث كوسوفا ومآسي البلقان، وكيف تحولت تلك الأحداث إلى مادة شعرية.
ومن ثم يمكن أن تُقرأ القصيدة مستقبلًا بوصفها وثيقة أدبية من وثائق الذاكرة الثقافية المرتبطة بالقضية الكوسوفية.
الخامس عشر: أثرها السياسي
ينبغي التمييز هنا بين الشعر والسياسة. فالقصيدة لا تقدم برنامجًا سياسيًا، وإنما تعبر عن موقف وجداني وأخلاقي من المأساة، وتدعو إلى نصرة الحق والتضامن مع الضحايا.
وبذلك يظهر الأثر السياسي للنص في المجال الرمزي والثقافي: أي في تشكيل الوعي بالقضية وإبرازها أمام المتلقي العربي، لا في تقديم سياسة أو قرار سياسي محدد.
السادس عشر: أثرها الدبلوماسي
تمثل القصيدة صورة من صور الدبلوماسية الأدبية والثقافية؛ لأنها تنقل مشاعر التضامن من مجتمع إلى مجتمع، وتربط بين العالم العربي وكوسوفا عبر وسيلة ثقافية هي الشعر.
وأخيرًا، نقول: إن القراءة النقدية لهذه القصيدة تكشف أن الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر جعل من الشعر وسيلة للتعبير عن قضية كوسوفا في لحظة تاريخية اتسمت بالألم والعنف والنكبات. وقد بنى قصيدته على انتقال متدرج من تصوير المأساة، إلى إبراز معاناة الأطفال والنساء والشهداء، ثم إلى تحويل الدماء إلى رمز لليقظة، وانتهاءً بالاستناد إلى المرجعية الدينية في الدعوة إلى الحق والعمل.
وتكمن القيمة الأساسية للقصيدة في اجتماع الوجدان الشعري والبعد الديني والوعي التاريخي والرسالة الإنسانية. وهي، من هذه الزاوية، لا تمثل نصًا شعريًا فحسب، بل شاهدًا على حضور قضية كوسوفا في الوجدان الأدبي والثقافي العربي.
أما أثرها في الحياة الفكرية والأدبية والإعلامية والثقافية والدينية والعلمية والتاريخية والسياسية والدبلوماسية، فيظهر بدرجات مختلفة: فهي أدبيًا نص من شعر القضية، وفكريًا تثير أسئلة العدل والتضامن والمسؤولية، وثقافيًا تسهم في بناء جسر بين العرب وكوسوفا، وتاريخيًا تحفظ جانبًا من الذاكرة الوجدانية لتلك المرحلة، ودبلوماسيًا تقدم نموذجًا لدور الأدب في التقريب بين الشعوب.
وبذلك يمكن اعتبار القصيدة جزءًا من الذاكرة الأدبية العربية لقضية كوسوفا، ونصًا يستحق الدراسة ضمن الأبحاث التي تتناول تفاعل الأدب العربي مع قضايا الشعوب والأزمات التاريخية الكبرى.
الفصل الحادي عشر: قصيدة الوفاء من جمهورية كوسوفا إلى مصر الكنانة
(قصيدة مُهداة من البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي إلى روح الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر، مع التحليل الأدبي)
بعد أن تناولت الفصول السابقة الحياة العلمية والفكرية والدعوية والثقافية للأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر، وتتبعت علاقته بالبروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، ولا سيما في مجال التعريف بقضية كوسوفا وخدمة قضايا المسلمين، يأتي هذا الفصل في صورة أدبية وجدانية؛ ليجعل من الشعر لغةً للوفاء، ومن الذكرى جسرًا يصل بين جمهورية كوسوفا ومصر.
لقد كشفت اللقاءات المتعددة بين العالمين عن علاقة لم تكن قائمة على المجاملة أو التواصل العابر، وإنما على الاحترام العلمي والتعاون الفكري والاهتمام بقضايا المسلمين، وفي مقدمتها قضية كوسوفا. وقد سجل الدكتور بكر إسماعيل أن لقاءاته بالدكتور محمد فؤاد شاكر تكررت في المؤتمرات والندوات، وأنهما كانا يتبادلان الحديث حول تطورات قضية كوسوفا، كما كان الدكتور شاكر يصطحب معه عددًا من المثقفين والمفكرين للتعرف إلى القضية وأبعادها.
ومن هنا تأتي هذه القصيدة بوصفها رسالة وفاء أدبية من كوسوفا إلى مصر، ومن تلميذٍ وصديقٍ ومثقفٍ كوسوفي إلى عالم مصري ترك أثرًا في الذاكرة العلمية والإنسانية، وظل حاضرًا في وجدان من عرفه وعايشه.
قصيدة الوفاء
من كوسوفا إلى مصر: سلامُ الوفاء
يا مصرُ يا أرضَ العلومِ ومنهلًا
فيكِ المكارمُ أشرقتْ وتألّقا
فيكِ التقى فكرُ الكنانةِ بالهدى
وبكِ استنارَ من العلومِ لنا المدى
يا مصرُ إنّي من كوسوفا أرسلُ
لروحِ شاكرَ من فؤادي ما أقولُ
سلامُ شعبٍ لم ينسَ يومًا فضلهُ
وحفظَ الجميلَ وإن تطاولَ دهرُهُ
محمدُ فؤادٍ يا رفيقَ مسيرةٍ
جمعتْ قلوبَ العلمِ بعدَ مسافةِ
كنتَ المعلّمَ حين ضاقتْ أمةٌ
وكنتَ صوتَ الحقِّ في أحزانِها
حملتَ همَّ المسلمينَ بقلبِك الـ
حيِّ الذي لم ينحنِ لمصائبِ
ولكوسوفا كان صوتُك شاهدًا
أنَّ المروءَةَ لا تموتُ بموقفِ
تأتي المآسي، والدموعُ ثقيلةٌ
فتكونُ أنتَ لجرحِها متكلّمًا
والقلمُ الحرُّ الذي في كفِّك الـ
بيضاءِ كان على الظلامِ مقاومًا
ما كان شعركَ زينةً لفظيةً
بل كان نبضَ قضيةٍ ومواقفِ
والحقُّ عندكَ ليس لفظًا عابرًا
بل كان عهدًا ثابتًا في عزمِك
من أرضِ كوسوفا أرسلُ اليومَ الندى
وأقولُ: مصرُ لكِ الوفاءُ وما انقضى
يا شاكرَ العلمِ الذي علّمْتَنا
أنَّ الأخوّةَ فوقَ كلِّ حدودِ
وأنَّ شعبًا في المآسي أخُوّةٌ
لشعوبِنا، في الدينِ أو في المقصدِ
إن غابَ شخصُك عن عيونِ أحبّةٍ
فأثركَ الباقي يضيءُ لنا الطريقْ
في كلِّ علمٍ علّمتَنا دربَهُ
في كلِّ حرفٍ كنتَ نبراسَ الطريقْ
ستظلُّ في ذاكرةِ كوسوفا أخًا
وتظلُّ في مصرَ الكنانةِ منبرًا
يا ربَّ فاجعلْهُ بجنّاتِ الهدى
واجعلْ ثوابَ العلمِ خيرَ ذخيرةِ
واجعلْ لنا في نهجهِ من حكمةٍ
تهدي خطانا في طريقِ الحقيقةِ
من كوسوفا، من موطنِ العزِّ الذي
يحفظُ الجميلَ، أتى إليكَ سلامُ
ومن مصرَ، أرضِ العلمِ، يبقى بيننا
جسرُ المحبةِ لا يزولُ ولا ينامُ
سلامُ كوسوفا إلى مصرَ التي
احتضنتْ علومَ المسلمينَ كرامًا،
وسلامُ الوفاءِ إلى روحِ محمدٍ
فؤادِ شاكرٍ، العالمِ والمعلّمِ،
رحمه الله رحمةً واسعة.
التحليل الأدبي والنقدي للقصيدة
أولًا: العنوان ودلالته
يحمل العنوان “من كوسوفا إلى مصر: سلام الوفاء” دلالة مكانية ووجدانية في آن واحد. فهو لا يحدد نقطة الانطلاق والوصول جغرافيًا فقط، وإنما يحول المسافة بين البلدين إلى جسر رمزي من المحبة والتقدير.
وتكتسب عبارة “سلام الوفاء” أهمية خاصة؛ لأن القصيدة لا تقوم على الرثاء وحده، وإنما على الاعتراف بفضل شخصية علمية ارتبط اسمها، وفق المادة الموثقة في الدراسة، بقضايا المسلمين وبقضية كوسوفا بصورة خاصة.
ثانيًا: البناء الموضوعي
تقوم القصيدة على أربعة محاور متتابعة:
1. مصر بوصفها موطن العلم والحضارة.
2. محمد فؤاد شاكر بوصفه عالمًا ومفكرًا ومدافعًا عن قضايا المسلمين.
3. كوسوفا بوصفها رمزًا للوفاء وعدم نسيان المواقف الإنسانية.
4. تحويل الذكرى إلى جسر دائم بين الشعبين الكوسوفي والمصري.
وبذلك ينتقل النص من الخاص إلى العام؛ إذ يبدأ بالعلاقة بين الشاعر والمُهدى إليه، ثم يتسع ليشمل مصر وكوسوفا، وينتهي بفكرة التواصل الحضاري والإنساني بين الشعبين.
ثالثًا: صورة الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر
ترسم القصيدة صورة أدبية للدكتور شاكر تجمع بين العالم والمفكر والمعلّم وصاحب الموقف الإنساني.
وتتكرر في النص ألفاظ مثل:
العلم – الحق – القلم – المعلّم – المروءة – الأخوّة – الوفاء – الطريق – النور.
وهذه المفردات لا تعمل منفردة، بل تتضافر لتكوين صورة شخصية جعلت العلم رسالة، والقلم مسؤولية، والوفاء قيمة أخلاقية.
وتتفق هذه الصورة مع ما ورد في الدراسة من وصف الدكتور شاكر بأنه صاحب مكانة علمية وفكرية، وأنه جمع بين العلم والدعوة والعمل الثقافي، فضلًا عن اهتمامه بقضايا العالم الإسلامي.
رابعًا: صورة كوسوفا في القصيدة
لا تظهر كوسوفا في القصيدة مجرد مكان جغرافي، بل تظهر بوصفها ذاكرةً تحفظ الجميل.
ومن أجمل الدلالات في ذلك:
“من أرضِ كوسوفا أرسلُ اليومَ الندى
وأقولُ: مصرُ لكِ الوفاءُ وما انقضى”
فكوسوفا هنا تتحول إلى صوت إنساني يحمل رسالة شكر إلى مصر، بينما تصبح مصر رمزًا للحاضنة العلمية والحضارية التي جمعت أبناء العالم الإسلامي.
وهذا المعنى ينسجم مع ما توثقه الدراسة من أن العلاقة بين الدكتور بكر إسماعيل والدكتور محمد فؤاد شاكر ارتبطت بصورة خاصة بقضية كوسوفا، وأن اللقاءات بينهما كانت مجالًا لتبادل المعلومات حول تطورات القضية والتعريف بها لدى المثقفين والمفكرين.
خامسًا: البعد الإنساني
البعد الإنساني هو القلب الحقيقي للقصيدة.
فالشاعر لا يتعامل مع الدكتور شاكر باعتباره شخصية علمية فقط، وإنما باعتباره إنسانًا ترك أثرًا في نفوس الآخرين.
ولهذا تظهر عبارات مثل:
“وحفظَ الجميلَ وإن تطاولَ دهرُهُ”
و:
“إن غابَ شخصُك عن عيونِ أحبّةٍ
فأثركَ الباقي يضيءُ لنا الطريقْ”
وهنا يتحول الموت من نهاية للحضور إلى بداية لحضور آخر هو حضور الأثر والذكرى.
سادسًا: البعد الديني
تحمل القصيدة بعدًا دينيًا واضحًا من خلال الدعاء للراحل، واستحضار قيم العلم والحق والأخوّة وخدمة المسلمين.
ويأتي الدعاء:
“يا ربَّ فاجعلْهُ بجنّاتِ الهدى
واجعلْ ثوابَ العلمِ خيرَ ذخيرةِ”
ليكون خاتمة وجدانية طبيعية لمسيرة عالمٍ ارتبط في الدراسة بالعلم والدعوة وخدمة قضايا المسلمين.
كما أن هذا البعد يتوافق مع الصورة التي تقدمها الدراسة للدكتور شاكر بوصفه داعيةً إلى الوسطية والحكمة، وصاحب اهتمام بقضايا المسلمين في مختلف البلدان.
سابعًا: الصورة الشعرية والرموز
تعتمد القصيدة على صور واضحة ومباشرة، منها:
• العلم نورًا يهدي الطريق.
• القلم سلاحًا أخلاقيًا في مواجهة الظلام.
• كوسوفا صوتًا للوفاء.
• مصر أرضًا للعلم والحضارة.
• الجسر رمزًا للعلاقة بين الشعبين.
وهذه الصور مناسبة لطبيعة القصيدة؛ لأنها قصيدة وفاء وتكريم وليست قصيدة غموض أو تجريب رمزي.
ثامنًا: اللغة والأسلوب
جاءت اللغة فصيحة ذات معجم وجداني وديني، يغلب عليه الوضوح. وقد حرصت الصياغة على الجمع بين:
لغة الرثاء + لغة التكريم + لغة القضية + لغة الدبلوماسية الثقافية.
وهذا الجمع يجعل القصيدة قابلة للإدراج في مقال أكاديمي ذي طبيعة متعددة المجالات، ولا سيما أن الفصول السابقة من الدراسة تناولت الأثر الفكري والأدبي والإعلامي والثقافي والديني والعلمي والتاريخي والسياسي والدبلوماسي للدكتور شاكر.
تاسعًا: القيمة الأدبية
تكمن القيمة الأدبية الأساسية للقصيدة في أنها تجعل من الوفاء موضوعًا شعريًا، وتربط بين الوفاء للشخص والوفاء للقضية.
فالدكتور شاكر لا يُستحضر هنا لمجرد تخليد شخصه، وإنما باعتباره نموذجًا للعالم الذي ترك أثرًا في قضية تتجاوز حدود وطنه.
ومن ثم تتحول القصيدة إلى شهادة وجدانية أدبية على العلاقة بين مصر وكوسوفا.
عاشرًا: القيمة الثقافية والدبلوماسية
يمكن النظر إلى القصيدة بوصفها نموذجًا من الدبلوماسية الثقافية والأدبية؛ فهي لا تستخدم اللغة السياسية الرسمية، وإنما لغة الشعر والوجدان.
وهنا يتحول الشاعر إلى سفير ثقافي، وتحول القصيدة إلى رسالة بين شعبين.
وهذا المعنى ينسجم مع الدراسة التي خلصت إلى أن العلاقة بين العالمين أسهمت في تعزيز الدبلوماسية الثقافية، وأن الشعر والترجمة والأدب يمكن أن تكون جسورًا للتواصل بين الثقافات.
الحادي عشر: القيمة التاريخية والتوثيقية
لا ينبغي التعامل مع القصيدة بوصفها وثيقة تاريخية بالمعنى الأكاديمي الصارم، وإنما بوصفها وثيقة وجدانية وذاكرة ثقافية.
فهي تسجل كيف يمكن لشخصية كوسوفية أن تنظر إلى عالم مصري بعد رحيله، وكيف يتحول التعاون العلمي والإنساني إلى ذاكرة شعرية تحفظ العلاقة للأجيال القادمة.
وهذا ينسجم مع ما قررته الدراسة من أن النتاج الأدبي المرتبط بقضية كوسوفا يمكن أن يمثل مادة مهمة لدراسة حضور القضية في الأدب العربي والذاكرة الثقافية.
وأخيراً نقول: تكشف هذه القصيدة أن العلاقة بين البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي والأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر لم تكن علاقة عابرة بين شخصيتين علميتين، وإنما كانت علاقة إنسانية وفكرية وثقافية ارتبطت بقضية كوسوفا وبهموم العالم الإسلامي.
ومن خلال الشعر، ينتقل الوفاء من دائرة الذاكرة الشخصية إلى دائرة الذاكرة الوطنية والثقافية؛ فكوسوفا لا تنسى من وقف إلى جانب قضيتها، ومصر تظهر في القصيدة بوصفها أرضًا للعلم والحضارة، بينما يصبح الدكتور محمد فؤاد شاكر رمزًا لجسرٍ إنساني وثقافي امتد بين البلدين.
الخاتمة
تكشف هذه الدراسة، في مجموع فصولها وتحليلاتها وشهاداتها الأدبية والإنسانية، أن الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر لم يكن مجرد عالم متخصص في الحديث والتصوف والفكر الإسلامي، وإنما كان صاحب مشروع علمي وفكري ودعوي وثقافي امتدت آثاره إلى قضايا العالم الإسلامي، ومن بينها قضية كوسوفا. وقد أسهم تكوينه الأزهري والجامعي، ونشاطه العلمي والإعلامي والدعوي، في تكوين شخصية قادرة على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين العلم والموقف، وبين الكلمة والعمل.
وقد أظهرت الدراسة أن قضية كوسوفا كانت مجالًا مهمًا لتجلي البعد الإنساني في شخصيته؛ إذ شارك في إثارتها في المحافل واللقاءات والكتابات، وارتبط ذلك بعلاقة علمية وإنسانية متميزة مع البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي. ولم تكن هذه العلاقة مجرد لقاءات بين عالمين، بل تحولت إلى تعاون فكري وثقافي وإنساني، كان من ثماره التعريف بالقضية الكوسوفية، وإيصال صوتها إلى الأوساط العربية والإسلامية، وتعزيز جسور التواصل بين كوسوفا ومصر.
كما أكدت الدراسة أن الأدب والشعر كانا جزءًا من هذه الرسالة؛ فقد جعل الدكتور شاكر من القصيدة وسيلة للتعبير عن الألم والتضامن والرفض الأخلاقي لمعاناة الشعب الكوسوفي، وحوّل المأساة التاريخية إلى نص أدبي يحمل دلالات إنسانية ودينية ووجدانية. ولذلك يمكن النظر إلى قصيدته بوصفها جزءًا من الذاكرة الأدبية العربية لقضية كوسوفا، وشاهدًا على حضور هذه القضية في الوجدان الثقافي العربي.
وفي المقابل، جاءت قصيدة الوفاء من كوسوفا إلى مصر لتؤكد أن المواقف الإنسانية الصادقة لا تضيع في ذاكرة الشعوب؛ فكما كانت مصر حاضرة في وجدان كوسوفا من خلال العلم والعلماء، جاءت كوسوفا في هذه القصيدة لتقول إن الوفاء قيمة تتجاوز الحدود الجغرافية. وقد صورت القصيدة الدكتور محمد فؤاد شاكر عالمًا ومعلمًا وصاحب موقف إنساني، وجعلت من كوسوفا رمزًا لذاكرة تحفظ الجميل، ومن مصر أرضًا للعلم والحضارة.
ومن الناحية الثقافية، يبرز المقال نموذجًا مهمًا لما يمكن أن تؤديه الدبلوماسية الثقافية والأدبية في التقريب بين الشعوب؛ فالعلاقة بين كوسوفا ومصر هنا لا تظهر من خلال القنوات الرسمية وحدها، وإنما عبر العلماء والمثقفين والكتاب والشعراء، وعبر الذاكرة المشتركة التي يصنعها العلم والأدب والوفاء.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن القيمة الأساسية لهذه الدراسة تتمثل في أنها تجمع بين السيرة العلمية والتاريخ الفكري والشهادة الإنسانية والتحليل الأدبي والذاكرة الكوسوفية، وتقدم صورة لعالم مصري ارتبط اسمه، في وجدان كوسوفا، بموقف علمي وإنساني تجاه إحدى القضايا الكبرى في تاريخ المنطقة.
وتبقى الرسالة الأهم التي تنتهي إليها الدراسة أن العلم الحقيقي لا يُقاس بكثرة المؤلفات وحدها، وإنما بما يتركه من أثر في الإنسان والمجتمع وذاكرة الشعوب؛ وأن الكلمة الصادقة يمكن أن تتحول إلى موقف، والموقف إلى ذاكرة، والذاكرة إلى جسر دائم بين الأمم.
ومن هنا فإن العلاقة التي جمعت الأستاذ الدكتور محمد فؤاد شاكر بالبروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي تمثل نموذجًا للتعاون العلمي والإنساني الذي تجاوز الحدود الوطنية، وجعل من كوسوفا ومصر فضاءً مشتركًا للعلم والوفاء والحوار الحضاري.
“فالوفاء لا يعرف الحدود، والعلم الصادق يبقى أثره حيًّا في ذاكرة الشعوب”.
كاتب الدراسة:
السفير والممثل السابق لكوسوفا لدى بعض الدول العربية
عضو مجمع اللغة العربية – مراسل في مصر
عضو اتحاد الكتاب في كوسوفا ومصر
E-mail: [email protected]












