سوسنة القصيدة ليلى بيز المشغرية بقلم ناصر رمضان عبد الحميد

اليوم

7
الأسبوع

7
الشهر

7
السنة

7
الإجمالي

7

سوسنة القصيدة
ليلى بيز المشغرية… حين يزهر الإبداع وتنتصر إنسانية الأدب
بقلم رئيس التحرير

هناك أشخاص لا نكتشف حقيقتهم من الكلمات وحدها، بل نحتاج إلى أن نقترب منهم، وأن نشاركهم تفاصيل الحياة والعمل، حتى نرى ما وراء المواقف العابرة، ونكتشف ما تختزنه أرواحهم من طيبة وصدق وإخلاص. ومن هؤلاء الشاعرة اللبنانية ليلى بيز المشغرية، التي اخترت لها لقب «سوسنة القصيدة»؛ لقبًا أراه جديرًا بشخصيتها وإبداعها، وبما قدمته من عطاء أدبي وثقافي وإنساني.
منذ أن تعرفت إلى ليلى، وجدتها شاعرة تسعى إلى التطور، وتعمل على صقل تجربتها، وتوسيع آفاقها المعرفية والإبداعية. لم تقف عند حدود كتابة الشعر، بل مضت في طريق الثقافة، حتى غدت شاعرة وناقدة ومثقفة، تجمع بين حساسية المبدعة ورؤية الناقدة ووعي المثقفة. وإلى جانب ذلك، برز دورها في تصميم المجلة والأغلفة، والإسهام في تنظيم ندوات البث المباشر، لتصبح شريكة فاعلة في صناعة المشهد الثقافي الذي ينتمي إليه ملتقى الشعراء العرب ومجلة أزهار الحرف.
وهذا التنوع في أدوارها ليس مجرد تعدد في المهارات، بل هو تعبير عن إيمان حقيقي بأن الثقافة عمل متكامل، وأن خدمة الأدب لا تتحقق بالكتابة وحدها، وإنما تحتاج إلى من يهيئ لها المنابر، ويمنح الكتب والمجلات صورتها الجمالية، ويفتح النوافذ أمام المبدعين كي تصل أصواتهم إلى القراء.
من الاختلاف إلى اكتشاف الإنسان
ولعل أجمل ما في علاقتي بليلى أن بدايتها لم تكن على الصورة التي انتهت إليها. فقد اختلفت معها كثيرًا قبل أن نلتقي وجهًا لوجه، ووصل بنا الاختلاف أحيانًا إلى حد الشجار، حتى أوشكت صداقتنا على الانتهاء قبل أن تبدأ على حقيقتها.
كنت أظن أنني أعرفها من خلال الكلمات والمواقف التي تصلني عنها، وربما كانت هي الأخرى تفهم بعض مواقفي على نحو مختلف. غير أن اللقاء الإنساني المباشر كثيرًا ما يكشف لنا ما تعجز عنه الرسائل والمحادثات العابرة؛ إذ نكتشف أن وراء الكلمات قلوبًا لم نعرفها حق المعرفة، وأن بعض الخلافات لا تنبع من سوء النية، بل من اختلاف الطباع وطرائق التعبير وفهم الكلام.
وعندما جاءت ليلى إلى القاهرة برفقة أختها نهى، أتيحت لي فرصة الاقتراب منها بعيدًا عن المسافات التي صنعتها المواقف السابقة. وهناك اكتشفت إنسانة طيبة، مخلصة في عملها، راقية في تعاملها، كريمة الروح، تحمل من الصدق ما يجعل المرء يعيد النظر في أحكامه السابقة.
أدركت يومها أنني ربما لم أفهم أحيانًا لهجة أهل لبنان، وأن اختلاف اللهجات والتعبيرات بين أبناء الوطن العربي قد يؤدي إلى سوء فهم، وربما يدفعنا إلى الاصطدام من دون أن تكون هناك نية حقيقية للخلاف. فالكلمة الواحدة قد تحمل في بيئة دلالة تختلف عما تحمله في بيئة أخرى، وما نراه نحن حدة في التعبير قد يكون عند غيرنا عفوية أو صراحة لا يقصد بها الإساءة.
لقد علمتني هذه التجربة أن الإنسان لا ينبغي أن يُختزل في موقف عابر، ولا أن تكون الخلافات الصغيرة حكمًا نهائيًا على جوهره. فكم من إنسان أسأنا فهمه قبل أن نمنحه فرصة الاقتراب، وكم من مسافة صنعتها الكلمات أذابها لقاء صادق.
ومن هنا أصبحت علاقتي بليلى أكثر عمقًا ووعيًا، لأنني لم أكتشف شاعرة فحسب، بل اكتشفت إنسانة تستحق التقدير والمحبة، وتؤمن بأن العمل الثقافي مسؤولية تتطلب الإخلاص والصبر والقدرة على العطاء.
لماذا سوسنة القصيدة؟
إن اختيار لقب «سوسنة القصيدة» لليلى بيز المشغرية ليس اختيارًا عابرًا، ولا مجرد عبارة جميلة تضاف إلى اسم شاعرة. إنه لقب يحمل دلالة رمزية أراها قريبة من شخصيتها ومسيرتها.
السوسنة زهرة تتميز بجمالها ورشاقتها وتناسق أجزائها، وتوحي بالرقة والصفاء والتجدد. وهي، في رمزيتها الجمالية، تذكرنا بأن الجمال ليس صخبًا، وأن الأثر الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى ضجيج كي يلفت الأنظار؛ فقد تكفي زهرة واحدة لتمنح المكان روحًا مختلفة.
وحين أضيف السوسنة إلى القصيدة، فإنني أريد أن أجعل من الزهرة رمزًا للشاعرة التي تحمل في داخلها حساسية الشعر، وتمنح الكلمة شيئًا من روحها، وتبحث عن الجمال في اللغة والحياة والإنسان.
ليلى، في نظري، ليست شاعرة تكتب النص ثم تنصرف عنه، بل هي صاحبة حضور يتجاوز حدود القصيدة المكتوبة. إنها تشارك في صناعة المحيط الثقافي الذي تنمو فيه القصائد، وتسهم في تقديم النصوص والأسماء والمواهب، وتمنح المجلة والأغلفة جانبًا من ذائقتها الفنية، وتشارك في الندوات التي تفتح المجال للحوار والتفاعل بين المبدعين.
من هنا تصبح «سوسنة القصيدة» صورة للشاعرة التي تجمع بين رهافة الإبداع وفاعلية العمل، وبين جمال الكلمة وجمال المشاركة، وبين حضورها بوصفها مبدعة وحضورها بوصفها إنسانة تمنح من وقتها وجهدها لخدمة الآخرين.
والسوسنة لا تعني هنا الرقة وحدها، بل تعني أيضًا القدرة على التجدد؛ فالشاعرة التي تتطور في تجربتها، وتفتح أبوابًا جديدة للمعرفة والنقد والعمل الفني، هي شاعرة لا تكتفي بما حققته، بل تسعى دائمًا إلى أن تكون تجربتها أكثر نضجًا وثراءً.
لهذا أرى أن «سوسنة القصيدة» لقب يليق بليلى، لأنه يجمع بين جمال الصورة ودلالة العطاء، ويمنح اسمها صلة رمزية بالقصيدة التي أحبّتها، وخدمتها، وجعلتها جزءًا أصيلًا من حياتها.
ليلى بين الشعر والنقد والعمل الثقافي
إن تطور ليلى بيز المشغرية من كتابة الشعر إلى الاهتمام بالنقد والثقافة والعمل الفني يؤكد أن الموهبة الحقيقية لا تتوقف عند شكل واحد من أشكال التعبير. فالشعر يمنحها القدرة على التقاط المشاعر وصياغة الرؤى، بينما يفتح النقد أمامها مجالًا للتأمل والتحليل، وتمنحها الثقافة الأوسع قدرة على الربط بين النص وسياقه الإنساني والفكري.
أما عملها في تصميم المجلة والأغلفة، فهو جانب آخر من جوانب هذه الشخصية الإبداعية؛ إذ لا ينفصل الشكل عن المضمون في الكتاب والمجلة، بل يشكل الغلاف عتبة بصرية أولى تستقبل القارئ، وتمنحه انطباعًا عن العمل قبل أن يبدأ القراءة. وحين يجتمع الحس الأدبي مع الذائقة الفنية، يصبح التصميم جزءًا من تجربة الكتاب، لا مجرد إطار خارجي له.
وقد أسهمت ليلى في هذا الجانب من خلال عملها مع مجلة أزهار الحرف، فضلًا عن دورها في ندوات البث المباشر، التي تمثل مساحة للقاء الأدباء ومناقشة أعمالهم وتبادل الخبرات بينهم.
وهذه الأدوار تستحق التقدير؛ لأن الحياة الثقافية لا تقوم على أصحاب النصوص وحدهم، بل تحتاج أيضًا إلى من يعملون خلف الكواليس، ويمنحون المشروعات الأدبية وقتهم وجهدهم، ويؤمنون بأن نجاح الآخرين ليس انتقاصًا من نجاحهم، وإنما إضافة إلى المشهد الثقافي كله.
إن إخلاص ليلى في عملها هو أحد الأسباب التي تجعل تقديرها واجبًا، لا مجاملة شخصية. فالعطاء الذي يتكرر، والعمل الذي يستمر، والحرص على إنجاز المهام، كلها أمور تكشف عن طبيعة الإنسان أكثر مما تكشفه الكلمات المنمقة.
الأدب الإنساني قبل الحدود
أرى أن ليلى بيز المشغرية تنطبق عليها صفة الأديبة الإنسانية قبل أن تكون مجرد أديبة عربية تكتب بلغتها وتنتمي إلى بيئتها. وليس في ذلك انتقاص من عروبتها أو من خصوصية تجربتها اللبنانية، بل هو تأكيد على أن الأدب في جوهره الأعمق يتجاوز الحدود الجغرافية، ويتجه إلى الإنسان حيثما كان.
فالأدب العربي، في أبهى تجلياته، ليس مجرد انتماء إلى لغة أو وطن، وإنما هو انتماء إلى قيم العدل والكرامة والمحبة والحرية، وإلى قدرة الإنسان على فهم أخيه الإنسان، مهما اختلفت اللهجات والبيئات والتجارب.
وقد أدركت من خلال علاقتي بليلى أن الإنسانية هي المساحة التي يمكن أن نلتقي فيها بعد الاختلاف، وأن الصداقة الصادقة لا تتطلب تطابق الآراء بقدر ما تتطلب احترام الآخر، والقدرة على إعادة النظر في أحكامنا، والاستعداد لاكتشاف الجوانب الجميلة التي ربما حجبتها عنا المواقف السابقة.
ومن هنا تأتي قيمة الكرم الذي تتميز به ليلى؛ فالكرم ليس في تقديم الأشياء المادية وحدها، وإنما في سعة القلب، وحسن الاستقبال، وبذل الجهد، والوفاء للعمل، ومنح الآخرين مساحة من الاهتمام والتقدير. والكرم الذي لا ينتظر مقابلًا هو أحد أسمى أشكال الغنى الإنساني.
لقد وجدت في ليلى هذه الروح التي تجعل التعامل معها يتجاوز حدود الزمالة الأدبية إلى مساحة من المودة الإنسانية التي تنمو مع الوقت، وتزداد رسوخًا كلما عرفنا الإنسان على حقيقته.
كتاب «المشغرية»… تقدير لدور يستحق التوثيق
ومن منطلق إيماني بأن الوفاء للمبدعين لا ينبغي أن يظل حبيس المشاعر والكلمات العابرة، كتبت عنها كتاب «المشغرية»، تقديرًا لدورها وإسهامها، واعترافًا بما قدمته من عمل وعطاء في المجال الثقافي.
فالكتابة عن المبدع ليست دائمًا احتفاءً بمنجزه الشعري أو النقدي وحده، بل قد تكون أيضًا توثيقًا لتجربة إنسانية، وقراءة في شخصية جعلت من الثقافة مجالًا للعمل والتواصل وخدمة الآخرين.
وأنا أؤمن بأن من حق كل إنسان مخلص أن يجد من ينصف جهده، وأن من واجبنا أن نضيء الجوانب المشرقة في تجارب من حولنا، لا بعد غيابهم فقط، بل وهم يواصلون العطاء، كي يعرفوا أن ما يقدمونه ليس أمرًا عابرًا، وأن هناك من يرى أثرهم ويقدره.
ولم يكن كتاب «المشغرية» في جوهره مجرد إهداء إلى شاعرة لبنانية، بل كان تعبيرًا عن تقديري لامرأة جمعت بين الإبداع والعمل، وبين الموهبة والإخلاص، وبين الانتماء إلى وطنها والانفتاح على الثقافة العربية والإنسانية.
كما أنه يعبر عن قناعتي بأن ملتقى الشعراء العرب لا ينبغي أن يكون مجرد اسم يجمع الشعراء، بل مساحة حقيقية للاعتراف بالجهود، وتوثيق التجارب، وإبراز الشخصيات التي تسهم في استمرار العمل الثقافي وتطوره.
ولأن ليلى عضو في ملتقى الشعراء العرب، وعضو في اتحاد كتاب لبنان، وعضو في اتحاد كتاب مصر، فإن حضورها يجسد صورة من صور التواصل الثقافي العربي الذي تتجاوز فيه الكلمة حدود المكان، وتصبح فيه الشراكة الأدبية وسيلة للتعارف والتعاون وتبادل الخبرات.
إن هذه العضويات تمثل جوانب من حضورها في الحياة الثقافية، لكن القيمة الأعمق تظل في ما تقدمه بالفعل، وفي الأثر الذي تتركه في نفوس من يتعاملون معها، وفي إخلاصها للمشروعات التي تشارك فيها.
حين ينتصر الود على الخلاف
لعل أجمل ما أحتفظ به من تجربتي مع ليلى هو هذا التحول من الاختلاف إلى التفاهم، ومن الاقتراب من نهاية الصداقة إلى بناء علاقة أكثر وعيًا ونضجًا.
فليس من الضروري أن نتفق في كل شيء كي نحترم بعضنا بعضًا، وليس كل خلاف دليلًا على استحالة التفاهم. أحيانًا نحتاج فقط إلى أن نلتقي، وأن نصغي، وأن نمنح الآخر فرصة كي يشرح نفسه بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
لقد اكتشفت أن وراء بعض الكلمات التي ضايقتني إنسانة لم أكن قد عرفتها بما يكفي، وأن اختلاف اللهجة قد يصنع سوء فهم لا ذنب لأحد فيه. وما كان بيننا من خلاف أصبح، بعد اللقاء، درسًا في فهم الآخر، وفي إدراك أن الصداقة الحقيقية لا تقوم على غياب الاختلاف، بل على القدرة على تجاوزه حين تتضح الحقيقة.
وهذا، في تقديري، أحد المعاني التي تجعل الأدب إنسانيًا بالفعل؛ فهو لا يكتفي بأن يصف المحبة، بل يدعونا إلى ممارستها، ولا يكتفي بأن يتغنى بالتسامح، بل يختبر قدرتنا عليه في علاقاتنا اليومية.
ولعل ليلى، من حيث لا تدري، قد منحتني درسًا جديدًا في هذا المعنى؛ فالمبدع لا يتعلم من الكتب والقصائد وحدها، بل يتعلم أيضًا من الأشخاص الذين يلتقيهم، ومن المواقف التي تعيد ترتيب نظرته إلى الحياة.
سوسنة تليق بالقصيدة والإنسان
ليلى بيز المشغرية شاعرة لبنانية أعتز بمعرفتها، وأقدر تطورها الأدبي، وأحترم إخلاصها في العمل، وأثمّن ما تقدمه من جهد في خدمة مجلة أزهار الحرف وملتقى الشعراء العرب. وهي بالنسبة إليّ أكثر من زميلة في المجال الثقافي؛ إنها تجربة إنسانية تعلمت منها أن اللقاء قد يصحح ما أفسده سوء الفهم، وأن القلوب الطيبة تستحق أن نقترب منها قبل أن نصدر أحكامنا عليها.
أما لقب «سوسنة القصيدة»، فهو محاولة مني لاختصار جوانب من شخصيتها في صورة واحدة؛ صورة زهرة تجمع الرقة والجمال والتجدد، وشاعرة لا تحبس إبداعها في حدود النص، بل تمد يدها إلى العمل الثقافي، وتشارك في صناعة المساحات التي يلتقي فيها المبدعون، وتؤمن بأن للأدب رسالة تتجاوز صاحبه إلى الآخرين.
وإذا كانت القصيدة تزهر بالكلمات، فإنها تزهر أيضًا بالأفعال التي تمنح الكلمات معناها، وبالمواقف التي تجعل الإبداع متصلًا بالحياة، وبالقلوب التي تعرف كيف تحول الاختلاف إلى معرفة، والمعرفة إلى مودة، والمودة إلى صداقة.
لهذا أهدي إلى ليلى بيز المشغرية هذا اللقب الذي أراه قريبًا من روحها: سوسنة القصيدة؛ تقديرًا للشاعرة والناقدة والمثقفة، ووفاءً للإنسانة التي اكتشفتها عن قرب، واعتزازًا بما تقدمه من عطاء أدبي وثقافي وإنساني.
فبعض الزهور لا تكتفي بأن تتفتح في حديقة، بل تمنح الحديقة كلها معنى الجمال. وبعض الشعراء لا يكتفون بكتابة القصيدة، بل يسهمون في أن تظل القصيدة حية في وجدان الناس.
وليلى، كما عرفتها، واحدة من هؤلاء الذين يستحقون أن نكتب عنهم بمحبة، وأن نقدر عطاءهم بصدق، وأن نترك للوفاء كلمة تليق بهم.
سوسنة القصيدة… زهرة الإبداع، ووجه من وجوه إنسانية الأدب.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x