بعض أنا /دنيا عباس

اليوم

4
الأسبوع

4
الشهر

4
السنة

4
الإجمالي

4

بعض أنا

عند رائحة المطر، ونسمات الهواء الباردة، وأسئلة الفلسفة المركونة على رفوف الذاكرة، كتبت سؤالًا حيّر ذهني وأيقظ الحيرة من سبات قصير: «لماذا أعطانا الإله سمعًا ولم يحدثنا يومًا؟ ولماذا زرع الحيرة والتساؤل في قلوبنا من غير إجابة شافية؟» أخذت أعبث بالقلم وأكتب أحرفًا مبعثرة لعلي أصل إلى إجابة عن أسئلتي. سقط القلم على الورقة، تسلل النعاس إلى عيني، حاولت الإمساك بالقلم، رسمت خطًّا، سقط القلم. تركته يذهب للحرية من غير أن أرغمه على حرف حائر من غير قرار يرسو عليه. أغمضت عيني واستسلمت لغفوة قصيرة.

وإذا بيدٍ تحط على كتفي. التفتُّ ببطء، خفق قلبي، وإذا برجل كهل قد خطّ الشيب لحيته وأخفى الظلام شيئًا من وجهه، قال بصوت جهوري:
ـ مرحبًا.
ـ من؟
ـ أنا رداء أسود في ظلمة حالكة، وإجابة منهكة بعد علامات استفهام مركونة خلف سور من الأسئلة، اسألي ما بدا لكِ.
أطرقت رأسي وقد أخذت الأسئلة تتصادم: من هذا الرجل؟ هل حقًّا سيجيب عن أسئلتي؟
ـ لا تحتاري، اسألي لعلك تجدين الإجابة.
جمعت شجاعتي وقلت:
ـ حسنًا، سوف أسأل، لكن هل ستجيب عن كل الأسئلة؟
ـ نعم.
ـ إذن، هل مفهوم الإله موجود حقًّا، أم هو مفهوم أوجده الذهن ليخفف القلق الناتج عن مستقبل مجهول؟
ـ هو موجود لمن أراد، وهو وهم في ذهن من لم يصدق به.
ـ وما هو؟ هل هو رحمة، حب، سلام؟
ـ ما يحدد المنظور هو الناظر.
ـ كيف ذلك؟
ـ إن نظرتِ بعين الحب فهو حب، وإن نظرتِ بعين السلام فهو سلام.
أخذت أسير في الغرفة وأنظر من النافذة إلى المارة والسيارات والسماء. أطلت النظر إلى الشارع، وإذا بطفل يركض وهو يصرخ: أمي، أمي! كان يبكي.
ـ لكن ماذا عن الظلم في أرضنا؟
ارتسمت ابتسامة مطمئنة على وجهه ومد يده قائلًا:
ـ تعالِ معي.
أمسكت يده الخشنة بقلق، فسرى الاطمئنان إلى قلبي. فُتحت بوابة كبيرة إلى الفضاء، وكأن كل المسافات انطوت وصارت بابًا واحدًا وقد فُتح أمامي. سرت بخطوات متعثرة، أنظر حولي إلى الفضاء الذي كنت أظنه فراغًا تسبح فيه الكواكب… حدث شيء غير متوقع، فكل الكواكب بدأت تنجرف نحو ثقب دودي عملاق، وبدأنا ننجرف نحو الثقب بسرعة مخيفة. أخذت أصرخ ممسكةً بيد الرجل، لكنه لم يخف ولم يقلق، بل كان ينظر إلى الثقب بثقة، وكأنه طريق يعرفه وقد سار فيه مرارًا.
ابتلعنا الثقب، وسرنا في ظلام دامس مخيف. لم أرَ شيئًا، فقط أحسست بيد الرجل تمسك يدي، وإذا بضوء يمتد من نهاية الثقب. دُفعنا بقوة إلى كواكب كثيرة، وفُتح باب آخر يوصل إلى غرفة تشبه غرفتي، وأرض تشبه أرضنا.

ـ أرجوك، أين نحن؟
ـ هذا هو المستقبل.
ـ لكن في المستقبل، سيتمكن البشر من التطور بشكل أكبر، هذا مستحيل.
ـ إن عرف البشر غاية وجودهم، لما سعوا نحو هذا الذي تصفينه تطورًا.
ـ كيف ذلك؟ الأرض هي ملك لنا.
ـ ليست ملكًا لأحد، الأرض ملك نفسها، والبشر من عبثوا بطبيعتها.
ـ وهذا المكان كيف سيجيب عن أسئلتي؟
ـ الظلم الذي ترينه في أرضكم سببه أنتم، أيها البشر. أنتِ من تحددين هذا الشيء: مفيد لكِ أم هو غير مفيد، ومن الفائدة تحددين إن كان شرًّا أم خيرًا. وإن حدث لكِ شر، فستقولين: هذا ظلم كبير.

ـ أنا لا أفعل هذا.
تقدم نحوي وقام بصفع وجهي بقوة، صرخت في وجهه قائلةً:
ـ هل جننت يا هذا؟
ـ هذا فعل سيئ، أليس كذلك؟
ـ بالتأكيد سيئ.
قهقه بصوت مرتفع وقال:
ـ ماذا عن النباتات التي قُطعت والحيوانات التي تُذبح بشكل جائر ووحشي؟
ـ وما دخل ذلك بصفعي على وجهي؟
ـ يجب أن تتألمي بنفس الطريقة.
أخذت أنظر إليه شزرًا وقبضت على يدي وقلت بحرقة:
ـ ماذا عن القتل؟
ـ القتل فعل يحتاج فاعلًا، والفاعل محال أن يكون غير بشر أو حيوان ضارٍ.
ـ والموت، عندما يموت من نحب؟
نظر إليّ وزمّ شفتيه. بعد صمت، راح يسير في أرجاء الغرفة قائلًا:
ـ الموت كالحياة، شيء يجب أن يحصل ليحدث التوازن. فالأرض ذاقت ذرعًا منكم، أيها البشر، وموتكم هو الشيء المفيد الوحيد الذي يجب أن تكونوا سعداء لحدوثه.
اتسعت عيناي لما يقوله، وحلّ صمت مطبق، ولكن من أنتَ؟
ـ أنا أنتِ.
ـ كيف تكون أنا؟
ـ اعرفي نفسك أولًا.
ـ لماذا أحضرتني إلى هنا؟
ـ اتبعيني.
ـ لن أتبعك، أنا لست مجنونة لأتبعك.
ـ هكذا أنتم، لا تريدون رؤية الحقيقة…
قلت بشيء من الصراخ:
ـ مكان خالٍ من البشر، ما الفائدة منه؟
ـ وما الفائدة من وجودهم؟
ـ نحن من صنعنا السيارات والصواريخ و…
ـ توقفي!
ـ أنا أرجوك، توقف.
سقط عمود كبير من سطح العلية، بدأ الغبار يتصاعد في الأرجاء، أخذت أسعل محاولةً أن أحمي عيني، وإذا بعمود آخر يسقط ويصدر صوتًا مدويًا.
أفقت فزعةً، أتصبب عرقًا. من كان هذا الرجل؟ ولماذا ثيابي مليئة بالغبار؟ نظرت إلى قلمي، والأحرف المبعثرة على الورق لا تزال تنتظر الإجابة. لكن أي إجابة؟ هل أنا أبحث عن الحقيقة، أم الإجابة التي أنا أريدها؟

دنيا عباس

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x