
حين أنصفني الضوء بقلم ليلى بيز المشغرية
6
6
6
6
6
حين أنصفني الضوء… كتبتُ عن صاحب الضوء
إلى الدكتور ناصر رمضان عبد الحميد رئيس ملتقى الشعراء العرب ورئيس تحرير مجلة أزهار الحرف الذي لم يمنحني لقبًا فحسب بل منح تجربتي مرآةً من محبّة وترك للوفاء أن يتكلّم بلغة الأدب.
ليس كلُّ ما يُكتب عنّا يضيف إلى أسمائنا شيئًا فبعض الكلام يمرّ بنا عابرًا كنسمة وبعضه يستقرّ في أعماقنا لأنّه لا يصف صورتنا فحسب بل يلامس شيئًا من حقيقتنا. وهناك كلمات لا نقرؤها بأعيننا وحدها بل نشعر بها وهي تعبر المسافة بين قلبين فتجعل للحروف نبضًا وللامتنان معنى يتجاوز الشكر.
وحين قرأت ما خطّه الدكتور ناصر رمضان عبد الحميد عنّي تحت عنوان “سوسنة القصيدة “شعرتُ أنّني أمام تجربة تتجاوز حدود التكريم… أمام إنسان لم يكتفِ بأن يكتب عن شاعرة بل عاد إلى حكايةٍ مشتركة ونبش في ذاكرة الاختلاف وأضاء الطريق الذي قطعناه من سوء الفهم إلى صفاء المعرفة ومن حافّة الخصام إلى رحابة الودّ.
ولعلّ أجمل ما في هذه الحكاية أنّها لم تبدأ بقصيدة ولا بإعجابٍ متبادل ولا بعباراتٍ منمّقة تُمهّد للصداقة بل بدأت بما يبدأ به البشر أحيانًا حين تتباعد قراءاتهم وتتعثّر لغاتهم: اختلافٌ ظنناه يومًا أكبر من أن يحتويه التفاهم. ثم جاءت الحياة لتكشف لنا أنّ بعض المسافات لا تحتاج إلى معجزة كي تزول بل إلى لقاءٍ صادق وقلبٍ يتّسع للمراجعة وشجاعةٍ نادرة تعترف بأنّنا قد نخطئ حين نحكم قبل أن نعرف.
وهنا تكمن القيمة التي أعتزّ بها في شهادة الدكتور ناصر فهو لم يكتب عنّي من شرفة الإعجاب بل من أرض التجربة ولم يُخفِ اختلاف الأمس ليُجمّل صورة اليوم بل جعله جزءًا من الحكاية. وتلك في نظري أرفع مراتب الإنصاف: أن تذكر ما كان لا لتدين الماضي بل لتشهد كيف انتصر الإنسان فيه على أحكامه وكيف استطاع الوعي أن يفتح نافذةً في جدارٍ ظننّاه عصيًّا على الضوء.
دكتور ناصر
لقد منحتني لقب “سوسنة القصيدة” لكنّك من حيث لا تدري دفعتني إلى التأمّل في معنى السوسنة نفسها. أهي زهرةٌ تتفرّد بجمالها أم حكاية جذورٍ تعرف كيف تشقّ طريقها في صمت حتى تبلغ الضوء؟ أهي رهافة اللون أم قدرة الحياة على أن تتجدّد بعد كلّ فصل؟
لعلّها كلّ ذلك معًا ولعلّ أجمل ما في الزهرة أنّها لا تتحدّث عن جمالها بل تترك للآخرين متعة اكتشافه. غير أنّني بعد مقالك وجدتُ في هذا اللقب معنى آخر: أنّ السوسنة لا تزهر وحدها وأنّ بعض الأزهار تحتاج إلى عينٍ ترى ما وراء بتلاتها وإلى كلمةٍ تمنحها اسمًا يليق بما تخفيه من حكايات.
لقد رأيتَ في تجربتي أكثر من قصائد مكتوبة فرأيتَ ما وراءها من سعيٍ إلى التعلّم وشغفٍ بالثقافة وانحيازٍ إلى العمل وإيمانٍ بأنّ الأدب لا يكتمل حين ننتهي من كتابة النص بل حين نمدّ جسورًا به إلى الآخرين. ولعلّ هذا ما جعلني أشعر وأنا أقرأ كلماتك بأنّك لم تكرّم اسمي وحده بل أنصفت جوانب من رحلتي قد لا تجد دائمًا مكانها تحت أضواء الاحتفاء.
فأنا أؤمن بأنّ الإبداع ليس ما نضعه على الورق فحسب بل ما نتركه في الحياة من أثر. وليس الأدب أن نُحسن الحديث عن المحبة بل أن نمنحها فرصةً لتعيش بيننا وليس الرقيّ أن نكتب عن التسامح بل أن نمارسه حين يختبرنا الاختلاف. وربما لهذا لامستني حكايتك عن بدايات علاقتنا لأنّها أعادت إليّ يقينًا لا أملّ من الإيمان به: قد تُخطئنا المسافات في قراءة بعضنا لكنّ اللقاء الصادق يمنح الحقيقة فرصةً لتقول كلمتها الأخيرة.
أمّا أنت فقد منحتني من مقالك ما هو أبعد من الثناء… منحتني شهادةً تقول إنّ الإنسان يستطيع أن يراجع ظنونه وإنّ الاعتراف بجمال الآخر لا ينتقص من مكانته وإنّ الصداقة ليست جائزةً يمنحها المتشابهون بعضهم لبعض بل مساحةٌ نبيلة يتعلّم فيها المختلفون كيف يتّسع كلٌّ منهم للآخر.
وهذه خصلةٌ تستحقّ التقدير… فليس كلّ من يملك القلم يملك شجاعة الإنصاف وليس كلّ من يجيد الثناء يستطيع أن يكتب عن تجربةٍ خالفت توقّعاته ثم يعترف بما تعلّمه منها. أمّا أن تجعل من اختلافٍ سابق مدخلًا إلى شهادةٍ صادقة فذلك يمنح كلماتك قيمةً إنسانية لا تستمدّ بريقها من البلاغة وحدها بل من صدق التجربة التي تقف وراءها.
وأنت… بما تبذله في ملتقى الشعراء العرب ومجلة أزهار الحرف تعرف أنّ الثقافة لا تنهض بالأقلام التي تتسابق إلى الواجهة وحدها بل بالأيدي التي تعمل حين ينصرف الضوء وبالقلوب التي تؤمن بأنّ نجاح الآخر اتّساعٌ للمشهد لا انتقاصٌ من الذات. وقد كان لافتًا في مقالك أنّك لم تفصل بين الشاعرة والإنسانة ولا بين موهبة الإبداع ومسؤولية العطاء.. فكأنّك تقول إنّ قيمة المبدع لا تُقاس بما يكتبه وحده بل بما يضيفه إلى العالم الذي يكتب فيه.
ولعلّ هذه الفكرة هي المساحة التي ألتقي معك فيها بعمق لأنّني لم أتعامل يومًا مع التصميم والعمل الثقافي بوصفهما هامشًا على متن الأدب بل رأيتُ فيهما وجهًا آخر لخدمته. فكما تحتاج القصيدة إلى قلبٍ يشعر بها.. تحتاج الثقافة إلى من يصون منابرها ويعتني بتفاصيلها ويمنح المبدعين فرصةً لأن يُسمَعوا ويُقرَؤوا ويُحتفى بما يستحقّونه من تقدير.
ومن هنا فإنّ مقالك لم يكن بالنسبة إليّ احتفاءً بشاعرةٍ وحسب بل لقاءً بين رؤيتين تؤمنان بأنّ الأدب مسؤولية وأنّ الوفاء جزءٌ من أخلاقه وأنّ الإنسان يظلّ أجمل نصوصه حين يترجم ما يؤمن به إلى مواقف.
أمّا كتابك “المشغرية” الذي كتبتَه تقديرًا لتجربتي فهو لفتةٌ أعتزّ بها لأنّ الكتابة عن إنسانٍ في حياته تمنحه فرصة أن يعرف أنّ أثره قد وصل وأنّ جهده لم يمرّ من دون أن تلتقطه عينٌ منصفة. فكم من كلمةٍ مؤجّلة لم تجد طريقها إلى صاحبها إلا بعد فوات الأوان وكم من تقديرٍ ظلّ حبيس الصدور حتى فقد فرصة أن يصنع الفرح في قلب من يستحقّه!
أنت اخترت ألّا تؤجّل الوفاء وأن تمنحه هيئة كتابٍ وشهادةٍ وموقف. ولهذا فإنّ امتناني لك لا يقف عند حدود ما كتبت بل يمتدّ إلى الفكرة النبيلة التي يحملها فعلك: أن نحتفي بالمبدعين وهم بيننا وأن نمنح العطاء أسماءه وأن نكون شهودًا على الجمال قبل أن يتحوّل إلى ذكرى.
ومع ذلك اسمح لي أن أقول إنّ التكريم مهما بلغت فخامته يظلّ أجمل حين يكون حوارًا بين روحين… وأحسب أنّ هذا ما حدث بيننا. لقد منحتني لقبًا ومنحني مقالك فرصةً لأرى تجربتي من زاويةٍ أخرى، لكنّك منحتني أيضًا درسًا في أنّ الإنسان لا يُقاس بأوّل انطباعٍ نأخذه عنه بل بما تكشفه الأيام حين نقترب وننصت ونتجاوز رغبتنا في أن نكون على صواب.
فشكرًا لك لا لأنّك كتبت عنّي فحسب بل لأنّك كتبت عنّي بذاكرةٍ لم تُنكر الاختلاف… وبقلبٍ لم يسمح له أن يحجب الحقيقة… وبقلمٍ أدرك أنّ الوفاء لا يحتاج إلى أن يُخفي العثرات كي يُظهر الجمال.
وشكرًا لأنّك جعلت من “سوسنة القصيدة” أكثر من لقبٍ يُضاف إلى اسمي…. جعلته حكايةً عن زهرةٍ قرأتَ فيها شيئًا من روحي ..وعن إنسانٍ تعلّم أنّ الاقتراب قد يصحّح ما أبعده الظنّ وعن صداقةٍ لم تولد كاملةً بل نضجت حين امتلكت شجاعة أن تعيد اكتشاف نفسها.
وأنا، إذ أعتزّ بشهادتك لا أرى نفسي في مرآة مديحك وحده بل في المسافة النبيلة التي قطعتها كلماتك من الاختلاف إلى الإنصاف. فالألقاب الجميلة تُفرحنا لكنّ المواقف الصادقة هي التي تمنحها جذورها والثناء قد يرفع الاسم أمّا الوفاء فيمنحه معنى البقاء.
دكتور ناصر…
إذا كنتَ قد رأيتني سوسنةً للقصيدة فإنّني أراك رجلًا آمن بأنّ الثقافة لا تُبنى بالكلمات وحدها بل بما وراء الكلمات من عملٍ واعترافٍ بالجميل وبأنّ القلم لا يبلغ ذروة نُبله حين يُحسن وصف الجمال فحسب بل حين يكون عادلًا أمامه.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن أقدّمه لك في مقام الشكر ليس أن أردّ الثناء بثناءٍ يماثله ولا أن أبحث عن لقبٍ يوازي لقبًا بل أن أقول إنّ أجمل ما في تكريمك أنّه لم يُشعرني بأنّني بلغت نهاية الطريق بل ذكّرني بأنّ كلّ زهرةٍ تستحقّ اسمها مطالبةٌ بأن تظلّ جديرةً بالربيع.
سأحمل لقب “سوسنة القصيدة” بمحبةٍ واعتزاز… لا بوصفه وسامًا أعلّقه على اسمي بل أمانةً أضعها في ضميري. ..أمانة أن أبقى وفيّةً للكلمة مخلصةً للعمل منفتحةً على المعرفة ومؤمنةً بأنّ أجمل ما يتركه الأدب فينا ليس القصائد التي نكتبها وحدها بل الإنسان الذي نصبحه بفضلها.
ولك منّي عهدُ تقديرٍ لا تصنعه المجاملات وامتنانٌ لا تختصره العبارات ومودّةٌ أرجو أن تبقى أوسع من اختلافٍ عابر وأصدق من ثناءٍ موسمي وأبقى من كلّ الألقاب.
فبعض الناس يمنحوننا كلماتٍ جميلة وبعضهم يمنحوننا مواقف لا ننساها أمّا القلّة النبيلة فتمنحنا الأمرين معًا تكتب عنّا ثم تترك فينا أثرًا يجعلنا نؤمن أكثر بأنّ للوفاء أدبًا،
وللإنسانية بلاغة وللصداقة قدرةً عجيبة على أن تُزهر في المكان الذي ظننّاه يومًا غير صالحٍ للربيع.
شكرًا لك دكتور ناصر لأنّك لم تكتب عن سوسنة القصيدة فحسب بل كتبت عن المسافة التي قطعتها زهرةٌ كي تُفهم وعن عينٍ اختارت أن ترى وعن قلمٍ أنصف ما رآه.
ولأنّ القصيدة في نهاية الأمر ليست ما نقوله عن الجمال بل ما يفعله الجمال فينا فإنّني أرجو أن تبقى حكايتنا شاهدًا على أنّ الأدب حين يتّصل بالإنسانية لا يكتفي بأن يزيّن الحياة بل يغيّر طريقة نظرنا إليها.
لك الودّ الذي لا يحتاج إلى لقب والامتنان الذي لا تفي به قصيدة والاحترام الذي يزداد رسوخًا كلّما أثبتت الأيام أنّ أجمل ما في الأدب هو أن يجعلنا أكثر إنسانية.
بقلم: ليلى بيز المشغرية
سوسنة القصيدة












