
على العهد /سمية عمر عكاشة
2
2
2
2
2
على عَهْدِ قلبٍ لا يُحسنُ النسيان
ما كنتُ أحسبُ أنّ للغيابِ يدًا تمتدُّ إلى الروحِ فتُوهنَ عزمَها ولا أنّ للانتظارِ لياليَ إذا انقضتْ لم تتركْ في القلبِ غيرَ رمادِ أمنية وندبةِ رجاءٍ خابَ وما انطفأ ولكنّ الهوى يا صاحبي بحرٌ لا يُؤمَنُ مَدُّه وليلٌ لا يُستدلُّ على آخرِه ومَن ألقى فيه قلبَه عادَ يحملُ من الأسى ما تعجزُ عن حملِه السنون
ولقد وقفتُ على بابِ عهدِكَ طويلًا لا لأنّ الطريقَ إلى النسيانِ عسير بل لأنّ الوفاءَ في طبعي سجية ولأنّ القلوبَ الكريمةَ لا تُحسنُ أن تخلعَ مالبستْه من ودٍّ وإن أدمى معصمَها قيدُه أُحدّثُ الليلَ عنك فيصمت وأستودعُ الريحَ سرّي فتمضي ولا تردّ وأُناجي طيفَكَ كلّما أوحشَتني الدروبُ كأنّما لم يكنْ بيننا بُعدٌ ولم ترفعِ الأيّامُ بين قلبينا ستارًا من الجفاء
فأخبرني بربّك أيكونُ الودُّ كذبةً ألبسَتْها الأيّامُ ثوبَ الحقيقة أم يكونُ العهدُ نجمًا يلمعُ في سماءِ الوصال فإذا أقبلَ ليلُ الفراقِ توارى وتركَ العاشقَ يهتدي إلى سرابٍ لا يُروى لقد أعياني أن أُحسنَ الظنَّ بك وأخشى أن أُسيءَ الظنَّ بقلبي فذاكَ الذي ما زالَ يحفظُ لكَ منازلَ المودّة وإن أقمتَ في بعضها غريبًا وإن أغلقتَ دونَ بعضها الأبواب
ولستُ أعاتبُكَ لأنّكَ ابتعدت فكم من قريبٍ تسكنُه الغربةُ وإن جاورَ الأنفاس وكم من بعيدٍ تظلُّ الروحُ تُؤويه وإن حالتْ بينه وبينها الفيافي وإنّما أعاتبُكَ لأنّكَ تركتَ في القلبِ حديثًا لم يكتمل وسؤالًا لم يجدْ جوابًا ووعدًا ما برحَ معلّقًا بين الرجاءِ والخيبة كغصنٍ أثقلَتْه الثمارُ ثمّ منعَه الجفافُ من أن يُهديها إلى كفٍّ تنتظر
فإن كان في صدركَ متّسعٌ لذكرى فلا تجعلْ ذكرايَ غبارًا تطويه الأيّام وإن كان عهدُنا قد انقضى فقلها كلمةً صريحة فإنّ صراحةَ الفراقِ أرحمُ من طولِ التردّد وإنّ جرحَ الحقيقةِ على قسوته أهونُ من جرحِ الأملِ حينَ يظلُّ يستجدي الحياةَ ممّن أماتَه
أمّا أنا فسأظلُّ أؤمنُ أنّ في الوفاءِ شرفًا ولو لم يُكافَأ وفي المحبّةِ طهرًا ولو لم تُصَن وفي القلبِ الذي أحبَّ بصدقٍ كرامةً لا تنتقصُها خيبة غيرَ أنّ للصبرِ آخرًا وللروحِ حقًّا في السكينة وما كلُّ مَن انتظرَ عادَ إليه مَن ينتظرُه ولا كلُّ مَن أحبَّ كُتبَ له الوصال
فإن مضيت فامضِ بسلام فما أردتُ منكَ يومًا أن تُقيمَ في حياتي مُكرهًا وإنّما أردتُ أن تكونَ فيها كما كنتَ في قلبي صادقًا لا عابرا وعهدًا لا طيفًا وسكينةً لا وجعًا يتجدّدُ كلّما أغمضتُ عينيّ
وسأحملُ منكَ ما لا تبلغه يدُ النسيان لا لأظلَّ أسيرَكَ إلى الأبد بل لأنّ بعضَ الحكايات وإن انتهتْ تبقى في أعماقِنا شاهدًا على أنّنا عشنا يومًا بكلّ ما فينا وأنّ القلبَ الذي عرفَ الوفاءَ لا يندمُ على نقائه وإن بكى طويلًا على مَن لم يعرفْ كيف يصونُه
بقلم
سمية عمر عكاشة
الجزائر












