
صائد الأمواج لناصر عطالله بقلم روان شقورة
2
2
2
2
2
صائد الأمواج: المأساة عنوان الحياة
قراءة نقدية في كتاب «صائد الأمواج» للكاتب ناصر عطا الله
بقلم: أ. روان شقورة
حينما يأتيك خبر وفاة عزيز وأنت في المنفى، تتضاعف لغة العيون على الورق، وتُسطَّر حياته أمام عينيك، فيستحضر الخيال ملامح تلك الروح التي التقيت بها يومًا. فكيف يكون حال من يأتيك نعْيه عبر شاشة، بخبر استشهاده تحت الركام، بينما يظل جسده بعيدًا عن أيدي أحبائه، ينتظر من ينتشله؟
هنا لا يعود الموت خبرًا عابرًا، ولا تصبح الكتابة مجرد استعادة لسيرة إنسان غاب، بل تتحول الكلمات إلى محاولة لاستنقاذ حياة من الغياب، واستعادة ملامح إنسان لم يُمنح حتى حق الرحيل الطبيعي، وظل جسده عالقًا تحت الركام، فيما بقيت حكايته معلقة بين الذاكرة والانتظار.
من هنا تبدأ قراءتي لكتاب «صائد الأمواج» للكاتب ناصر عطا الله، الذي يتناول سيرة الشاعر الفلسطيني الشهيد سليم النفار، ويزاوج فيه الكاتب بين التوثيق والسرد الشعري، مستعيدًا تفاصيل الحياة الشخصية والعائلية والوطنية لشخصية تشابكت حكايتها مع تاريخ فلسطين الحديث.
في هذا الكتاب، تتقاطع سيرة الفرد مع مأساة الجماعة، ويتداخل الفقد الشخصي مع الفقد الوطني، لتغدو حياة سليم أكثر من حكاية إنسان؛ إنها صورة مكثفة لحياة الفلسطيني الذي تتعاقب عليه المآسي، ويظل يبحث عن وطن يأويه، وملاذ يحميه، ونهاية لا تشبه بداياته الموجعة.
إننا أمام سيرة لا تستعيد حياة سليم فحسب، بل تضعنا أمام أسئلة الوجود الفلسطيني: ماذا يعني أن يولد الإنسان في المنفى؟ وكيف يصبح الوطن جزءًا من هويته قبل أن تطأه قدماه؟ وماذا يبقى من رحلة العودة حين تنتهي الحياة تحت الركام؟
أولًا: «صائد الأمواج»… حين يصبح الخيال سيرةً موازية للحياة
لم يأتِ عنوان الكتاب تسميةً عابرة، بل يبدو مدخلًا تأويليًا إلى شخصية سليم النفار وعالمه الداخلي، وإلى العلاقة التي تربط الإنسان بالبحر والذاكرة والخيال.
من الناحية اللغوية، يتكون العنوان من اسم الفاعل «صائد»، مضافًا إلى «الأمواج»، بما يحمله فعل الصيد من معنى الملاحقة والبحث والالتقاط. غير أن الأمواج ليست شيئًا يستقر بين يدي صائده؛ إنها حركة متجددة، تتشكل ثم تتلاشى، وتعود في صور أخرى، كأنها ذاكرة لا تكف عن استعادة ما مضى.
وهنا يفتح العنوان بابًا للتأويل: ما الذي يصطاده سليم من الأمواج؟ أهي الأمواج المادية التي عرفها البحر، أم ما تحمله من ذكريات وصور وأحلام وحيوات محتملة؟
أميل إلى قراءة العنوان بوصفه استعارةً لفعل الكتابة ذاته؛ فالكاتب يصطاد من بحر الحياة مشاهدها المتناثرة، ويلتقط من الذاكرة ما قد يتسرب منها، ثم يعيد تشكيله بالكلمات. وكأن سليم، الشاعر الذي عاش بين واقع مثقل بالخسارات وخيال يتطلع إلى عوالم أخرى، كان يبحث في الأمواج عما يتجاوز سطحها: عن الحكاية الكامنة خلف الحركة، وعن الحياة التي يمكن أن تولد من قلب الفقد.
ولا تنفصل هذه الدلالة عن البحر في سيرة سليم؛ فهو ابن مدينة يافا الساحلية، والمنحدر من عائلة اقتُلعت من أرضها، ثم نشأ في غزة، قبل أن تتوزع حياته بين محطات المنفى والعودة. وهكذا يصبح البحر أكثر من مكان جغرافي؛ إنه ذاكرة الأصل، وممر الرحلة، وشاهد على التحولات التي صنعت الشخصية.
فالبحر الذي يستحضر يافا، ويذكّر بالاقتلاع الأول، هو نفسه الذي يرافق رحلة الفلسطيني بين الغياب والعودة، وبين ما فقده وما ظل يحلم باستعادته.
ومن هنا تتجاوز عبارة «صائد الأمواج» ظاهرها إلى دلالة أعمق: الإنسان الذي يحاول أن يمسك بما لا يُمسك، وأن يستعيد ما لا يعود كاملًا، وأن يمنح الذكريات حياةً أخرى عبر اللغة.
ولعل المفارقة أن سليم، الذي ظل يصارع أمواج الحياة، انتهى به المطاف شهيدًا تحت الركام، بينما بقيت سيرته في كتاب يحاول انتشال ما يمكن انتشاله من الغياب.
إن العنوان، بهذا المعنى، لا يختصر شخصية سليم وحدها، بل يضيء فعل الكاتب ناصر عطا الله أيضًا؛ فكما يصطاد سليم أمواجه، يصطاد الكاتب من ذاكرتهما المشتركة تفاصيل الإنسان الذي عرفه وأحبه، ليعيد بناء سيرته في نص تتجاور فيه الذاكرة الشخصية مع التاريخ الجمعي.
وهنا تكمن قوة العنوان: فالأمواج التي لا يمكن الإمساك بها تصبح قابلةً للاستعادة في الكتابة، والحياة التي انتهت جسديًا تظل قادرةً على مواصلة الحضور في الذاكرة.
ثانيًا: المأساة عنوان الحياة
المأساة هي عنوان الحياة، وكأنها صك شهادة ميلاد لكل من حمل الهوية الفلسطينية.
بهذه العبارة يمكن اختزال المسار الذي تكشفه سيرة سليم النفار، لا لأن المأساة قدر بيولوجي يولد به الفلسطيني، بل لأن تاريخ الاقتلاع والمنفى والفقد أحاط بحياته وحياة الأجيال التي سبقته، حتى صار البحث عن الاستقرار رحلةً طويلة محفوفة بالخوف.
في كتابه، لا يعزل ناصر عطا الله حياة سليم عن تاريخ عائلته، ولا يفصل التجربة الشخصية عن التحولات السياسية والوطنية التي شكلت وعيه. فمنذ النكبة، تتعاقب محطات الاقتلاع، وتتوارث الأجيال ذاكرة المكان المفقود، فيما يظل الحلم بالعودة حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية.
وتتجلى هذه المأساة في ثلاث مفارقات أساسية: اليُتم والأم، والمنفى والعودة، ثم الحياة والموت.
المفارقة الأولى: اليُتم والأم… حين يصبح الحنان وطنًا
لم يكن اليُتم في حياة سليم مجرد فقدان للأب، بل انتقالًا مبكرًا من الطفولة إلى المسؤولية، ومواجهةً مع أعباء الحياة قبل أوانها.
يستعيد الكتاب مراحل من طفولته في المنفى، وما عاناه من شقاء مبكر، وعمل في مهن مختلفة، في ظل ظروف لم تترك له متسعًا كافيًا للعب واللهو كما يفعل أقرانه. وقد حملت أمه ليلى جانبًا كبيرًا من أعباء هذه الرحلة، فكانت السند الذي احتمى به في سنوات التكوين، والوجه الذي ظل يستمد منه شيئًا من الأمان في عالم متقلب.
لم تكن ليلى أمًّا فحسب؛ فقد تجاوز حضورها حدود الأمومة التقليدية، لتصبح رفيقة الحياة وذاكرة البيت، واليد التي تمسك به حين تتداعى الأشياء من حوله.
وفي المقابل، ظل الأب الشهيد حاضرًا في الوعي العائلي، لا بوصفه غائبًا عن الحياة اليومية فحسب، بل باعتباره جزءًا من التاريخ الوطني الذي تشكلت في ظله هوية سليم. وهكذا اجتمع في حياته فقد الأب المبكر، وثقل المسؤولية، والارتباط بأم حاولت أن تمنحه من الحنان ما يخفف قسوة العالم.
لكن المأساة لا تتوقف عند هذا الحد.
ففي الحادي والعشرين من مارس عام 2023، رحلت ليلى، كما يوثق الكتاب، تاركةً سليم في مواجهة فقد لم يألفه بهذه الصورة. كان قد بلغ الستين، لكنه وجد نفسه أمام فراغ لا تعوضه سنوات العمر، ولا تخفف وطأته خبرة الإنسان الطويلة بالحياة.
وفي قصيدته «لماذا تذهبين الآن؟» يقول سليم:
> وحيدًا أقود الوقت إلى راية في الأعالي،
لماذا تركت يدي الآن؟
ألم نتفق يا حبيبتي معًا أن نواصل قتال الليالي؟
ألم نتفق أن نواصل نشيد الصعود نحو يافا وأحلام الفتى؟
تبدأ القصيدة بكلمة «وحيدًا»، وهي كلمة تختصر حالةً كاملة من الفقد، وتضعنا أمام إنسان اعتاد أن يواجه الحياة مستندًا إلى حضور أمه، فإذا به يجد نفسه مضطرًا إلى مواصلة الطريق من دونها.
ثم يأتي السؤال: «لماذا تركت يدي الآن؟».
إنه سؤال عن الغياب، لكنه سؤال عن توقيته أيضًا؛ لماذا الرحيل بعدما اتفق الاثنان على مواصلة الطريق؟ ولماذا يأتي الفراق حين يكون الإنسان في أشد الحاجة إلى اليد التي اعتاد أن يجدها إلى جواره؟
ويكشف الفعل «تركت» عن عمق العلاقة بينهما؛ فالشاعر لا يتحدث عن غياب مجرد، بل يستحضر يدًا كانت حاضرة، وعهدًا كان قائمًا، وشعورًا بالأمان كان يستمد منه القدرة على مواصلة الحياة.
أما عبارة «ألم نتفق»، فتمنح العلاقة بُعدًا يتجاوز رابطة الأمومة التقليدية. فالأم هنا ليست مجرد حاضنة، بل شريكة في مواجهة الحياة، ورفيقة في رحلة الألم، وصاحبة حلم مشترك لم ينتهِ بانتهاء المحن.
وتبلغ الدلالة ذروتها في قوله: «نحو يافا وأحلام الفتى».
هنا يتداخل الفقد الشخصي مع الحلم الوطني؛ فالأم ليست منفصلة عن ذاكرة الوطن، بل جزء من الحلم الذي ظل سليم يحمله، حلم العودة إلى يافا واستعادة الأرض ومواصلة الحياة رغم الخسارات.
وهكذا يصبح رحيلها فقدًا مضاعفًا: فقدًا للإنسانة التي منحته الأمان، وفقدًا للرفيقة التي شاركته الحلم.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن القصيدة، المكتوبة في مواجهة غياب الأم، تستعيد في الوقت نفسه غياب الوطن؛ فكأن الشاعر يضع فقده الشخصي داخل مساحة أوسع من الفقد الفلسطيني، حيث تتجاور الأم والوطن في الذاكرة، ويلتقي الحنين إلى البيت بالحنين إلى الأرض.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تُختزل ليلى في رمز وطني فحسب؛ فقيمتها في السيرة تنبع أولًا من حضورها الإنساني الخاص، ومن علاقتها بابنها، ومن تفاصيل الحياة التي جمعتهما. إن رمزيتها تزداد عمقًا لأنها إنسانة عاشت وتعبت وأحبت، لا لأنها تمثل معنى مجردًا.
وهنا تتجلى المفارقة الأولى: الأم التي عوّضت سليم عن غياب الأب، أصبحت بدورها غيابًا آخر يواجهه، وكأن الحياة تنتزع منه، تباعًا، الوجوه التي جعلت الطريق محتملًا.
لكن الكتابة تستعيد ما تعجز الحياة عن الاحتفاظ به؛ فليلى التي غابت عن المشهد اليومي تظل حاضرةً في القصيدة، وفي ذاكرة ابنها، وفي صفحات الكتاب الذي حفظ شيئًا من أثرها.
وبهذا المعنى، تصبح الكتابة مقاومةً ثانية للفقد: لا تعيد الغائب إلى الحياة، لكنها تمنع الغياب من أن يكون محوًا كاملًا.
المفارقة الثانية: المنفى والعودة… الوطن الذي ظل يبحث عنه
لا يمكن قراءة سيرة سليم النفار من دون التوقف عند المنفى؛ فهو ليس مرحلةً عابرة في حياته، بل تجربة ممتدة في تاريخ العائلة، بدأت مع الاقتلاع من يافا، وتواصلت عبر محطات النزوح والإقامة خارج الوطن، وصولًا إلى العودة إلى غزة.
لقد حملت العائلة معها ذاكرة يافا، وظلت المدينة حاضرةً في الوجدان، حتى حين أصبحت بعيدة عن متناول اليد. ولم يكن الانتماء إليها مجرد ذكرى عائلية، بل امتدادًا لهوية تشكلت في ظل الفقد والحنين.
وهنا تبرز إحدى المفارقات الكبرى في حياة الفلسطيني: أن يشعر بالانتماء إلى مكان لم تتح له الحياة أن يعيش فيه، وأن يحمل تفاصيله في ذاكرته قبل أن يختبرها بنفسه.
لقد أحب سليم يافا، وتغنى بها، وظلت حاضرةً في شعره ووعيه، حتى غدت جزءًا من تعريفه لذاته. وفي المقابل، كانت غزة المكان الذي نشأ فيه، واحتضن حياته وعائلته، ومنحه فرصة الاستقرار بعد سنوات من الترحال.
ومن هنا نفهم العلاقة المركبة بين يافا وغزة في سيرته؛ فالأولى تمثل الجذر الذي اقتُلع منه الأجداد، والثانية تمثل المكان الذي وُلدت فيه أجيال المنفى، وعاشت على أمل العودة.
إن غزة، في هذا السياق، ليست مجرد محطة في جغرافيا التهجير، بل وطن عاش فيه سليم تفاصيل حياته، وأقام علاقاته، وكتب، وعمل، وترك أثره. إنها المكان الذي تحول من مأوى للمهجرين إلى جزء من هويتهم وذاكرتهم.
ويستعيد ناصر عطا الله هذه العلاقة من خلال التفاصيل اليومية لسليم؛ فالمشي في شوارع غزة، والمرور بأزقتها، والاقتراب من بحرها، ليست أفعالًا عادية في سياق السيرة، بل صور من علاقة الإنسان بالمكان الذي يشعر أنه ينتمي إليه.
فالمكان لا يصبح وطنًا بالحدود الجغرافية وحدها، وإنما بما يختزنه من ذكريات وتجارب ووجوه وأصوات. وحين يمشي الإنسان في شوارعه المألوفة، فإنه لا يقطع المسافة بين نقطتين فحسب، بل يعبر في الوقت نفسه بين طبقات من ذاكرته.
ومن هنا نفهم تمسك سليم بغزة حين اندلعت الحرب في أكتوبر 2023.
لم يكن قراره مجرد رفض للنزوح، بل كان مرتبطًا بتجربة طويلة مع الاقتلاع، وبحاجة إنسان أنهكته الرحلة إلى أن يجد أخيرًا مكانًا لا يضطر إلى مغادرته.
ومع ذلك، فإن العودة إلى الوطن لا تعني بالضرورة الوصول إلى الأمان؛ وهذه هي المفارقة التي تكشفها سيرة سليم بأقسى صورها.
فقد اضطر إلى مغادرة بيته تحت وطأة القصف، وانتقل مع عائلته إلى النصيرات، حيث ضاقت بهم ظروف النزوح، واشتدت مشقة الحياة. ثم قرروا العودة إلى مدينة غزة، رغم المخاطر والتحذيرات، على أمل أن يجدوا في بيتهم ما افتقدوه في مكان النزوح.
يوثق الكتاب هذه الرحلة بتفاصيلها المؤلمة، ويكشف عن قرار العودة بوصفه لحظةً تختلط فيها الرغبة في الاستقرار بالخوف من الموت، والحنين إلى البيت بضرورة البحث عن مأوى.
ولم تكن عودة سليم إلى غزة عودةً منفية من الخارج إلى الداخل فحسب؛ لقد كانت محاولة لاستعادة حياته التي تفرقت تحت ضغط الحرب.
لكن الوطن الذي أراد أن يحتمي به لم يستطع أن يضمن له النجاة.
وهنا تتجلى المفارقة الثانية: عاد سليم إلى الأرض التي أحبها ليجد فيها مستقره، لكنه وجد نفسه مهددًا بفقدان ذلك الاستقرار الذي انتظره طويلًا.
فالمنفى لا ينتهي دائمًا بمجرد الوصول إلى الأرض؛ قد يظل حاضرًا في الخوف من التهجير، وفي هشاشة الأمان، وفي احتمال أن يفقد الإنسان بيته مرةً أخرى.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو مأساة سليم حكاية فرد عاد إلى غزة ثم استشهد فيها فحسب، بل صورةً لمفارقة فلسطينية أوسع: أن يصبح الوطن في آن واحد موضع الانتماء وموضع الخطر، وأن يتحول البيت، الذي يُفترض أن يكون ملاذًا، إلى مكان مهدد بالفقد.
لقد أراد سليم أن تكون غزة نهاية المنفى، لا محطةً جديدة في رحلة التيه. غير أن الحرب جعلت الوصول إلى الوطن مختلفًا عن الوصول إلى الأمان.
فليس أشد قسوةً على الإنسان من أن يصل أخيرًا إلى المكان الذي انتظره طويلًا، ثم يكتشف أن حقه في البقاء فيه ما زال مهددًا.
المفارقة الثالثة: الموت… حين يصبح الغياب انتظارًا مفتوحًا
تبدأ حكاية سليم في صفحات الكتاب من منطقة يختلط فيها البحث بالانتظار، وتظل النهاية مثقلةً بالسؤال ذاته: أين سليم ومن معه؟
ومن هنا تبدو عبارة «ليست البداية» ذات دلالة مهمة؛ فهي تضع القارئ أمام حكاية لا تبدأ من نقطة زمنية مستقلة، بل تمتد جذورها إلى تاريخ أسبق من حياة الشخصية نفسها.
إنها بداية تتصل بالنكبة، والاقتلاع، والمنفى، وتوارث الذاكرة، ثم تتقدم نحو الحرب التي أعادت إنتاج المأساة في صورة أشد قسوة.
لقد عاش سليم حياةً تخللتها الخسارات، وفقد أباه في سن مبكرة، ثم خاض تجربة المنفى، وعرف مشقة العمل، وحمل أحلامه في الكتابة والوطن، قبل أن يواجه رحيل أمه، ثم الحرب التي انتهت باستشهاده مع أفراد من عائلته.
وفي ديسمبر 2023، انتهت حياة سليم النفار تحت الركام، مع أربعة عشر شهيدًا من عائلته، وفق ما يوثقه الكتاب. ولم تكن الفاجعة في عدد الضحايا وحده، بل في استحالة الوصول إليهم وانتشال جثامينهم، وفي تحول البحث عن الأحبة إلى انتظار لا يملك أصحابه إجابةً واضحة عن نهايته.
وهنا تتجاوز المأساة حدود الموت نفسه.
فالموت، على قسوته، يمثل في التجربة الإنسانية حقيقةً نهائية، لكن الحرب جعلت حتى هذه النهاية معلقةً بين معرفة المصير والعجز عن استعادة الجسد. لقد أصبح الغياب ماديًا، محسوسًا، وممتدًا تحت طبقات الركام، فيما ظل الأهل والأصدقاء ينتظرون ما يؤكد نهاية البحث.
وفي هذا السياق، يكتسب الكتاب أهميته بوصفه شهادةً على الفقد، ومحاولةً لاستعادة الإنسان من دائرة النسيان. فناصر عطا الله لا يكتفي بالإخبار عن استشهاد صديقه، بل يعود إلى حياته وتفاصيلها، إلى طفولته وعلاقاته وأحلامه، وكأنه يحاول أن يعيد ترتيب العالم الذي بعثره الموت.
وتظهر خصوصية العمل في هذا التداخل بين السيرة الشخصية والتوثيق، وبين اللغة الشعرية والتفاصيل الواقعية. فالكاتب لا يقدم سليم بوصفه رقمًا في سجل الضحايا، بل إنسانًا له عائلة وذاكرة وعلاقات ومواقف، وله حياة سبقت لحظة استشهاده، وتستحق أن تُروى.
إن استعادة هذه التفاصيل ليست أمرًا ثانويًا؛ فحين تتكاثر أعداد الضحايا، يصبح الحفاظ على فردية كل حياة شكلًا من أشكال مقاومة المحو.
كان سليم أبًا وزوجًا وابنًا وشقيقًا وشاعرًا، وكانت له حياة يومية وأحلام وعلاقات. وحين استشهد، لم يفقد العالم شخصًا واحدًا فحسب، بل فقدت عائلته وأصدقاؤه عالمًا كاملًا كان قائمًا بوجوده.
ولذلك، فإن الكتابة عنه تعيد الاعتبار إلى هذه الحياة، وتقاوم اختزالها في لحظة الموت.
غير أن المفارقة الأكثر إيلامًا تظل قائمة: الإنسان الذي ظل يبحث عن وطن يحتضنه، انتهى به المطاف جسدًا ينتظر من ينتشله من تراب ذلك الوطن.
لقد تمسك سليم بغزة لأنه أراد أن ينهي رحلة المنفى، لكنه لم يصل إلى النهاية التي يستحقها؛ لم تمنحه العودة حياةً آمنة، ولم يمنحه الموت حتى اكتمال الوداع.
وهنا يتجاوز السؤال حدود سيرة سليم إلى سؤال إنساني أوسع: ما الذي يبقى من معنى الوطن حين يعجز عن حماية أبنائه؟ وكيف يصبح الجسد، بعد أن كان جزءًا من الحياة اليومية، غائبًا عن أيدي أهله، محرومًا من الدفن الذي يتيح لهم وداعه؟
إن الموت تحت الركام لا ينهي حكاية سليم، بل يفتح أسئلة عن الحق في الحياة، والحق في العودة، والحق في الدفن بكرامة.
فحتى الموت، الذي يُفترض أن يكون نهايةً طبيعية للحياة، يتحول في هذه المأساة إلى انتظار مفتوح، وإلى غياب لا تكتمل فيه الوداعة الأخيرة.
ومن هنا يمكن قراءة نهاية سليم بوصفها امتدادًا لمأساة بدأت قبل ولادته، حين اقتُلعت عائلته من يافا، وظلت العودة حلمًا تتوارثه الأجيال.
لقد تغيرت الأمكنة وتبدلت الأزمنة، لكن سؤال الفقد ظل حاضرًا؛ مرةً في صورة أب غائب، ومرةً في صورة أم راحلة، ومرةً في صورة وطن بعيد، ثم في صورة جسد عالق تحت الركام.
وهكذا، لا تبدو البداية والنهاية حدثين منفصلين، بل وجهين لحكاية واحدة: حكاية الإنسان الفلسطيني الذي يحاول أن يبني حياةً مستقرة، بينما تظل حياته محاصرةً باحتمالات الاقتلاع والفقد.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا ليس لماذا مات سليم، بل لماذا ظل حقه في الحياة والعودة والوداع الطبيعي مهددًا حتى اللحظة الأخيرة؟
لقد عاد سليم إلى غزة بحثًا عن نهاية للمنفى، لكن حكايته انتهت في صورة أخرى من صور الغياب؛ غيابٍ لم يمحُه الموت، ولم تستطع الكتابة أن تنهي انتظاره، لكنها استطاعت أن تحفظ اسمه وحياته من النسيان.
ثالثًا: ناصر عطا الله… الكتابة بوصفها وفاءً وشهادة
لا تكتمل قراءة «صائد الأمواج» عند حدود سيرة سليم النفار، إذ إن علاقة الكاتب بالشخصية تمنح النص بعدًا آخر يستحق الالتفات إليه.
ناصر عطا الله لا يكتب عن شخصية بعيدة عنه، ولا يستعيد حياة لم يعرف منها سوى ما وصل إليه من روايات الآخرين. إنه يكتب عن صديق جمعته به تفاصيل الحياة والكتابة والسفر واللقاءات، وعن إنسان عرف جوانب من حياته الشخصية والأدبية والعائلية.
وهذا القرب يمنح السيرة حرارةً إنسانية واضحة، لكنه يضع الكاتب أيضًا أمام مسؤولية صعبة: كيف يكتب عن صديقه بعد استشهاده، وكيف يحفظ حضوره من دون أن تتحول الكتابة إلى رثاء خالص؟
في تقديري، تكمن أهمية الكتاب في محاولته الجمع بين الوفاء الشخصي والتوثيق. فناصر يستعيد الذكريات، لكنه يربطها بسياقها التاريخي، ويمنح التفاصيل الفردية مكانها داخل المأساة الفلسطينية الأوسع.
ومن خلال هذا البناء، لا يصبح سليم مجرد موضوع للكتابة، بل حضورًا يستدعي الكاتب إلى مساءلة الذاكرة نفسها: ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل حين يعجز عن إنقاذ من يحب؟ وهل يمكن للكلمات أن تعوض شيئًا من العجز الذي يتركه الموت؟
لا تستطيع الكتابة أن تنتشل جسدًا من تحت الركام، ولا أن تعيد الزمن إلى الوراء، لكنها تستطيع أن تمنح الغائب حضورًا آخر، وأن تحفظ تفاصيل حياته من التلاشي.
وهذا ما يمنح العمل قيمته الإنسانية؛ فهو لا يتعامل مع الموت باعتباره خاتمةً تمحو ما سبقها، بل يعيد فتح الحياة التي سبقت تلك الخاتمة، ويمنحها مساحةً جديدة في الذاكرة العامة.
كما أن المزج بين السرد التوثيقي واللغة الشعرية يجعل النص أقرب إلى سيرة تتجاوز الحدود التقليدية للتأريخ؛ فالتفاصيل لا تُعرض بوصفها معلومات منفصلة، بل تُنسج داخل لغة مشحونة بالذاكرة والانفعال.
ومع ذلك، فإن قوة هذا المزج لا تكمن في كثافة اللغة وحدها، بل في قدرتها على إبقاء الإنسان في مركز الحكاية. فالشعرية حين تخدم التفاصيل الإنسانية تمنحها عمقًا، وحين يتقدم التوثيق يحفظها من الذوبان في المجاز.
ومن هنا أقرأ «صائد الأمواج» بوصفه فعل وفاء، وشهادةً على حياة تستحق أن تُروى، ومحاولةً أدبية لمواجهة الغياب بالكلمات.
إن الكاتب لا يكتب كي يغلق الحكاية، بل كي يمنعها من أن تُغلق على الصمت.
ولعل هذا هو أحد المعاني العميقة التي يمنحها الكتاب للكتابة نفسها: حين يعجز الإنسان عن إعادة الغائب إلى الحياة، يستطيع على الأقل أن يعيد حياته إلى الذاكرة.
خاتمة: حين تصطاد الكتابة ما عجزت الحياة عن الاحتفاظ به
في «صائد الأمواج»، تتشابك مفارقات الحياة والموت، والأم والوطن، والمنفى والعودة، لتكشف عن سيرة إنسان لا تنفصل حكايته الفردية عن تاريخ شعبه.
فقد سليم أباه في طفولته، وعاش مسؤولية مبكرة، واستند إلى أمه ليلى في مواجهة قسوة الحياة. وحين رحلت، وجد نفسه أمام فراغ لم تستطع الكلمات أن تملأه، فاستعادها في قصيدته، كما استعاد في شعره حلم يافا الذي ظل حاضرًا في ذاكرته.
ثم جاءت الحرب لتضعه أمام مأساة أخرى؛ فالرجل الذي عرف المنفى، وانتظر الاستقرار، وتمسك بغزة بوصفها أرضه وملاذه، انتهى به المطاف شهيدًا تحت الركام، مع أفراد من عائلته، في نهاية لم تمنحه حتى اكتمال الوداع.
وهنا تتجمع خيوط السيرة في مفارقة واحدة: الإنسان الذي ظل يبحث عن مكان يأويه، لم يجد في النهاية سوى حكاية تحاول أن تنتشله من الغياب.
لكن «صائد الأمواج» لا يتركنا أمام الموت وحده؛ إنه يعيدنا إلى الحياة التي سبقته، إلى تفاصيل سليم وأحلامه وعلاقاته، وإلى الأم التي كانت سندًا له، والوطن الذي ظل يبحث فيه عن الاستقرار.
وهذه، في تقديري، إحدى أهم وظائف الكتابة عن الراحلين: ألا تجعل لحظة موتهم تختصر حياتهم كلها، وألا تسمح للفاجعة بأن تمحو الإنسان الذي كان قبلها.
فالإنسان أكبر من اللحظة التي غادر فيها الحياة، وسيرته أوسع من الطريقة التي انتهى بها جسده. وما يفعله ناصر عطا الله في هذا الكتاب أنه يعيد لسليم بعضًا من هذه المساحة المسلوبة؛ مساحة الحياة التي تستحق أن تُروى، والذاكرة التي تستحق أن تبقى.
ولعلنا نعود هنا إلى العنوان: «صائد الأمواج».
إذا كانت الأمواج صورةً للذاكرة المتحركة، فإن سليم ظل يلاحق في حياته أمواجًا من الحنين والحلم والانتماء، بينما يحاول الكاتب أن يلتقط من تلك الأمواج ما تبقى من صوت صديقه وصورته.
لقد غاب سليم جسدًا، لكن حكايته لم تغب. وبين ما عجزت الحياة عن الاحتفاظ به، وما استطاعت الكتابة أن تنقذه من النسيان، تتشكل المسافة التي يتحرك فيها هذا الكتاب.
وهنا أعود إلى السؤال الذي بدأت به هذه القراءة: كيف يكون حال من يأتيك نعي عزيز عبر شاشة، وهو مدفون تحت الركام؟
إنه سؤال لا يخص الكاتب وحده، ولا يخص أصدقاء سليم وعائلته فحسب، بل يخص كل إنسان يواجه موتًا لا يستطيع أن يودع صاحبه، وكل عائلة تنتظر استعادة أحبائها، وكل وطن يبحث أبناؤه فيه عن حقهم في الحياة والعودة والكرامة.
إنها ليست حكاية موت فحسب، بل حكاية حياة حوصرت بين بدايات موجعة ونهايات غير طبيعية؛ حكاية إنسان ظل يصارع الأمواج بحثًا عن شاطئ يستقر عليه، فإذا به يصبح هو نفسه حكايةً تنتظر من يلتقطها من تحت الركام.
لعل سليم كان صائدًا للأمواج، لكن الأمواج التي حملت ذاكرته وأحلامه لم تمنحه الشاطئ الأخير الذي يستحقه؛ غير أن الكتابة أبقت حكايته عائمةً فوق بحر النسيان، لتشهد أن الإنسان قد يغيب عن الحياة، لكنه لا يُمحى ما دامت هناك ذاكرة ترويه وكلمات تحمل اسمه.
وهكذا يبقى «صائد الأمواج» أكثر من سيرة إنسان؛ إنه شهادة على مأساة فلسطينية ممتدة، ومحاولة لاستعادة الفرد من قلب المأساة الجماعية، وسؤال مفتوح عن مصير شعب لا يزال يبحث عن بداية آمنة، بينما تلاحقه نهايات لا تشبه الحياة.
—












