
ماكان آخر الحبر …كان أول الخلود
8
8
8
8
8
ما كان آخرَ الحبر… كان أوّلَ الخلود
قراءة أدبية تحليلية لنص الشاعر رضا بوقفة شاعر الظل العصامي آخر مرة من الدكتور الناقد طه دخل الله عبد الرحمن الجليل فلسطين
ثمّة كلماتٌ لا تُكتب لتُقرأ، بل لتترك في الروح موضعًا لا يعود بعدها كما كان؛ كلماتٌ تخرج من صاحبها وفيها دفء يده، ورجفة قلبه، وشيءٌ من عمرٍ لم يجد له ملجأً إلا بياض الورق. فإذا وقعت في نفسٍ تعرف كيف تُصغي، لم تمرَّ بها مرورَ العابرين؛ أقامت، وأعادت ترتيب الصمت، وأيقظت من المعنى ما حسبه صاحبه قد مات. ومن هذا الباب يدخل نصّك، يا رضا بوقفة: يحمل هيئة الوداع، وفي أعماقه توقُ البقاء؛ يقرّب القلم من سكونه الأخير، ثم يكشف لنا، في اللحظة التي نظنّه أطبق على الحروف ليلها، أن تحت الرماد جهةً لم تنطفئ.
ما قرأتُ في «آخر مرة» خبرَ قلمٍ ضجر من الكتابة، بقدر ما قرأتُ سيرةَ روحٍ أتعبها أن تمدَّ جسور المعنى إلى ضفافٍ تتعمّد الابتعاد. فالموجع في نصّك ليس أن الكلمات عجزت عن الوصول، بل أنها وصلت إلى من أتقنوا قراءتها وأحجموا عن استقبال حقيقتها؛ عرفوا أسماء الفضائل، ولم يقبلوا كلفتها، وصفّقوا للصدق ما دام عبارةً جميلة، حتى إذا وقف أمامهم موقفًا يطالبهم بشيءٍ من الشجاعة، التمسوا له التأويل، أو التمسوا لأنفسهم الأعذار.
ومن هنا تأتي مرارة صورتك: الكذب في كامل أناقته، يحتلّ الصف الأول؛ والخيانة تحفظ نصوص الوفاء كما يحفظ الغريب عنوان بيتٍ لا ينوي أن يسكنه. إنك لا تشكو فساد المعنى، بل اغترابَه عن مستعمليه؛ ذلك البون الفادح بين فمٍ يكرّر الكلمة وضميرٍ يأبى أن يتحمّلها. ولعلّ هذا أشدّ ما يُنهك الكاتب: أن يرى عبارته محبوبةً ما دامت بعيدةً عن حياة قارئها، فإذا اقتربت من فعله، وأضاءت موضع التناقض فيه، انقلب الإعجاب نفورًا، وصار صاحب الكلمة متّهَمًا لأنه أخذ كلمته مأخذ الجدّ.
لكن نصّك، حتى في أشدّ مواضعه وجعًا، لم يغلق باب الإنسان. قلتَ: «بعض الوجوه»، و«بعض القلوب»، فتركتَ في العبارة نافذةً لم تستطع الخيبة إغلاقها. وهذه الـ«بعض» الصغيرة تحمل من الإنصاف ما لا تحمله خطبٌ طويلة؛ إذ تمنع الجرح من أن يصير قاضيًا على الوجود كلّه، وتُبقي لقارئٍ لم يأتِ بعد حقَّه في أن يُستقبَل بلا تهمة. ما زال في لغتك مكانٌ لمن يفهم، وفي انتظارك، وإن أتعبك، بقيةٌ لا تريد أن تظلم الغائبين بما فعله الحاضرون.
ثم تسأل: «أكنت أكتب لأغيّر العالم، أم لأشهد على ما فيه؟»؛ وكأن السؤال يخرج من تعب التجربة ليمتحن الغاية نفسها. ولعلّك لم تكن مضطرًّا إلى الاختيار بينهما؛ فالشهادة الصادقة بعضُ التغيير، وإن لم تبدّل وجه العالم في يومها. حين تمنح المظلوم اسمًا لما جرى له، تنزع عن الظلم شيئًا من قدرته على التخفّي. وحين تكتب عن الكرامة كتابةً تمسّ موضعها الحيّ، قد لا تُقيم عدلًا كاملًا، لكنك توقظ في قارئٍ ما رفضًا كان يجهل كيف ينطق به. وربما لم تستطع الكلمة أن تفتح الباب، لكنها تجعل الساكن وراءه يدرك، لأول مرة، أنه بابٌ مغلق لا جدارٌ من قدر.
نحن نكتب من أجل الأثر؛ من أجل تلك الرجفة التي لا نراها حين يلتقي سطرٌ بجرحٍ يشبهه، ومن أجل المعنى الذي يتأخّر في ذاكرة قارئ حتى تحين حاجته إليه. نكتب لأن إنسانًا قد يجد في عبارتنا ما يعينه على احتمال ليلته، أو استرداد صوته، أو مغادرة موضعٍ طال فيه امتهانه. وليس شرطًا أن يعود إلينا ليخبرنا؛ فللكلمة حين تخرج من يد صاحبها مسالكُ لا يعرفها، وحياةٌ لا يملك إحصاءها. قد نحسبها سقطت في الصمت، وتكون قد استقرّت في أعمق موضعٍ منه.
ولهذا يؤلم أن نحمّل الكتابة حسابَ الاستجابة العاجلة، فنزن صدقها بما رجع إلينا من صدى. ليس كلّ صمتٍ خواءً، ولا كلّ تصفيقٍ فهمًا؛ وقد يمرّ قارئ بالنصّ فيمنحه إعجابًا وينساه، ويمرّ آخر فلا يقول شيئًا، لأنه انشغل بما انكشف له من نفسه. فكيف نجعل الوجوه التي رأيناها آخر حدود الطريق، وللكلمات قرّاء لم نلقهم، وأزمنةٌ لم نبلغها، ومواعيدُ لا تستأذن أعمارنا؟
أما عودتك إلى القلم بعد كلّ وعدٍ بالانقطاع، ففيها اعترافٌ أعمق من الحنين إلى عادة. كأنك كلما ابتعدتَ تبيّن لك أن القلم لم يكن خصمك، وأن الصفحة لم تكن هي التي خذلتك؛ إنما أرهقك ما علّقته على الكتابة من رجاءٍ في الآخرين. أردتَ للصدق أن يجد صدقًا يجيبه، وللوفاء أن يوقظ وفاءً يقابله، فلما جاءك غير ذلك ضاق بك المكان، وكدتَ تحاسب نافذتك على قسوة المشهد الذي أطلّت عليه. ثم عدتَ، لأن الروح عرفت أن كسر النافذة لن يغيّر ما في الخارج، وسوف يحرمها، فوق وجعها، الهواء.
هنا تبلغ عبارتك: «لم يكن الحبر هو الذي نفد، بل نفد صبري» موضعها الأشدّ كشفًا. فما زال في النفس ما يستحق أن يُقال، ولكنها لم تعد تقبل أن تُنفق حقيقتها في استرضاء مَن يطالبها كلّ مرةٍ بدليلٍ جديد على وجودها. لم تنتهِ القدرة على العطاء؛ انتهى الرضا بتبديدها. وما أكرم هذه المعرفة حين تجيء بلا قسوة: أن يعرف الإنسان أين يضع قلبه، وأين يكتفي بالمرور؛ وأن يتعلّم أن صون النبع ليس جحودًا بحق العطاش، وإنما هو امتناعٌ عن تركه لمن لا يريد إلا تعكيره.
ومن هذا الفهم يكتسب الرحيل وقاره. لا يعود هروبًا يُنكر المعركة، ولا انتصارًا متكلّفًا يزيّن الخسارة؛ يصبح قرارًا يعرف صاحبه ما فقد، وما كاد يفقد لو بقي. ثمة أمكنةٌ لا تطردنا من أبوابها، لكنها تُقيمنا على شروطٍ تُخرجنا من أنفسنا قليلًا قليلًا؛ نلين حيث ينبغي الثبات، ونصمت حيث ينبغي القول، ثم نسمّي ذلك احتمالًا حتى لا نواجه حقيقة التنازل. وحين نغادرها، لا نستعيد العالم، بل نستعيد اليد التي نستطيع بها أن نطرق بابه من جديد.
على أن الوفاء للنفس، في أصفى معانيه، لا يجعلها معصومةً مما يؤخذ عليها. فالكاتب الذي يأبى أن يخون حقيقته يظلّ مطالبًا بأن يُنصت لما قد يكشف نقصها، وأن يفرّق بين من يريد إسكاته ومن يريد أن يرى معه على نحوٍ أوسع. وما أجمل أن يبقى الصدق شجاعًا بما يكفي للقول، ومتّسعًا بما يكفي للمراجعة؛ فلا تتحوّل الجراح إلى أسوار، ولا يصير الدفاع عن الكرامة عجزًا عن سماع أحد. عندها تكون العودة إلى النفس عودةً إلى حريتها، لا إلى سجنٍ شُيّد باسمها.
وتبقى الصفحة الأخيرة بيضاء؛ كأن النصّ كلّه يتنفّس من ذلك البياض. ففيه من التعب ما تعجز العبارة عن حمله، وفيه أيضًا امتناعٌ خفيّ عن منح النهاية ختمها. لعلّ يدك توقّفت لأن الروح لم توافق على كتابة الوداع، أو لأن في داخلك ما أبى أن يجعل لحظة الإنهاك صاحبة القرار في العمر كلّه. لقد أغلقت الدفتر، لكنك تركت للعودة موضعًا؛ وما أرهف هذا التدبير الذي قد تصنعه فينا الحياة ونحن نظنّ أننا نتهيّأ لمفارقتها: تُبقي بياضًا صغيرًا، ليدخل منه الغد.
ثم تجيء عبارتك الأخيرة: «سوف أكتب وأكتب إلى أن تكتب الأقلام عني ما أكتب»، فتُعيد إلى ما سبقها ضوءًا آخر. عندها نفهم أن الوداع كان يفتّش عن الشيء الذي ينبغي توديعه؛ أهو القلم، أم ذلك الانتظار المضني على أبواب من لا يفتحون؟ أهي الكتابة، أم الرغبة في أن تكون مفهومةً من الجميع؟ لقد خرجتَ من النصّ بالقلم نفسه، لكن بيدٍ تعلّمت شيئًا عن حدود بذلها، وبقلبٍ يريد أن يواصل دون أن يجعل مواصلته إذنًا جديدًا باستنزافه.
وفي قولك «إلى أن تكتب الأقلام عني» رجاءٌ يتجاوز بقاء الاسم إلى صدق الشهادة عليه. فأرفع ما قد تقوله الأقلام عن كاتبٍ أنه لم يطلب من الحياة فضيلةً أعفى نفسه من مشقّتها؛ وأن بين ما كتب وما حاول أن يكون صلةً لم يقطعها طمعٌ في قبول، ولا خوفٌ من عزلة. ليس المطلوب أن يخرج الإنسان من أيامه بلا عثرة، بل أن تُرى في عثراته محاولته النهوض إلى المعنى الذي آمن به. عندئذ تحمل السيرةُ النصَّ، ويمنح النصُّ السيرةَ صوتها، ويغدو ما يُكتب عنه امتدادًا لما جاهد أن يكتبه بنفسه.
فاكتب، يا شاعر الظل، ولا تجعل الظلَّ منفى الضوء فيك؛ قد يكون الموضع الذي تنضج فيه رؤيتك بعيدًا عن وهجٍ يعمي أكثر مما يكشف. اكتب عن الوجع، لكن دعه يفسح مكانًا لما لم يستطع قتله: دهشتك، ورقّتك، وقدرتك على أن ترى يدًا ممدودةً دون أن تحاكمها بذاكرة الأيدي التي أفلتتك. واكتب بحيث يجد القارئ في كلماتك إنسانًا يصدقه، لا قاضيًا ينتظر اعترافه؛ فالعبارة التي تعرف كيف تقترب تبلغ من القلب ما لا تبلغه العبارة التي لا تعرف إلا أن تُدينه.
ولعلّ «آخر مرة» تستحقّ أن تكون آخر مرّةٍ تمنح فيها الخيبة حقَّ تسمية مستقبلك. أما الكتابة، فدعها تمضي معك ما دام في صدرك معنى يطلب صورته، وما دام في العالم إنسانٌ قد يحتاج إلى تلك الصورة ليعرف نفسه. ضع كلمتك على الصفحة، وأحسن إليها، ثم أطلقها من انتظار الجزاء؛ فقد يكون أبعدُ ما تصل إليه هو أعمقُ ما تتركه.
وسيأتي، لعلّه يأتي، قارئٌ لا يعرف ارتجاف أصابعك ولا عدد المرّات التي أغلقت فيها دفترك، فيقف عند سطرٍ كاد ألا يُكتب، ويشعر أن أحدًا عبر هذه العتمة قبله وترك له فيها علامة. يومها لن يسألك لماذا تأخّرت، ولن يعرف كم كلّفك البقاء؛ سيستعين بكلمتك على خطوته التالية ويمضي. وفي تلك الخطوة التي لن تراها، سيكون جوابك الأبلغ عن سؤال الجدوى: أنك واصلتَ الكتابة حين هممتَ بالصمت، فوجد إنسانٌ بعيد، في آخر مرّةٍ لك، أوّلَ الطريق إليه.
طه دخل الله عبد الرحمن
البعنه == الجليل
2/11/2026
آخر مرة
تغادر الحروف عناوين الصفحات للمرة الأخيرة، وتطوي الكلمات أجنحتها كطيورٍ أضناها التحليق في سماءٍ لا تعرف وجهتها. تتوارى المعاني خلف ستائر الصمت، كأنها أسرارٌ لم يعد للبوح بها جدوى.
كانت الصفحات تعرفني جيدًا؛ تحفظ ارتجاف أصابعي، وتعرف كم مرةٍ أخفيتُ بين السطور وجعًا لم أجرؤ على البوح به، وكم مرةٍ ابتسمت الكلمات على الورق بينما كان قلبي يبكي في عتمة الروح.
وقفتُ أمامها غريبًا، أتأمل قلمي الذي رافقني طويلًا، وأسأل نفسي: أهذه آخر مرةٍ أصافح فيها البياض، وأمنح الحروف شيئًا من روحي؟
كتبت عن الصدق، فرأيت الكذب يرتدي أناقته ويجلس في الصف الأول. وكتبت عن الوفاء، فوجدت الخيانة تحفظ النصوص أكثر من أصحابها. وكتبت عن الإنسان، فإذا به يتخفف من إنسانيته كلما اقتربت الحقيقة من بابه.
عندها أدركت أن بعض الوجوه تقرأ الحروف ولا تفهم معانيها، وأن بعض القلوب تسمع الحقيقة ولا تريد الاعتراف بها. فهل كنت أكتب لأغيّر العالم، أم لأشهد على ما فيه؟
كم مرةٍ أغلقت دفتري وقلت: هذه آخر مرة، ثم عدت إلى القلم كأنني أعتذر عن غيابي! لكن هذه المرة لم يكن الحبر هو الذي نفد، بل نفد صبري على شرح ما لا يريد الآخرون فهمه، وعلى البقاء في أماكن تضطرني إلى التخلي عن شيءٍ من حقيقتي.
أدركت أن بعض الرحيل ليس هزيمة، بل عودةٌ متأخرة إلى النفس، وأن إغلاق بابٍ لا يشبهنا قد يكون أول الطريق إلى ذواتنا.
أغلقت دفتري، وتركت الصفحة الأخيرة بيضاء. لم أكتب كلمة الوداع؛ فقد تعلّمت أن بعض النهايات لا تحتاج إلى إعلان، وأن الحروف لا تموت لمجرد أن الأقلام صمتت.
ثم كتبت، قبل أن أغادر، سطرًا أخيرًا:
«إذا كانت هذه آخر مرة أكتب فيها، فلتكن آخر مرةٍ أخون فيها نفسي؛ أما الحروف، فلتذهب حيث تشاء، فقد أدّت ما عليها، وتركت لي ما تبقّى من الحقيقة».
ولعلّ ما تبقّى من الحقيقة… هو البداية.
لكنني في الاخير أقول: سوف أكتب وأكتب إلى أن تكتب الاقلام عني ما أكتب.
بقلم الشاعر رضا بوقفة شاعر الظل العصامي
وادي الكبريت سوق أهراس
الجزائر
الشعر اللغز الفلسفي والقصة اللغزية الفلسفية












