
نادي الانتحار بقلم روان شقورة
6
6
6
6
6
نادي الانتحار: من إرادة الحياة إلى فلسفة العدم
قراءة نقدية في البنية النفسية والفكرية والسياسية للرواية
بقلم: أ. روان شقورة
من إرادة الحياة إلى استدعاء العدم.
جئنا إلى الحياة من رحمٍ نتعلّم فيه، منذ اللحظة الأولى، إرادة البقاء. نتعثّر فنغرق، ثم نستهلّ ميلادًا جديدًا من العدم. تداهمنا السكرات، فنولد من جديد. وحين تساقطت عليّ طبقات الركام، سبحتُ بحثًا عن منفذٍ يخرجني من ظلمة القبر. هكذا تبدو الحياة في جوهرها فعل مقاومة مستمرًا، وإرادةً لا تكفّ عن التشبث بالوجود، حتى حين يبدو الموت أقرب إلينا من النجاة.
لكن ماذا يحدث حين يأتي منادٍ يدعو إلى نقيض هذه الإرادة؟ ماذا يحدث حين يتحول رفض الألم إلى رفض الحياة ذاتها، وحين لا يعود الموت نهايةً يخشاها الإنسان، بل فكرةً يحاول أن يمنحها منطقًا وفلسفة، وربما يجعل منها مشروعًا يتجاوز ذاته إلى الآخرين؟
من هنا كان علينا أن نتوقف عند رواية «نادي الانتحار» للأديب كريم الصياد، لا لنستكشف دوافع الشخصيات إلى الموت فحسب، بل لنفكك البنية الفكرية التي تتحرك داخلها، ونتأمل المسافة الفاصلة بين المعاناة بوصفها تجربة إنسانية، والعدمية بوصفها تفسيرًا للوجود، والعنف بوصفه نتيجة محتملة حين تتحول الأفكار إلى أحكام نهائية على حياة الآخرين.
فالرواية لا تقف، في أفقها التأويلي، عند حدود الانتحار بوصفه فعلًا فرديًا، بل تفتح أسئلة تتصل بعلاقة الإنسان بذاته، وبالآخر والمجتمع والسلطة والمرجعية الدينية. إنها تضعنا أمام شخصيات تتشابك جراحها النفسية مع تصوراتها الفكرية، حتى يصبح الألم، لدى بعضها، أكثر من معاناة تستدعي الفهم أو الاحتواء؛ يصبح رؤيةً شاملة للعالم، ومسوّغًا لمحاكمته، وربما السعي إلى تغييره بالقوة.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا ليس: لماذا يرغب الإنسان في الموت؟ بل: ماذا يحدث حين يعجز عن العثور على معنى يجعل الحياة جديرة بالاستمرار؟ وهل يدفعه فقدان المعنى إلى البحث عنه من جديد، أم يدفعه، في بعض الحالات، إلى محاولة إلغاء كل ما يعتقد أنه مصدر للألم؟
أولًا: العنوان وإعدام المعنى.
يحمل عنوان «نادي الانتحار» دلالة تتجاوز المعنى المباشر للكلمتين. فكلمة «نادي» تستدعي جماعةً يجمع أفرادها تصور مشترك، ويمنحهم الانتماء إلى الفكرة إحساسًا بأنهم ليسوا وحدهم في تجربتهم. أما «الانتحار» فينتقل من فعل فردي يرتبط بأزمة شخصية إلى مفهوم تتداوله جماعة، وتحيطه بالتفسيرات والتبريرات، وكأنه أصبح قضية قابلة للتنظيم والتفكير الجماعي.
وهنا تكمن المفارقة: كيف يتحول فعل يرتبط بإنهاء الذات إلى إطار يجمع الآخرين؟ وكيف تنتقل الرغبة في الخلاص من الألم الشخصي إلى الاعتقاد بإمكان تحديد مصير الآخر، أو إزالة ما يُعتقد أنه مصدر معاناته؟
يفتح العنوان بذلك بابًا لقراءة تتجاوز الانتحار الحرفي إلى ما يمكن تسميته **إعدام المعنى**. فحين يفقد الإنسان ثقته بالعالم، قد لا يكتفي بالتشكيك في المعاني التي اعتادها، بل يحاول تعميم تجربته الخاصة، وكأن عجزه عن العثور على معنى يثبت استحالة وجوده أصلًا.
غير أن فقدان المعنى لا يساوي إنكار كل قيمة، كما أن الشك في عدالة العالم لا يقتضي الرغبة في تدميره. فثمة مسافة بين أن يعجز الإنسان عن فهم الألم، وأن يحكم بأن الحياة لا تستحق الاستمرار، وبين أن يمنح نفسه سلطة فرض هذا الحكم على الآخرين.
ومن هنا تتشكل الحركة الفكرية التي تقترحها هذه القراءة: أزمة في الذات، يتبعها تفسير للعالم، ثم محاولة لتحويل التفسير إلى فعل. وكلما أُغلقت احتمالات الفهم والمراجعة، ازداد الاعتقاد استعدادًا للتحول إلى يقين متصلب.
فهل يستطيع الإنسان، حين يفقد المعنى، أن يعلن بطلانه في الوجود كله؟ أم أن عجزه عن العثور عليه لا يثبت سوى أن تجربته الخاصة لم تهتدِ إليه بعد؟
ثانيًا: فريد وأزمة العقل والشعور.
يمثل فريد مركزًا فكريًا مهمًا في الرواية؛ فهو لا يبدو مجرد شخصية مأزومة تبحث عن نهاية، بل إنسانًا يحاول تفسير العالم، ثم يستعين بما يصل إليه من استنتاجات لتبرير موقفه منه. ومن خلاله تتكشف إحدى أهم ثنائيات العمل: العقل في مواجهة الشعور، والمنطق في مواجهة التجربة الإنسانية.
يبحث فريد عن العدالة، لكنه لا يجدها في المنظومة التي يفترض أن تحميها. وبدلًا من أن يقف عند حدود نقدها ومساءلتها، يتجه إلى صناعة عدالته الخاصة. وهنا يحدث التحول الأخطر: ينتقل من مساءلة الظلم إلى ادعاء سلطة تحديد العقوبة، ومن البحث عن الحقيقة إلى التعامل مع رؤيته بوصفها معيارًا للحقيقة.
ليست المشكلة في العقل نفسه ولا في التفكير المنطقي، بل في اللحظة التي يتحول فيها المنطق إلى أداة لتبرير نتيجة مقررة سلفًا. فقد يبني الإنسان حجة متماسكة انطلاقًا من مقدمات ناقصة، أو يصل إلى استنتاج يبدو منطقيًا داخل منظومته الخاصة، لكنه يظل ظالمًا حين يُختبر في الواقع.
وهنا تتبدى أزمة فريد: إنه يمتلك قدرة على التفكير والتحليل، لكنها لا تضمن له الحكمة، ولا تمنحه حق التصرف في مصائر الآخرين. فالمعرفة لا تعفي صاحبها من المسؤولية الأخلاقية، كما أن اتساق الفكرة لا يكفي لإثبات عدالتها.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم العلاقة بين العقل والشعور في شخصية فريد باعتبارها علاقة مضطربة، لا صراعًا بين طرفين ينبغي لأحدهما أن ينتصر على الآخر. فالعقل قادر على تفسير التجربة، لكنه لا يكتمل ما لم يصاحبه إدراك لحدود الذات وحقوق الآخرين. والشعور، من جهته، لا يصبح دليلًا على الحقيقة لمجرد صدقه، لكنه قد يمنح المعرفة بُعدها الإنساني حين يفتحها على التعاطف والاعتراف بالآخر.
يقول الله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 179]. ويمكن استحضار الآية هنا للتأمل في أن الإدراك الإنساني لا ينفصل عن الاستعداد للتأمل والاعتبار، وأن امتلاك المعلومات والقدرة على إقامة الحجج لا يعنيان بالضرورة اكتمال الفهم الأخلاقي. وليس المقصود أن الشعور بديل عن العقل، بل أن المعرفة قد تفقد بعدها الإنساني حين تنفصل عن المسؤولية والتعاطف.
وتتكثف أزمة فريد الوجودية في مقولته:
«في كل معرفة انسلاخ، وفي كل انسلاخ ألم، وبالتالي الحقيقة ألم لا متناهٍ».
لا تبدو المعرفة هنا فعلًا تراكميًا يضيف إلى الإنسان حقائق جديدة فحسب، بل عملية اقتلاع لما استقر في وعيه من تصورات ومعتقدات؛ فكل انكشاف يستلزم انفصالًا عن يقين سابق، وكل انفصال يترك أثره في الذات التي لم تعد قادرة على العودة إلى براءتها المعرفية الأولى.
إن الانسلاخ، بهذا المعنى، ليس مجرد انتقال من الجهل إلى المعرفة، بل خسارة للصورة التي كان الإنسان يفهم بها نفسه والعالم. وما إن تنكشف الحقيقة حتى يفقد الوهم قدرته على توفير الطمأنينة، فيصبح الوعي عبئًا بقدر ما يمنح صاحبه قدرة على الرؤية. ومن هنا يربط فريد المعرفة بالألم، وكأن الحقيقة لا تأتي إلا محمّلة بثمن وجودي لا ينتهي.
لكن هل الحقيقة في ذاتها مصدر الألم، أم أن الألم ينشأ من مقاومة الإنسان لما تكشفه الحقيقة من تناقضات وفقدان؟ إن معرفة الظلم قد تكون مؤلمة، لكنها قد تفتح الطريق إلى مقاومته؛ واكتشاف هشاشة الإنسان قد يفضي إلى اليأس، لكنه قد يقوده أيضًا إلى التعاطف. ولذلك لا يمكن اعتبار الألم نتيجة حتمية لكل معرفة، وإن كانت المعرفة العميقة قادرة على زعزعة يقين الإنسان وإجباره على مراجعة ذاته.
هنا تكمن أهمية مقولة فريد؛ فهي تكشف عن وعي يرى في المعرفة انفصالًا عن الطمأنينة، لكنها تفتح كذلك سؤالًا نقديًا حول انتقاله من وصف الألم إلى تعميمه. فأن تكون المعرفة مؤلمة لا يعني أن الحقيقة لا متناهية الألم، كما أن اكتشاف قسوة الوجود لا يثبت أن الوجود خالٍ من المعنى. ولعل مأزق فريد أنه يرى ما يترتب على المعرفة من خسارة، لكنه لا يمنح الاحتمالات الأخرى المساحة نفسها.
وتزداد هذه القراءة عمقًا عند النظر إلى علاقة فريد بأمه، بوصفها إحدى العلاقات الأولى التي تتشكل عبرها خبرة الإنسان بالأمان والاحتواء والثقة. فإذا كانت الرواية تقدم إشارات إلى إخفاق هذه العلاقة أو اضطرابها، فقد يساعد ذلك على فهم بعض التوترات في علاقاته اللاحقة؛ إذ تترك التجارب الأولى أثرًا في طريقة استقبال القرب العاطفي، وفي التوازن بين الحاجة إلى الآخر والخوف من الانكشاف أمامه.
لكن الماضي لا يفسر الشخصية تفسيرًا حتميًا، ولا يحوّل جراحها إلى عذر لأفعالها. إنه يمنحنا احتمالًا لفهم هشاشتها، لا حكمًا نهائيًا على سلوكها.
وهكذا تبدو أزمة فريد أوسع من أزمة وجود؛ إنها أزمة في علاقته بذاته وبالآخر، وفي قدرته على التوفيق بين المعرفة والاحتياج العاطفي. فكلما اقترب من لحظة تتطلب انكشافًا وجدانيًا، بدا كأنه يستدعي العقل لتحليلها والسيطرة عليها. وعندئذ لا يعود التفكير وسيلةً للفهم وحده، بل قد يصبح درعًا يحمي الذات من مواجهة ما لا تستطيع إخضاعه للمنطق.
ثالثًا: من الرغبة في الخلاص إلى قتل الآخر.
تتغير طبيعة الفكرة حين يقترح فريد التخلص من السبب الذي يعتقد أنه أدى إلى الانتحار بدلًا من إنهاء الذات. فبدلًا من أن تظل المعاناة تجربةً شخصية تستدعي الفهم، يصبح الآخر متهمًا يُحمَّل مسؤولية الألم، ثم يُمنح صاحب الفكرة حق محاسبته.
إنها نقلة من التساؤل إلى الحكم، ومن البحث عن الخلاص إلى ادعاء امتلاك الحقيقة. فبدلًا من أن يسأل الإنسان كيف يفهم معاناته أو يتعامل معها، يختزلها في سبب خارجي، ثم يتوهم أن إزالة ذلك السبب ستنهي الأزمة.
لكن الإنسان ليس معادلة بسيطة يمكن حلها بحذف أحد عناصرها. فالألم النفسي قد يتشكل عبر عوامل متعددة، والعلاقات الإنسانية أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في شخص واحد يُحمَّل مسؤولية المعاناة كلها.
وحين يتحول هذا التصور إلى فعل، يصبح الآخر مجرد أداة في تفسير صاحب الفكرة لألمه؛ لا يُرى بوصفه إنسانًا له ظروفه وحقوقه وتاريخه، بل بوصفه «السبب» الذي ينبغي التخلص منه. وهنا لا يعود العنف مجرد اعتداء على جسد الآخر، بل يصبح إلغاءً لحقه في أن يكون ذاتًا مستقلة، لها حقها في الحياة والاختيار.
وتتجلى هذه المفارقة في العلاقة بين فريد ومنصور، حيث يتخذ التفاوت بين صاحب التصور ومنفذه دلالة تتجاوز توزيع الأدوار داخل الحكاية. ففريد يوجّه الفكرة ويمنحها تبريرها، بينما يتحول منصور إلى حامل للفعل. ومن ثم تبرز العلاقة بين الفكر والممارسة، وبين بناء الحجة وتحويلها إلى واقع.
غير أن المسؤولية لا تقع على المنفذ وحده، كما لا يُعفى صاحب الفكرة من نتائجها لمجرد أنه حافظ على مسافة ذهنية بينها وبين الفعل. فالفكرة حين تتحول إلى مشروع عنيف تصبح جزءًا من شبكة المسؤولية التي تضم من يبرر ومن يخطط ومن ينفذ، مع اختلاف الأدوار والدرجات والسياقات.
وتزداد الدلالة تعقيدًا مع قتل منصور أباه. فمن الممكن، على المستوى الرمزي، قراءة الأب بوصفه صورة للأصل والسلطة والمرجعية الأبوية. لكن هذا التأويل يظل احتمالًا نقديًا يحتاج إلى قرائن من النص، ولا يعني أن قتل الأب يساوي بالضرورة التمرد على الإله أو إنكار المرجعية الدينية.
والأهم أن الرواية، من خلال هذا المسار، تتيح مساءلة الفكرة حين تتحول إلى سلطة: هل يمنح الألم صاحبه حق معاقبة الآخرين؟ وهل تتحول الرغبة في التحرر من الظلم إلى ظلم جديد حين تتجاوز حدود الذات؟ إن رفض الظلم لا ينتج العدالة تلقائيًا، كما أن امتلاك رواية شخصية عن الألم لا يمنح صاحبها حق إصدار أحكام نهائية على حياة غيره.
منصور وأبوه وسلمى: البحث عن السبب في المكان الخطأ
لا يمكن فهم جريمة منصور بمعزل عن إخفاقه في علاقته بسلمى، وعن الصورة التي تكوّنت لديه عن ذاته في ضوء هذا الإخفاق. فقد شعر بالعجز وعدم الثقة، وقرأ سخرية سلمى ونفورها منه باعتبارهما دليلًا على نقصٍ داخلي لا يستطيع تجاوزه. وبدلًا من أن يواجه هذا الشعور، أخذ يبحث عن مصدر له خارج ذاته، حتى حمّل أباه مسؤولية ما يراه عجزًا متجذرًا في تكوينه.
في هذه القراءة، لا يقتل منصور أباه لمجرد خلاف عابر، بل لأنه يتعامل معه بوصفه السبب الذي يعتقد أنه أنتج هشاشته وعدم ثقته بنفسه. إنه يحاول القضاء على أصل المشكلة كما يتخيله، بعد أن أخفق في إقامة العلاقة التي كان يرجوها مع سلمى.
لكن هذا التفسير يظل قراءة لدوافع الشخصية، لا حكمًا قاطعًا بأن الأب هو السبب الحقيقي في عجز منصور، ولا تبريرًا للجريمة. فالشخصية قد تبني روايتها الخاصة عن أسباب فشلها، وتختار من ماضيها ما يؤكد تلك الرواية، ثم تتعامل معها بوصفها حقيقة نهائية.
وهنا تؤدي سلمى دورًا كاشفًا؛ فهي لا تصنع بالضرورة عجز منصور، بل تكشف له، من خلال رفضها أو نفورها، ما يحاول هو نفسه ألّا يواجهه. غير أن منصور لا يرى في موقفها تجربة عاطفية لها أسبابها وحدودها، بل يحوّله إلى دليل إضافي على أن هناك من تسبب في اهتزازه، وأن التخلص من هذا الشخص قد يعيد إليه ثقته بنفسه.
وهكذا تنتقل الأزمة من علاقة عاطفية فاشلة إلى صراع مع الأب، ثم إلى جريمة تُحمّل شخصًا آخر ثمنًا لمشكلة لا يمكن اختزالها في سبب واحد. فقتل الأب قد يزيله من حياة منصور، لكنه لا يضمن إزالة ما استقر في داخله من شعور بالعجز.
والمفارقة أن منصور يريد استعادة السيطرة على ذاته من خلال إلغاء الآخر، فينتهي إلى فعل يكشف مقدار فقدانه للسيطرة الأخلاقية على نفسه. إنه يبحث عن الحرية في القتل، بينما يجعل من العنف شكلًا آخر من أشكال الأسر.
رابعًا: المرأة بين الجسد والاعتراف.
تثير صورة المرأة في الرواية سؤالًا نقديًا أساسيًا: هل تظهر المرأة بوصفها ذاتًا مستقلة لها عالمها الداخلي وإرادتها الخاصة، أم تُستدعى أساسًا لتكشف ما يعانيه الرجل من اضطراب وتناقض؟
في علاقة فريد بسلمى، تتقدم الجاذبية الجسدية على العمق العاطفي، ويبدو أن العلاقة تعجز عن بناء مساحة إنسانية متبادلة. فالجسد حاضر بقوة، لكن الاعتراف بالآخر بوصفه ذاتًا مستقلة يظل موضع اختبار، وصولًا إلى المسار العنيف الذي ينتهي بإصدار حكم بالموت.
يقول فريد لسلمى:
«أنتِ لستِ جميلة فقط، بل معيار للجمال».
تبدو العبارة في ظاهرها مديحًا استثنائيًا، لكنها تفتح سؤالًا حول طبيعة نظرته إليها: هل يرى سلمى كما هي، بما تحمله من تناقضات وتجارب ورغبات، أم يصنع منها صورة مثالية، ثم يحاكمها حين لا تتطابق مع الصورة التي رسمها لها؟
فقد يتحول تمجيد المرأة إلى شكل آخر من أشكال اختزالها، حين لا تُرى إلا من خلال معيار يضعه الرجل. فالمرأة لا تصبح أكثر استقلالًا لمجرد أن تُرفع إلى مرتبة المثال؛ إذ قد تظل محاصرة داخل تصور الآخر عنها، سواء أكان هذا التصور قائمًا على الإعجاب أم الرفض.
أما سلمى، فيمكن قراءة علاقتها بجسدها في ضوء التوتر بين الحرية الفردية ونظرة المجتمع إلى المرأة. فقد يبدو الجسد وسيلةً لامتلاك القوة في عالم يميل إلى اختزال المرأة فيه، لكن هذه القوة تظل ملتبسة ما دامت تتحرك داخل المعايير ذاتها التي تحاول مقاومتها.
ولا ينبغي أن تتحول هذه القراءة إلى إدانة أخلاقية للمرأة أو إلى تحميلها مسؤولية عنف الرجل. فاختيارات الشخصية وتناقضاتها لا تمنح الآخرين حق إلغاء حياتها، كما أن فهمها نقديًا يقتضي النظر إلى دوافعها وظروفها، لا الاكتفاء بوصفها من خلال علاقتها بالرجل.
وتتخذ علاقة فريد بيمنى مسارًا مختلفًا. فقد قتلت يمنى زوجها بعد تكرار الخيانة والإهانة، ثم اتجهت نحو فريد، تحبه أولًا بوصفه رجلًا، قبل أن ترى فيه طفلًا هشًا يحتاج إلى الاحتواء. وتحاول الاقتراب من الجزء الذي يختبئ خلف صلابته الفكرية، لكنها تصطدم بحدود لا تستطيع تجاوزها.
يقول فريد:
«الحياة تسير في اتجاه واحد».
تحمل العبارة إدراكًا لاتجاه الزمن واستحالة العودة إلى الماضي لتغيير ما حدث، لكنها قد تكشف أيضًا عن استسلام أمام أثر الماضي، وكأن التجارب السابقة حكم نهائي على قدرة الإنسان على بناء علاقات جديدة.
وحين تقول يمنى: «أنت عارف إني أنا بحبك»، يرد فريد: «متفكرني غبي».
بدلًا من استقبال الاعتراف بوصفه فرصة للتواصل، يعيد فريد صياغته داخل منظومة عقلية تحلل المقاصد وتراقبها. وهكذا تتحول العاطفة من إمكانية للاتصال الإنساني إلى موقف يخضع للاختبار والشك.
تكشف سلمى، من خلال علاقتها بفريد، اختلال العلاقة بين الجسد والاعتراف، بينما تكشف يمنى حدود قدرته على استقبال الحنان. لكن السؤال النقدي لا ينبغي أن يقف عند أثر المرأتين في الرجل، بل يمتد إلى الطريقة التي يمنحهما بها السرد استقلالهما الخاص.
فالشخصية النسائية لا تكتمل بمجرد حضورها في حياة الرجل أو تأثيرها فيه؛ بل تكتمل حين نلمح وعيها وتاريخها ورغباتها وقدرتها على اتخاذ القرار خارج الدور الذي تؤديه في تشكيل مصيره. ومن هنا تظل صورة المرأة مجالًا مفتوحًا للتأويل بين حضورها بوصفها ذاتًا مستقلة، واستعمالها بوصفها مرآة تكشف تناقضات الرجل.
سلمى بين معيار الجمال وفراغ المعنى: موقفي النقدي.
تتصل شخصية سلمى بسؤال الجمال والحرية والجسد، لكنها تثير لديّ سؤالًا آخر يتعلق بمعايير الحكم على الإنسان: هل يكفي الجمال الخارجي ليصبح صاحبه تجسيدًا للجمال في معناه الكلي؟ وهل تتطابق الحرية التي يعلنها الإنسان مع وعيه بذاته، أم قد تتجاور الحرية المعلنة مع تناقضات لا يدركها صاحبها؟
توقفتُ عند عبارة فريد: «أنتِ لستِ جميلة فقط، بل معيار للجمال»، لأنني تعجبت من رؤيته لسلمى بوصفها معيارًا للجمال، لا مجرد امرأة جميلة. فالجمال، في تصوري، لا يقوم على المظهر وحده، بل يتشكل من تفاعل بين الشكل والمضمون، وبين التناقض والتآلف، وبين ما يبدو متعارضًا وما يستطيع الوعي أن يمنحه وحدة داخلية.
نحن نقول إن الفن يحقق التناقض بالتآلف؛ فالعناصر المتباينة لا تفقد اختلافها بالضرورة، لكنها تدخل في بنية تمنحها معنى متماسكًا. وقد يكون العالم نفسه مثالًا على اجتماع الأضداد وتداخلها؛ غير أن وجود التناقض لا يكفي وحده لإنتاج الجمال، بل لا بد من وجود ما يجعل هذا التناقض قابلًا للفهم بوصفه وحدة أو تجربة ذات دلالة.
ومن هذا المنطلق، لم أرَ في سلمى، كما رآها فريد، ذلك التناقض المتآلف الذي يجعلها معيارًا للجمال. لقد بدت لي، في قراءتي، شابة لا يظهر في مواقفها محتوى معرفي واضح يوازي ما تعلنه من رغبة في الحرية، ومتعددة العلاقات، وتبحث عن الاعتراف باستقلالها، فيما تتشكل علاقتها بجسدها ونظرة الآخرين إليه في مساحة ملتبسة.
فهي، من جهة، تريد أن تتحرر من اختزالها في الجسد، ومن النظرة التي لا ترى فيها إلا جسدًا؛ ومن جهة أخرى، تعبّر عن رغبتها في ارتداء ملابس كاشفة تُظهر جسدها. وقد يبدو هذا، في القراءة الأولى، تناقضًا بين رفض النظرة الجسدية والسعي إلى إظهار الجسد. لكن هذا التناقض وحده لا يكفي للحكم عليها بالاضطراب أو بانعدام الوعي، كما أن رغبة المرأة في التحكم بمظهرها لا تتناقض حتمًا مع رفضها أن تكون موضوعًا لنظرات الآخرين.
إن موضع تساؤلي النقدي أعمق من المظهر نفسه: هل تمتلك سلمى تصورًا واضحًا للحرية التي تطالب بها، أم أنها ترفع شعار الحرية من دون أن يتضح في مواقفها كيف تفهمها معرفيًا وأخلاقيًا؟ وهل تتعامل مع جسدها بوصفه جزءًا من ذاتها تملك حق التعبير عنه، أم تظل محكومة بالتوتر بين رغبتها في التحرر ورغبتها في الحصول على اعتراف الآخرين؟
ومن هنا أميّز بين التناقض الذي ينتج معنى فنيًا، والتناقض الذي يكشف عن غياب رؤية متماسكة. فليس كل اختلاف داخل الشخصية عمقًا، وليس كل ازدواجية دليلًا على ثراء التجربة. قد يكون التناقض علامة على صراع داخلي منتج، وقد يكون، في حالات أخرى، تعبيرًا عن غموض الرؤية أو عدم وضوح التصور الذي تستند إليه الشخصية.
ومع ذلك، ينبغي أن يظل هذا الحكم في حدوده النقدية؛ فأنا أعبّر هنا عن انطباعي من الصورة التي رسمتها الرواية لسلمى، لا عن حقيقة نهائية تخص الشخصية، ولا عن حكم عام على النساء ذوات العلاقات المتعددة أو الملابس الكاشفة. فليس الملبس ولا عدد العلاقات معيارًا في حكمي، وإنما المعيار الطريقة التي تبني بها الشخصية معنى حريتها، ومدى اتساق هذا المعنى مع خطابها وسلوكها.
والسؤال الذي أطرحه على فريد: هل رأى سلمى كما هي، أم رأى فيها صورة صنعها احتياجه العاطفي؟ ربما لم يكن وصفه لها معيارًا للجمال حكمًا موضوعيًا بقدر ما كان انعكاسًا لرؤيته الخاصة، أو لرغبته في أن يمنحها منزلة تتجاوز ما تكشفه أفعالها ومواقفها. وهنا يصبح الجمال، بدلًا من أن يكون حقيقة مشتركة، تجربة تتداخل فيها الذات مع موضوعها، ويغدو وصف المحبوب شاهدًا على احتياج الواصف بقدر ما هو وصف للمحبوب.
إن اختلاف رؤيتي عن رؤية فريد لا ينتقص من تجربته العاطفية؛ بل يكشف أن الشخصيات قد ترى في الآخر ما لا يراه القارئ، وأن المبالغة في تقدير المحبوب قد تكون جزءًا من البنية النفسية للشخصية، لا بالضرورة حقيقة تقررها الرواية نيابة عن القارئ.
خامسًا: العدمية حين تتحول إلى مشروع سياسي.
لا تقف العدمية في الرواية عند حدود الأزمات الفردية، بل تمتد إلى المجال السياسي، حيث تصبح الأفكار المرتبطة بفقدان المعنى قابلة للتوظيف في الصراع على السلطة.
يمثل هيثم اتجاهًا آخر في هذا العالم؛ فبعد إخفاق تجاربه وتراجع إحساسه بالمعنى، يتمسك بالوطن ويرفض الهجرة، لكنه يدعو إلى قتل الإسلاميين، ثم يُقتل بسبب أفكاره. وهنا يتقاطع الانتماء الوطني مع الرؤية الإقصائية، ويتحول الوطن من مساحة مشتركة إلى ساحة للصراع حول من يملك حق البقاء ومن يملك حق تحديد هوية المجتمع.
تكشف هذه الشخصية عن تناقض مهم: فقد يجتمع التمسك بالوطن مع رفض التعدد داخله، كما قد يتحول الدفاع عن فكرة إلى محاولة لإقصاء كل من لا يشارك صاحبها رؤيته. وهكذا لا يعود الانتماء وحده ضمانةً للعدالة، ولا تصبح القضية التي يدافع عنها الإنسان مبررًا تلقائيًا للوسائل التي يستخدمها.
ثم تتطور الفكرة عبر أدهم درويش، المعروف باسم سمير عياد، ضابط المخابرات، في محاولة لتوظيف التنظيم في مواجهة التيار الإسلامي. وبذلك تنتقل فكرة القتل من مشروع شخصي إلى احتمال استخدامها أداةً في مشروع سياسي أوسع.
غير أن النادي يقاوم هذا التحول؛ لأن أفراده ينظرون إلى أفعالهم باعتبارها شأنًا شخصيًا، لا تنفيذًا لأوامر جهة سياسية. وتكشف هذه المقاومة عن مفارقة: الجماعة التي تأسست على رفض سلطة المجتمع لا تقبل بالضرورة أن تصبح أداة في يد سلطة أخرى.
لكن رفض التبعية لا يعني التحرر من منطق الهيمنة. فقد يرفض الفرد سلطة الدولة أو المجتمع أو المرجعية الدينية، ثم ينشئ سلطة خاصة به حين يمنح نفسه حق تقرير مصائر الآخرين. وهنا تتجلى المفارقة السياسية في أوضح صورها: قد يبدأ الإنسان مطالبًا بحريته، ثم يتحول إلى سالب لحرية غيره.
إن العدمية لا تتحول إلى مشروع سياسي لمجرد أن أصحابها فقدوا المعنى، بل حين تُستثمر أزمتهم أو تُترجم تصوراتهم إلى ممارسات تستهدف إقصاء الآخرين. فالخطر لا يكمن في الشك وحده، ولا في نقد السلطة، بل في تحويل الاعتقاد الشخصي إلى حق في فرض المصير على المجتمع.
سادسًا: فيكتور والفن — انفصال اللغة عن الشعور ومفارقة المعنى.
يقدم فيكتور، من خلال علاقته بالشعر وتجربته العاطفية، مدخلًا مختلفًا إلى سؤال اللغة والمعنى، وإلى المسافة التي قد تنشأ بين ما يقوله الإنسان وما يريد التعبير عنه في الحقيقة.
يقول فيكتور:
«أنا السبب الباطل الوحيد لموتي ما دمت حيًّا».
تبدو العبارة مشحونة بتناقض داخلي؛ فالذات تتحدث عن موتها وهي ما تزال في الحياة، وتضع نفسها في موضع السبب، ثم تصف هذا السبب بالباطل. إننا أمام لغة لا تمنح معناها بصورة مباشرة، بل تفتح المجال للتأويل، وتضع القارئ أمام مفارقة بين الوجود والفناء، وبين ما يعتقد الإنسان أنه يعرفه عن نفسه وما يعجز عن فهمه فيها.
لكن خصوصية شخصية فيكتور لا تتجلى في عباراته الشعرية وحدها، بل في علاقته باللغة حين يحاول التعبير عن تجربة الحب. ففي حواره مع يمنى، تسأله: «وما علاقة هذا الشعر بالحب؟». ويكتسب سؤالها دلالته من السياق الذي ورد فيه؛ إذ كان فيكتور يتحدث عن دخوله في علاقة حب، ويحاول أن يفهم المعنى الذي تشكّل في داخله، غير أن هذا المعنى لم يصل إلى يمنى بالصورة التي أرادها، بل بدا كأنه علق عندها وانغلق دون أن تتمكن من النفاذ إلى ما وراء كلماته.
هنا تتشكل المفارقة الأساسية في بناء الشخصية: **فيكتور يريد أن يوضح تجربة شعورية، لكن اللغة التي يستخدمها لا تنقل شعوره بالضرورة إلى الطرف الآخر؛ بل قد تصبح حاجزًا بينه وبين من يخاطبها.** فهو يتحدث من داخل تجربة عاطفية يحاول استيعابها، بينما تستقبل يمنى كلامه من موقع مختلف، فلا تنجح في التقاط العلاقة التي يريد إقامتها بين الشعر والحب.
ولا يعني ذلك أن يمنى عاجزة عن فهم الشعر على نحو مطلق، بل إن الحوار يكشف، في هذه اللحظة تحديدًا، عن تعثر في التواصل بين مرسل يحمّل لغته تجربة شخصية معقدة ومتلقية لا تصل إلى الدلالة التي يقصدها. فالمعنى الذي يبدو واضحًا في وعي المتكلم قد لا يكون واضحًا في وعي المخاطب؛ لأن الكلمات لا تنتقل محمّلة بالشعور نفسه الذي أنتجها، بل تدخل في أفق آخر من الفهم والتأويل.
ومن هنا تتجاوز المفارقة حدود العلاقة بين فيكتور ويمنى لتلامس طبيعة اللغة الشعرية ذاتها. فنحن لا نقول دائمًا ما نشعر به بصورة مباشرة، ولا تعكس الكلمات بالضرورة نوايانا الحقيقية. قد نتحدث عن شيء ونقصد شيئًا آخر، وقد نستخدم صورة شعرية لنقترب من شعور يعجز الكلام المباشر عن احتوائه، لكن هذه الصورة نفسها قد تفتح بابًا للإبهام بدلًا من أن تزيله. وهكذا تنشأ مسافة بين اللغة والشعور، وبين المعنى الذي يقصده الشاعر والمعنى الذي يتلقاه الآخر.
ويزداد هذا الإبهام تعقيدًا حين يعجز الواقع عن تقديم إجابات واضحة، وحين يصبح المستقبل مجهولًا، فلا يجد الإنسان في تجربته ما يكفي لترتيب مشاعره أو تحديد وجهتها. عندئذ قد يلجأ إلى الشعر بوصفه محاولة لفهم ما يعيشه، لكنه قد يجد نفسه أمام لغة تعبّر عن ارتباكه أكثر مما تحسمه. فالشعر، في هذه الحالة، لا يقدم حلًا نهائيًا للتناقض، بل يجسده ويمنحه صورة يمكن تأملها.
وهنا تتجلى براعة الكاتب في بناء شخصية فيكتور؛ إذ لا يقدمه شاعرًا يمتلك اللغة بالضرورة لمجرد أنه قادر على إنتاجها، بل يكشف التناقض بين قدرته على التعبير الفني وعجزه عن تحقيق التواصل الذي يريده. فامتلاك الكلمات لا يعني دائمًا امتلاك المعنى، والقدرة على صياغة الشعور لا تضمن وصوله إلى الآخر.
إن التناقض الذي تعيشه الشخصية لا يكمن في الشعر نفسه، بل في المسافة بين اللغة بوصفها بناءً فنيًا، واللغة بوصفها فعلًا تواصليًا يراد منه أن يصل إلى إنسان آخر. ففي الشعر، قد يكون الغموض جزءًا من ثراء النص وتعدد دلالاته؛ أما في العلاقة الإنسانية، فقد يتحول الغموض إلى عائق يحول دون الفهم والاعتراف المتبادل.
وبذلك لا تكون حكاية فيكتور مجرد حكاية شاعر يتحدث عن الحب، بل صورة لإنسان يحاول أن يفهم تجربته وأن ينقلها إلى الآخر، ثم يكتشف أن المعنى الذي يسكنه ليس بالضرورة هو المعنى الذي يصل. وبين النية والعبارة، وبين الشعور وتأويله، يتشكل ذلك التناقض الإنساني الذي نجح الكاتب في تجسيده: أن نمتلك لغة نقول بها أشياء كثيرة، ومع ذلك نعجز أحيانًا عن قول ما نريد حقًا.
الفن بين إعادة تشكيل العالم والعزلة عنه.
تتجاوز تجربة فيكتور حدود التواصل العاطفي إلى سؤال الفن نفسه: هل يستطيع الإبداع إنقاذ الإنسان من واقعه، أم أن المبالغة في الانفصال عنه قد تنتج عزلة جديدة؟
لا تكمن الإجابة في اختيار أحد الطرفين بصورة مطلقة؛ فالفن ليس مطالبًا بأن يكون نسخة مباشرة من الواقع، كما أن استقلاله الجمالي لا يعني انفصاله الكامل عن التجربة الإنسانية. إنما تكمن قوته في قدرته على تحويل الألم إلى صورة، والارتباك إلى لغة، والفقد إلى معنى يمكن مشاركته.
وفي هذا السياق، يمكن وضع فيكتور في مواجهة رمزية مع فريد: فريد يسعى إلى هدم العالم الذي فقد معناه، بينما يحاول الشاعر إعادة تشكيل التجربة باللغة. الأول يتجه إلى الإلغاء، والثاني إلى التشكيل؛ الأول يتعامل مع الواقع بوصفه مصدرًا للألم، والثاني يبحث في الخيال عن إمكان آخر للوجود.
ولا يعني ذلك أن الفن خلاص مضمون، أو أن الإبداع قادر على إزالة الألم نهائيًا. لكنه يتيح احتمالًا مختلفًا: بدلًا من أن تتحول المعاناة إلى مبرر للعنف، يمكن أن تتحول إلى تعبير، وبدلًا من أن يُلغى الآخر لأنه يعجز عن فهم التجربة، يمكن دعوته إلى مشاركتها عبر اللغة. وهكذا لا يقدم الفن إجابة نهائية عن سؤال الوجود، لكنه يفتح مساحة لاختبار المعنى بدلًا من إعدامه.
سابعًا: موت الإله وسؤال المرجعية.
تبلغ أزمة المرجعية في الرواية إحدى أكثر لحظاتها دلالة حين يطرح فريد فكرة قتل الإله، في الصفحة 214 من الرواية. ولا ينبغي التعامل مع هذه الفكرة بوصفها استفزازًا لفظيًا فحسب، بل بوصفها تعبيرًا عن تمرد يتصل بمصدر المعنى والسلطة وحدود الوجود الإنساني.
إن استدعاء فكرة قتل الإله يفتح بابًا للتأويل الفلسفي، ولا سيما في ضوء مفهوم فريدريك نيتشه عن «موت الإله»، الذي يرتبط بأزمة المرجعيات التقليدية وتراجع قدرتها على توفير أساس مشترك للقيم. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين المفهوم النيتشوي، بوصفه تشخيصًا لتحول ثقافي وفلسفي، وبين فكرة القتل إذا وردت في الرواية بصيغة مباشرة أو ضمن سياق خاص بشخصية فريد.
فالسؤال هنا لا يتعلق بالتمرد على المرجعية الدينية وحدها، بل بما قد يحدث حين يحاول الإنسان إسقاط المرجعية التي يرى أنها تقيده، من دون أن يجد أساسًا بديلًا ينظم علاقته بذاته وبالآخرين. هل يتحرر الإنسان حين يرفض السلطة العليا، أم أنه قد يعيد إنتاجها داخل ذاته، فينصّب نفسه حاكمًا مطلقًا على مصائر الآخرين؟
وتكمن المفارقة في أن فريد، حين يسعى إلى تجاوز المرجعية التي يرفضها، قد يقترب من تبني موقع الحكم الذي يمنح نفسه حق تحديد ما يستحق الحياة وما ينبغي أن يُلغى. وهنا لا يعود التمرد مجرد موقف فكري، بل يصبح سؤالًا أخلاقيًا عن حدود الحرية، وعن الفرق بين رفض سلطة يراها الإنسان جائرة، وادعاء سلطة مطلقة على العالم.
ومن ثم، فإن قراءة موقف فريد لا تستلزم اختزال الرواية في موقف ديني أو إلحادي، بل تقتضي النظر في النتائج التي تترتب على تصوره للحرية والمعنى. فالمشكلة النقدية الأعمق ليست في طرح السؤال عن المرجعية، بل في الكيفية التي تتحول بها الإجابة إلى مبرر لإقصاء الآخر أو انتزاع حقه في الحياة.
ويمكن كذلك قراءة العلاقة الرمزية بين الأب والإله من خلال فكرة الأصل والسلطة والتأسيس. فالأب قد يمثل، في بعض مستويات التأويل، المرجعية الأولى التي ينشأ الإنسان في مواجهتها، بينما يمثل الإله في التصور الديني مرجعية تتجاوز الفرد والعالم المحدود. لكن هذا الربط يظل تأويلًا يحتاج إلى قرائن روائية، ولا يصح اعتباره تطابقًا مباشرًا بين سلطة الأب والمرجعية الإلهية.
إن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الإنسان قادرًا على التمرد على مرجعيته، بل ما إذا كان قادرًا على تحمل مسؤولية الحرية من دون تحويلها إلى حق في إلغاء الآخرين. فالحرية التي تنكر حرية الآخر تتحول إلى هيمنة، والمعنى الذي لا يعترف بإنسانية الآخرين يصبح أداةً للعنف.
ثامنًا: الإنجاب والفناء وإرادة الاستمرار.
يمثل الإنجاب، في مستواه الرمزي، استمرار الحياة عبر الزمن، ويتيح حضور ابنتَي منصور وفيكتور التفكير في العلاقة بين عالم تحاصره الرغبة في الفناء، وحياة تواصل شق طريقها رغم ذلك.
فالطفل ليس مجرد امتداد بيولوجي لوالديه، بل احتمال لمستقبل لم يتحدد بعد، وإمكان لظهور تجربة مختلفة عن التجارب السابقة. ومن هذه الزاوية، تكتسب ولادة الأطفال دلالة تتجاوز الحدث العائلي، لتصبح علامة على أن الحياة تظل قادرة على فتح احتمالات جديدة داخل عالم مثقل بالخسارة.
في المقابل، تبدو رؤية فريد محكومة بوعي حاد بالموت والزوال. فكل شيء مهدد بالانتهاء، وكل علاقة معرضة للفقد، وكل وجود يسير نحو نهايته. لكنه لا يكتفي بإدراك هذه الحقيقة، بل يتعامل معها كما لو أنها حجة ضد الحياة نفسها.
وتظهر هذه الرؤية في فكرته، بمعناها، أن من يريد ابنًا عليه أن يقبل الخسارة. ففي هذا التصور يصبح الحب مقدمة للفقد، والإنجاب قبولًا مسبقًا بالألم، والارتباط بالآخر مخاطرة لا مبرر لها لأن النهاية معروفة سلفًا.
لكن هل يجعل الفناء الحياة بلا قيمة؟ وهل تصبح التجربة الإنسانية عديمة المعنى لأنها مؤقتة؟ إن معرفة الإنسان بأن ما يحبه قد يزول لا تعني أن عليه تجنب الحب، كما أن إدراكه أن الحياة تنتهي لا يقتضي رفض بدايتها. فمحدودية الزمن قد تكون أحد أسباب قيمة اللحظات، لأن الإنسان لا يستطيع الاحتفاظ بها إلى الأبد، فيتعلم أن يعيشها بوعي أكبر.
ومن هنا يمكن قراءة موقف فريد بوصفه عقمًا وجوديًا، لا بمعنى العقم البيولوجي، بل بمعنى انغلاق الأفق أمام المستقبل. فإذا كان كل شيء سينتهي، فلماذا نبدأ؟ وإذا كان كل حي سيموت، فلماذا نأتي إلى الحياة؟ وإذا كان الوجود ينتهي إلى الفناء، فلماذا لا يكون العدم بداية الأشياء ونهايتها؟
غير أن هذه الأسئلة لا تحمل إجابة واحدة. فالموت حقيقة، لكنه لا يثبت أن الحياة بلا قيمة، كما أن الفقد احتمال لا يمكن إلغاؤه، لكنه لا يجعل الحب خطأً ينبغي تجنبه. أليس الميلاد نفسه فعلًا من أفعال مقاومة العدم؟ أليست كل تجربة جديدة احتمالًا لم يكن موجودًا من قبل، وكل علاقة فرصة لإنتاج معنى لا يمكن اختزاله في نهايتها؟
لا يعني ذلك إنكار الموت أو التقليل من حقيقة الفقد، بل يعني رفض تحويل النهاية إلى حكم مسبق على قيمة الرحلة كلها. فالحياة لا تحتاج إلى وعد بالخلود حتى تستحق أن تُعاش؛ قد يكفي أنها تتيح للإنسان أن يحب ويبدع ويغيّر، وأن يترك أثرًا يتجاوز لحظته المحدودة.
خاتمة: مقاومة العدم.
تضعنا رواية «نادي الانتحار» أمام سؤال يتجاوز مصائر شخصياتها: ماذا يفعل الإنسان بألمه؟ فريد يحوّله إلى حكم على العالم، ومنصور إلى جريمة، وهيثم إلى مشروع إقصاء. وفي كل مرة تتكرر الحركة نفسها: يتحول الألم من تجربة تستدعي الفهم إلى سلطة تدّعي حق تقرير مصير الآخرين. فالمشكلة ليست في أن يتألم الإنسان أو يشك في معنى الحياة، بل في أن يغلق باب المراجعة، فيصير الشك يقينًا، والجرح حجة.
وفي مقابل ذلك يقف فيكتور، لا بوصفه خلاصًا مضمونًا، بل بوصفه احتمالًا آخر: أن يُصاغ الألم لغةً بدل أن يُنفَّذ فعلًا. فريد يلغي العالم الذي فقد معناه، وفيكتور يحاول أن يعيد تشكيله. وبين الإلغاء والتشكيل ترسم الرواية حدود الاختيار الإنساني.
إن مقاومة العدم لا تعني إنكار الموت ولا الوعد بأن الألم سيزول. فالموت حقيقة، لكنه لا يصادر قيمة الرحلة، والفقد احتمال قائم، لكنه لا يجعل الحب خطأً. وقد اختبرتُ هذا المعنى حين كان البحث عن منفذ تحت الركام أسبق من كل سؤال فلسفي؛ يومها لم تكن الحياة وعدًا بالخلود ولا ضمانًا للعدالة، كانت احتمالًا يستحق التمسك به.
وهذا هو الفارق بين إرادة الحياة وفلسفة العدم: كلتاهما تعترف بالفناء، لكن الأولى تجعل منه سببًا لمزيد من الوعي والتعاطف والمسؤولية، والثانية تجعل منه حجة ضد البداية نفسها. فنحن لا نملك أن نمنع الخسارة، لكننا نملك أن نواجه الألم بالفهم لا بالانتقام، وأن نرى في الآخر إنسانًا لا خصمًا ولا أداة.
كيف نصنع من العدم وجودًا، ومن الفقد معنى، ومن هشاشة الإنسان إرادةً للحياة؟
المرجع:
الصياد، كريم، نادي الانتحار، ط1، مصر، دار نيو بوك، القاهرة، 2020












