
*من رثاء الأب إلى وجع الرحيل: البنية الوجدانية في قصيدة «لحظة مع أبي»* *د.منال شرف الدين*
3
3
3
3
3
*من رثاء الأب إلى وجع الرحيل: البنية الوجدانية في قصيدة «لحظة مع أبي»*
*بقلم الدكتورة منال شرف الدين*
تتشكل قصيدة «لحظة مع أبي» للشاعرة مزكان ساغر من تجربة وجدانية مثقلة بالفقد، تتداخل فيها مشاعر الحزن والانكسار والاغتراب، وتتسع فيها لحظة رثاء الأب لتغدو تجربة أعمق تتصل بالرحيل ومفارقة المكان وتبدّل علاقة الذات الشعرية بالعالم من حولها. فالأب في القصيدة ليس مجرد شخص غائب تستعيده الذاكرة، بل يمثل حضورًا عاطفيًا يرتبط بالأمان والانتماء، ويصبح فقده نقطة تحوّل في التجربة النفسية، تنعكس آثارها على رؤية الذات لنفسها وللحياة.
ومنذ العنوان، «لحظة مع أبي»، تضع الشاعرة القارئ أمام زمن قصير يستعيد لقاءً أو ذكرى، غير أن هذه اللحظة لا تنفصل عن شعور الفقد؛ إذ يبدو استحضار الأب محاولة للإمساك بما غاب، واستعادة ما لم يعد ممكنًا في الواقع. وتحمل كلمة «لحظة» دلالة زمنية تتجاوز معناها المباشر، فهي تختزل مساحة من الذاكرة، وتجمع بين حضور الأب في الوجدان وغيابه في الحياة. أما عبارة «مع أبي»، فتأتي شبه جملة متعلقة بكلمة «لحظة»، وتحدد طبيعة هذه اللحظة وصلتها بالأب؛ إذ إن «مع» ظرف وهو مضاف، و«أبي» مضاف إليه. ويمنح هذا التركيب العنوان طابعًا شخصيًا، ويكشف عن عمق الصلة الوجدانية بين الذات الشعرية والأب، وهي صلة تتجاوز حدود الرثاء التقليدي إلى التعبير عن أثر الفقد في التجربة الإنسانية.
*الأب: من الغياب الشخصي إلى الخراب الداخلي*
تفتتح القصيدة بمشهد بصري قاتم:
«سماءٌ ملبّدةٌ بدخانٍ كثيف
وفقدانُك يا أبي موتٌ وخراب»
تأتي صورة السماء الملبّدة بالدخان لتؤسس من البداية مناخًا نفسيًا مضطربًا؛ فالدخان يحجب الرؤية، ويشي بالاختناق والاضطراب، وكأن العالم الخارجي قد اكتسب ملامح الحزن الذي يعتمل في الداخل. ولا تقف الصورة عند حدود وصف مشهد عابر، بل تتصل بما أحدثه فقد الأب من خلل في الإحساس بالحياة. ويأتي النداء «يا أبي» محمّلًا بعمق الصلة الوجدانية وخصوصيتها، ثم تتسع دلالة الفقد في الجمع بين «الموت» و«الخراب»، إذ لا يبدو الغياب حدثًا ينتهي عند لحظة الوفاة، بل تجربة تهزّ توازن الذات وتترك أثرًا في رؤيتها إلى العالم.
وتتعمق هذه الدلالة في قول الشاعرة:
«أتيتُ من بُعدٍ، مثقلاً بأوجاعٍ لا تُطاق
كما الذي مات ولم يعرفْ راحةً قط»
فالمجيء من البعد يرتبط هنا بثقل التجربة، وكأن المسافة المكانية تتضافر مع المسافة النفسية التي خلّفها الفقد. وتكشف عبارة «مثقلاً بأوجاع لا تطاق» عن تراكم الألم حتى يغدو عبئًا يصعب احتماله. أما التشبيه في الشطر الثاني فيستحضر صورة الموت بوصفه حالة من التعب الممتد، لا تنتهي معها المعاناة في الوجدان. وهكذا تتداخل دلالتا الحياة والموت في التعبير عن نفس أنهكها الحزن، ولم تعد تجد في واقعها ما يخفف وطأة التجربة.
*القصيدة والليل: الكتابة في مواجهة الألم*
لا تنفصل الكتابة في القصيدة عن الحالة النفسية التي تعيشها الذات الشعرية؛ فهي لا تظهر وسيلة للبوح فحسب، بل تتحول إلى فضاء تستعيد فيه الشاعرة وجعها وتعيد التعبير عنه. ويتضح ذلك في قولها:
«أسندُ رأسي إلى أنَّاتِ قصيدةٍ باردة
فإذا بالليل المريرُ يلطّخ أيامي»
تتجسد القصيدة في صورة كائن يحمل الأنّات، غير أنها توصف بالبرودة، في مفارقة توحي بأن الكتابة، على الرغم من قدرتها على احتواء الألم، لا تملك بالضرورة أن تخفف حدته. فالذات تسند رأسها إليها كما لو كانت تبحث عن ملاذ، لكنها لا تجد سوى امتداد للحزن. ويأتي الليل في صورة فاعلة، إذ «يلطّخ» الأيام، وهي استعارة تمنح الزمن لونًا قاتمًا، وتجعل أثر الألم ممتدًا إلى تفاصيل الحياة اليومية.
ثم تعزز الشاعرة هذا الإحساس بقولها:
«كليالي الفقد، مُرَّةً كالعلقم»
فالليل لم يعد زمنًا طبيعيًا، وإنما صار مقياسًا للحالة النفسية، واكتسب مرارة الفقد وطول انتظاره. والتشبيه بالعلقم يضاعف الإحساس بقسوة التجربة، ويحوّل الحزن من شعور معنوي إلى مذاق مرّ يكاد يُحسّ به. وتكشف هذه الصور عن علاقة متوترة بين الذات والزمن؛ فالليل يطول، والأيام تتلوث بالحزن، والكتابة لا تضع حدًا للألم، بل تمنحه شكلًا لغويًا قابلًا للاستعادة.
_*الاغتراب وتصدّع الإحساس بالذات*
يبلغ الإحساس بالفقد مستوى أعمق حين تقول الشاعرة:
«من ذاتي انتُزعتُ، ومنك، ومن هذه الحياة
هربتُ من نفسي، منبوذًا، ضائعَ الخطوات»
تعبّر صورة الانتزاع عن اقتلاع داخلي، فالذات لا تشعر بأنها فقدت الأب وحده، بل كأنها فقدت جزءًا من كيانها، وانقطعت صلتها بالحياة التي كانت تعرفها. ويكشف ترتيب المفردات «ذاتي، ومنك، ومن هذه الحياة» عن اتساع دائرة الفقد؛ إذ يبدأ الإحساس بالانفصال من الداخل، ثم يمتد إلى الأب، وصولًا إلى العالم بأسره.
أما الهرب من النفس، فيحمل دلالة الاغتراب الأشد قسوة؛ فالإنسان قد يبتعد من المكان أو الآخرين، لكنه حين يهرب من نفسه يصبح الانفصال أكثر عمقًا، لأنه لا يجد في داخله الطمأنينة التي كان يلجأ إليها، ولا يشعر بأنه قادر على استعادة توازنه النفسي. وتأتي صفتا «منبوذًا» و«ضائع الخطوات» لتدعما هذا الإحساس، فالأولى توحي بفقدان الصلة بالآخرين، والثانية تشير إلى اضطراب الاتجاه والعجز عن تحديد طريق واضح. وهكذا لا يعود الاغتراب مجرد ابتعاد مكاني، بل يتحول إلى حالة نفسية تتصدع فيها علاقة الذات بذاتها وبمحيطها.
*الشعر المحترق وصورة الصراع الداخلي*
تتخذ التجربة الوجدانية منحى أكثر توترًا في قول الشاعرة:
«في ألسنةِ شعرٍ غيرِ مكتملٍ وغزلٍ محروق
أحترق كنارِ نمرود، جمراً في العتمات»
تجمع الصورة بين الشعر والغزل والاحتراق، فتبدو الكتابة نفسها محاطة بأثر التجربة القاسية. ويمكن قراءة عبارة «ألسنة شعر» بوصفها إيحاءً بألسنة اللهب، ولا سيما أن الشطر التالي يستكمل الصورة بفعل الاحتراق ونار نمرود. وبهذا تتداخل اللغة الشعرية مع صورة النار، فيغدو الشعر تعبيرًا عن ألم لا يهدأ، وتصبح الكلمات شظايا من تجربة لم تستطع الذات إكمالها أو تجاوزها.
أما الإحالة إلى نار نمرود، فتستحضر صورة النار في الذاكرة الثقافية بوصفها رمزًا للعذاب والمحنة. ولا تكتفي الشاعرة بوصف الاحتراق من الخارج، بل تجعل الذات نفسها موضعه: «أحترق»، ثم تختزلها في «جمر» مستمر داخل العتمة. والجمر هنا يوحي بألم قد تخفت مظاهره، لكنه يحتفظ بحرارته في الداخل. ومن ثمّ، لا تبدو النار لحظة انفعال عابرة، بل صورة لاستمرار المعاناة وتغلغلها في أعماق التجربة.
*بين المقاومة والاستسلام*
على الرغم من حضور الانكسار في معظم مقاطع القصيدة، فإن الذات الشعرية لا تستسلم للألم منذ البداية، بل تحاول مواجهته، كما يظهر في قول الشاعرة:
«أقاتل كي أتخلّى عمّا كان لي
ثم أستسلمُ ليدِ ساعاتٍ معدودات»
يكشف فعل «أقاتل» عن مقاومة داخلية، وعن محاولة واعية للتخلص من ثقل الماضي وما ارتبط به من ذكريات وعلاقات. غير أن هذه المقاومة لا تصل إلى نهايتها؛ إذ يعقبها فعل «أستسلم»، بما يحمله من دلالة على التعب وفقدان القدرة على المواصلة. وتبرز المفارقة بين الفعلين طبيعة الصراع الذي تعيشه الذات: رغبة في التحرر من الألم، يقابلها عجز عن الانفصال عما تركه الفقد من آثار.
وتكتسب عبارة «يد ساعات معدودات» دلالة زمنية لافتة؛ فالوقت يبدو كأنه قوة تمسك بالذات وتحدد حركتها، في حين تتقلص قدرتها على التحكم في مسار التجربة. ومن هنا تتأرجح الحالة الوجدانية بين محاولة التخلص من الماضي والاستسلام لثقل اللحظة الراهنة، دون أن يتحقق خلاص نهائي من الألم.
*الذاكرة ووجع الوداع*
تنتقل القصيدة إلى مساحة الذاكرة والانتظار في قول الشاعرة:
«مع ذكرياتي المرّة أقضي ليلًا طويلًا
أنتظر لحظة الوداع لحظة الفراق»
تظهر الذكريات هنا بوصفها رفيقًا مؤلمًا، فهي لا تمنح الذات عزاءً كاملًا، بل تعيدها إلى ما فقدته. ووصفها بالمرارة يؤكد أن استرجاع الماضي لا يأتي منفصلًا عن الوجع، بل يعيد إنتاجه في الحاضر. فالماضي، على الرغم من انقضائه زمنيًا، يظل حاضرًا من خلال آثاره وذكرياته، ويستمر في التأثير في الحالة النفسية للذات.
ويبرز التكرار في «لحظة الوداع لحظة الفراق» إلحاح فكرة الانفصال، وكأن الشاعرة لا تكتفي بتسمية الرحيل مرة واحدة، بل تعيد تسميته لتكشف عن ثقله في الوجدان. فالوداع والفراق متقاربان في الدلالة، غير أن الجمع بينهما يضاعف الإحساس بنهائية اللحظة، ويجعل الانتظار نفسه جزءًا من المعاناة. وتبدو الذات معلقة بين ذكرى ما كان وتوقع ما سيأتي، فلا هي قادرة على استعادة الماضي، ولا هي مهيأة تمامًا لمواجهة الرحيل.
*المدينة والقلب المكسور: اكتمال صورة الرحيل*
تصل التجربة إلى ذروتها في المقطع الأخير:
«أغادر مدينتكم بقلب حزين محطّمًا مثل كأس
كان قلبًا فانكسر بالشتات»
يتجاوز الرحيل هنا حدود الانتقال من مكان إلى آخر؛ فمغادرة المدينة تأتي محمّلة بدلالات الفقد والانفصال، حتى إن المكان يبدو مرتبطًا بمرحلة وجدانية كاملة. واختيار «مدينتكم» بدلًا من صيغة أكثر قربًا أو امتلاكًا قد يوحي بمسافة شعورية بين الذات والمكان، وكأنها تغادر فضاءً لم تعد تشعر بأنها تنتمي إليه على النحو السابق.
وتبرز صورة القلب المحطم مثل الكأس لتجسّد هشاشة الحالة النفسية؛ فالكأس حين ينكسر يفقد تماسكه، ولا يعود إلى صورته الأولى بسهولة. وكذلك القلب الذي أصابه الفقد، إذ لا يقتصر أثر الانكسار على الحزن، بل يمتد إلى الإحساس بالتشتت وتبعثر المشاعر والذكريات التي كانت تمنح الذات شعورًا بالتماسك والاستقرار. ويأتي السطر الأخير «كان قلبًا فانكسر بالشتات» ليواصل صورة القلب المكسور، رابطًا انكساره بحالة التفرق والابتعاد التي يفرضها الرحيل. فالشتات لا يشير إلى المسافة وحدها، بل يوحي بتبعثر ما كان يجمع الذات بالمكان والذكريات، وبأن الانفصال ترك أثرًا يتجاوز لحظة المغادرة نفسها.
*الخاتمة*
تكشف قصيدة «لحظة مع أبي» عن بنية وجدانية تتدرج من رثاء الأب إلى الإحساس بخراب العالم الداخلي، ثم تتسع لتشمل الاغتراب ومفارقة المكان ومرارة الوداع. وقد أسهمت الصور الشعرية، مثل الدخان والليل والنار والكأس المكسور، في تجسيد الألم وتحويله من حالة نفسية مجردة إلى مشاهد محسوسة تتيح للقارئ الاقتراب من عمق التجربة.
كما أظهر التداخل بين الذاكرة والكتابة والزمن أن الفقد لا يتوقف عند غياب الأب، بل يترك أثرًا مستمرًا في علاقة الذات الشعرية بنفسها وبالحياة. وتتجلى خصوصية التجربة في هذا الانتقال من الحزن على الغائب إلى الشعور بفقدان التوازن والانتماء، وصولًا إلى الرحيل الذي يغدو امتدادًا للانكسار الداخلي. وبذلك لا تظل القصيدة رثاءً للأب وحده، وإنما تتحول إلى تعبير عن وجع إنساني تتداخل فيه خسارة الإنسان وخسارة المكان، وتصبح فيه لحظة الوداع علامة على اتساع الفقد في الوجدان.












