قصة غربة :
مدينةٌ كان اهلُها يُسمّونَها المدينةُ الحُلُم ..
ميناءٌ نفطي وتجاري وعشراتُ الزوارقِ والسّفُنِ لِصَيدِ الأسماك ..
إمتزَجتْ فيها دِماءُ العربِ والكُردِ ، الهنودِ والباكستانيين .. سكَنَها المسلمُ والمسيحي والصابئي الذين تفرّقوا في شتّى أصقاعِ الأرض بسببِ حربٍ مُدَمِّرة ..
اشواق ؛ كان عُمرُها ثلاثةَ عشَرَ ربيعاً حينَ غادَرْنا مدينتَنا الحُلُم ، ضاعَ كلٌ مِنّا في مشاربَ عديدةٍ من دوَل العالَم ..
خمسون عاماً مضت مِن دونِ أن اسمعَ عنها خبراً ، لكنّها لَمْ تُفارِق مُخيّلَتي يوماً ما .
حينَ غفلةٍ على صفحةِ التواصلِ الإجتماعي في مجموعةِ اهلُ الجنوب ، رأيتُ صورةَ شمعةٍ تسيلُ دموعَها تحتَ مسمّى حنينُ المدينة ..
وجدتُ حنينَ المدينة تذكُرُ بيوتَ الجيران وأسماءَ العوائل ، وكانت الصدمةُ المفرِحةُ أن أجِدَ اسمي بينَ الأسماء ..
عادت بيَ الذكريات ! هيَ أم غيرُها ؟
قالت جملةً واحدة : ومَن غيري سيذكُرَك ؟
نعم إنها أشواق ..
في اشهرِ مولات المدينة ، كانت الصدمة الأخرى ..
كنّا نستقبلُ ضيوفاً في دعوة للعشاء ..تخطّينا بعضَ المطاعمِ والكافتريات ، رأيتُ مِن مسافةِ عشرةِ امتارٍ امرأةً تجلسُ ومعها ثلاثُ فتيات ، لوّحَتْ بيدِها نحوي . التفتُّ خلْفي لعلّها تعني شخصاً آخرَ ، فَلَم اجِد احداً . وضعتُ يدي على صدري هامساً : أنا ؟؟
اجابت بحركةٍ مِن رأسِها نعم انتَ !!
وبعدَ عِدةِ خطوات قامت من كرسيَّها .
قلتُ لها أشواق ؟
قالت نعم وهؤلاء بناتي ..
لم اتمالك نفسي ، قبّلتُ رأسَها وأنا أُجهِشُ بالبكاء متسائلاً :
ايُّ غُربةٍ غيّبَتكِ كلَّ هذه السنين ؟
قالت : اعاصيرُ الغُربةِ اخَذَت مأخَذَها ، قسطرةٌ في القلبِ وتعبٌ في العيون .
لكن ، إعلَمْ وتأكّد ! أنّ اللحظات السعيدة لمْ وَلَن تموت ..













