حين تلتقي القصيدة بالحضارة بقلم ناصر رمضان عبد الحميد

اليوم

2
الأسبوع

2
الشهر

2
السنة

2
الإجمالي

2

حين تلتقي القصيدة بالحضارة
بقلم ناصر رمضان عبد الحميد

في مشهد يختصر معنى التواصل الإنساني بين الحضارات جاءت زيارة الشاعرة الأفغانية مژگان ساغر إلى الأهرامات وأبي الهول في مصر يوم 22 أكتوبر 2026 لتتجاوز حدود الزيارة السياحية إلى لحظة ثقافية وإنسانية عميقة.

ذهبت مژگان ساغر إلى الأهرامات وهي تحمل في قلبها فرحة الاكتشاف ودهشة الوقوف أمام واحدة من أعظم علامات الحضارة الإنسانية وقد أخبرتني عن سعادتها الكبيرة بما رأته هناك وعن ذلك الشعور الذي ينتاب الإنسان حين يقف أمام تاريخ يتجاوز عمره وذاكرته وحدود وطنه.

لكن الأجمل والأكثر دلالة أنها لم تذهب وحدها إلى هذا المكان العظيم بل اصطحبت معها كتبها ودواوينها التي طبعت في مصر كما حملت كتاب «من بلقيس الراوي إلى مژگان ساغر» الذي جمع وترجم مادته حامد حبيب وطبعناه لها في ملتقى الشعراء العرب.

وفي مشهد بالغ الدلالة رفعت مژگان أحد كتبها أمام الأهرامات وأبي الهول وكأنها تقول إن الحضارة لا تعيش في الحجارة وحدها وإن أعظم ما يمكن أن يقدمه الإنسان للحياة هو أن يترك أثره بالكلمة والفكر والفن والإبداع.

الأهرامات تمثل عبقرية الإنسان المصري القديم وأبو الهول يقف شاهدًا على قدرة الإنسان على تحويل الفكرة إلى رمز خالد بينما تقف القصيدة اليوم إلى جوار هذه الآثار لتؤكد أن الإبداع الإنساني لا يعرف حدودًا ولا جنسية ولا لغة واحدة.

كانت مژگان ساغر الشاعرة الأفغانية المقيمة في ألمانيا تحمل بين يديها كتبها التي صدرت في مصر لتلتقي قصيدتها بتاريخ مصر في مشهد يجمع أفغانستان ومصر وألمانيا في لحظة واحدة وتلتقي فيه ثقافات متعددة تحت سماء واحدة.

ولعل أجمل ما في الصورة أن الكتاب لم يعد مجرد صفحات تحمل قصائد وأسماء بل أصبح شاهدًا على رحلة الإنسان بين الحضارات فالكتاب الذي صدر في مصر عن شاعرة أفغانية يقف الآن أمام الأهرامات وكأنه يعبر عن رسالة أعمق مفادها أن الثقافة قادرة على أن تجمع ما قد تفرقه الجغرافيا وأن الشعر يستطيع أن يبني جسورًا لا تبنيها السياسة ولا الحدود.

إنها صورة تستحق أن تتوقف أمامها طويلًا فالشاعرة التي جاءت من بلاد بعيدة حملت معها قصيدتها وكتبها لتضعها أمام أقدم صفحات التاريخ وكأنها تعلن أن الإنسان يكتب تاريخه مرتين مرة حين يبني الحضارة ومرة حين يحفظها بالكلمة ويضيف إليها من روحه وإبداعه.

هكذا تتحول زيارة الأهرامات من مجرد رحلة إلى ذاكرة ثقافية وتتحول الصورة إلى وثيقة رمزية جميلة تجمع بين الماضي والحاضر وبين الحجر والكلمة وبين الحضارة المصرية والإبداع الأفغاني وبين امرأة تحمل قصيدتها إلى قلب التاريخ.

وحين وقفت مژگان ساغر أمام الأهرامات وأبي الهول حاملة كتابها كان المشهد يقول ببساطة وعمق إن الحضارة علم وثقافة وإبداع وإن أجمل ما يفعله الإنسان أمام عظمة التاريخ أن يواصل الكتابة والإبداع حتى يبقى اسمه وكلمته وأثره حاضرًا في ذاكرة الأجيال.
ـــ
عضو اتحاد كتاب مصر
رئيس ملتقى الشعراء العرب

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x