
الدكتورة زبيدة الفول… حين يصبح الإبداع أصلًا، وتغدو المحاكاة ظلًّا باهتًا
8
8
8
8
8
الدكتورة زبيدة الفول… حين يصبح الإبداع أصلًا، وتغدو المحاكاة ظلًّا باهتًا
الدكتورة زبيدة الفول، حيث يتفرّد الحرف، وتورق التجربة، ويغدو الإبداع بصمةً عصيّةً على الاستنساخ.
دكتورة زبيدة، ثمة أقلام تكتب لتملأ الصفحات، وأقلام تكتب لتوقظ المعنى من سباته، وتمنح الحروف أجنحةً تحلّق بها في فضاءات الدهشة والجمال. وأنتِ من تلك الأقلام التي لم تجعل الأدب مجرّد صناعة للكلمات، بل جعلته مرآةً للتجربة، وجسرًا إلى الروح، ونوافذَ تطلّ منها الفلسفة على الحياة في أبهى تجلياتها.
لقد نسجتِ لنفسكِ عالمًا أدبيًّا تتنوّع ألوانه، وتتآلف في فضائه التجربة والخيال؛ من ديوانكِ «قال لي»، الذي منحتِه خصوصيةً آسرة في البوح والتأمل، إلى «محراب الشوق»، حيث يتعبّد الوجدان في محراب القصيدة، وصولًا إلى كتابيكِ في أدب الرحلة: «سبعة أيام في الجنة: مصر كما رأيتها»، ورحلتكِ بين القاهرة والإسكندرية، حيث لا تكتفين برسم ملامح الأمكنة، بل تستنطقين أرواحها، وتحوّلين تفاصيلها إلى لوحاتٍ تنبض بالذاكرة والعاطفة والانتماء.
أما كتابكِ «يا بني… إضاءات على الطريق»، فهو نافذةٌ أخرى على عمق تجربتكِ؛ فيه تتعانق حكمة المعلّمة مع حنان الأم، وتتحوّل الخبرة إلى مصابيح تهدي العابرين في دروب الحياة، وتغدو المقالات رسائل إنسانية تتجاوز حدود الورق لتستقرّ في الوجدان. إنكِ لا تكتبين الكلمات فحسب، بل تزرعين في ثناياها خلاصة عمرٍ من التجربة، وتمنحين النصيحة روحًا تجعلها أقرب إلى ومضةٍ تضيء العقول منها إلى موعظةٍ تعبر الآذان.
ويتجلّى تفرّدكِ كذلك في قراءتكِ النقدية والتحليلية لكتاب الدكتور ناصر رمضان عبد الحميد «قالت لي أمي»؛ فقد منحتِ الكتاب قراءةً ذات نكهةٍ خاصة، وإيقاعًا مختلفًا، ورؤيةً تجاوزت حدود التحليل التقليدي إلى استنطاق ما وراء الكلمات، والكشف عن الجذور الإنسانية والتربوية التي صنعت هذه التجربة. لم تقفي عند ظاهر النصوص، بل نفذتِ إلى أعماقها، حتى خلصتِ إلى تلك الدلالة العميقة التي تكشف أن وراء هذا المارد الأدبي والثقافي أمًّا مبدعةً، ربّت وغرست وأضاءت الطريق، حتى غدا غرسها شجرةً وارفةً في فضاء الثقافة. وهنا تجلّى تميّزكِ؛ فلم يكن تحليلكِ مجرّد قراءةٍ لكتاب، بل قراءةً في الإنسان الذي أنجبته التجربة، وفي الأم التي زرعت البذرة حتى أثمرت حضورًا استثنائيًّا. وهذا ما يميّز قلمكِ: أنكِ لا تكتفين بقراءة النص، بل تستخرجين من أعماقه حكايةً أخرى، وتفتحين أمام القارئ نافذةً لم يكن ليراها لولا خصوصية رؤيتكِ وعمق تأملكِ.
لكنّ اللافت دكتورة زبيدة، ليس تنوّع إنتاجكِ وحده، بل ذلك الحضور الذي أخذ يتّسع حتى باتت بعض أعمالكِ وأساليبكِ محطّ اهتمام أقلامٍ تحاول السير في المسارات التي شققتِها. لقد قرأتُ مقالاتٍ شعرتُ بأنها تحاول محاكاة أسلوبكِ في «يا بني»، ولمستُ محاولاتٍ للاقتراب من خصوصية «قال لي»، كما رأيتُ تشابهًا في بعض المعالجات التي تتناول أدب الرحلة. وهذا ما يجعلني أتوقّف عند حقيقة أدبية تستحقّ التأمل: حين يصبح الإبداع مصدرًا للمحاكاة، فإن ذلك يكشف عن حضور صاحبه، لكنه لا يمنح المحاكاة روح الأصل ولا مكانته.
فثمّة فرقٌ شاسع بين أن تبتكري الفكرة وأن تكرّريها، بين أن تشعلي شمعةً من روحكِ وأن تستعيري ضوء شمعةٍ أخرى، بين أن تكوني النبع وأن تكتفي برسم صورة الماء على جدار.
إنّ التقليد، مهما أتقن صاحبه رسم الملامح، يظلّ محكومًا بحدود التجربة التي يستعير منها؛ فقد يلتقط العبارة، ويحاكي البناء، ويقترب من الموضوع، لكنه يعجز عن استنساخ ذلك المزيج الخفيّ الذي يمنح النصّ هويته: حرارة التجربة، وصدق الشعور، وخصوصية الرؤية، ودهشة الاكتشاف. فالكلمات قد تتشابه، لكنّ الأرواح لا تتطابق، والقوالب قد تتكرر، لكنّ النبض الذي يسكنها لا ينتقل بالمحاكاة.
الأصل يحمل عبق التجربة، أما التقليد فيحمل ملامحها؛ والأصل يخلق الدهشة، أما التقليد فيستعيد دهشةً حدثت من قبل. وبينهما مسافةٌ لا تقيسها الكلمات، بل يكشفها الذوق، وتفضحها المقارنة، ويحسمها الزمن.
وما أكثر الأشياء التي تبدو للعين شبيهةً بأصولها، لكنها تفتقر إلى سرّها! فليست الوردة المصنوعة من الحرير كزهرةٍ شقّت التراب، وشربت من المطر، وانتظرت الشمس حتى تفتّحت؛ الأولى تحتفظ بشكل البتلات، والثانية تحمل في عطرها حكاية الحياة. وكذلك الكتابة؛ قد تُحاكى هيئة النصّ، لكنّ التجربة التي أنجبته لا تُستنسخ، وقد يُقلَّد الأسلوب، لكنّ البصمة التي صاغتها سنوات القراءة والتأمل والمعاناة تظلّ ملكًا لصاحبها.
فالابتكار ليس زينةً تُعلّق على جدار النصّ، بل هو قدرة الكاتب على أن يرى ما لا يراه الآخرون، وأن يفتح في اللغة بابًا لم يُفتح، وأن يمنح الفكرة ثوبًا من روحه لا من خزانة سواه. أمّا التقليد، حين يقف عند حدود المحاكاة، فيبقى ظلًّا يتبع صاحبه؛ والظلّ، مهما طال، لا يصبح شمسًا، والصدى، مهما ارتفع، لا يتحوّل إلى صوتٍ أصيل.
ولذلك أقول لكِ دكتورة زبيدة، إنّ نجاحكِ لا يُقاس بعدد من يحاولون الاقتراب من تجربتكِ، بل بقدرتكِ على مواصلة الابتكار وتجاوز ما أنجزتِه أنتِ ذاتكِ. لا تجعلي التشابه يشغلكِ عن التفرّد، ولا المحاكاة تصرفكِ عن التجديد؛ فالأرض التي تعرف جذورها لا تخشى الرياح، والشجرة الواثقة من عمقها لا ترتبك حين ترى أشجارًا تحاول الاقتراب من ظلالها.
واصلي الكتابة بروحكِ، وامضي في دربكِ الذي رسمتِ ملامحه بتجاربكِ المتنوعة؛ فلكلّ كتابٍ أصيل مذاقه، ولكلّ قلمٍ مبدع نبرته، ولكلّ تجربةٍ صادقة عطرها الذي لا يُستعار. قد تتشابه العناوين، وتتقارب الموضوعات، وقد يحاول البعض إعادة إنتاج ما لفت الأنظار، لكنّ القارئ المتمرّس يستطيع أن يميّز بين نصٍّ وُلد من رحم التجربة ونصٍّ اكتفى باستعارة ملامحها.
دكتورة زبيدة، أنتِ لا تحتاجين إلى أن تكوني شبيهةً بأحد، لأنّ قيمتكِ تكمن في أن تكوني أنتِ. فالأدب الحقيقي لا يعيش على أصداء الآخرين، بل يصنع صداه الخاص؛ والمبدع الأصيل لا يكتفي بأن يترك أثرًا يسير الناس خلفه، بل يواصل شقّ الطريق آفاقٍ لم يبلغها بعد.
لكِ مني كلّ التقدير والإعجاب، مع أمنيةٍ صادقة بأن تظلّ تجربتكِ في صعود، وأن تتجدّد ينابيعكِ مع كلّ كتاب، وأن يبقى قلمكِ شاهدًا على أنّ التقليد قد يستعير ملامح الإبداع، لكنه لا يمتلك سرّه؛ وقد يشبه الأصل في ظاهره، لكنه لا يبلغ قيمته، لأنّ ما يُصنع بالمحاكاة يظلّ صورةً، وما يُخلق بالابتكار يصبح أثرًا وحقيقةً وذاكرةً لا تُمحى.
تحياتي وتقديري
ملك الأديب












