
يا بني /د.زبيدة الفول
5
5
5
5
5
يا بُنَيَّ… لا تَبِعْ روحَكَ في سوقِ النُّسَخ!
و لا تَكُنْ صَدًى، كُنْ صَوْتًا
يا بُنَيَّ…
إيّاك أن تكون ظلًّا يستجدي الشمس، أو صدىً يتسوّل صوتًا، أو قناعًا يبتلع وجهك حتى لا تعود تعرف ملامحك! إيّاك أن تهب روحك لمرآة الآخرين، فتخرج من ذاتك غريبًا، وتعود إليها بلا اسمٍ ولا ملامح!
أريدك أن تكون أنت؛ لا نسخةً باهتةً من أحد، ولا طيفًا يتسوّل الاعتراف في مواكب المتشابهين. فالحياة ليست مطبعةً لإنتاج الوجوه المكرّرة، والإبداع ليس ثوبًا نخلعه عن صاحبه لنرتديه مدّعين أنّه خيطٌ من أحلامنا.
التقليد الأعمى يا بني، مقبرةٌ تُدفن فيها الشخصية وهي ما تزال تتنفّس، وسمٌّ بطيءٌ يسري في شرايين الإرادة حتى يحوّل الإنسان إلى دميةٍ تحرّكها أصابع الآخرين! يبدأ باستعارة كلمة، ثم يستعير فكرة، ثم يسطو على أسلوب، حتى لا يبقى في داخله سوى غرفةٍ فارغةٍ تتردّد فيها أصوات الغرباء.
وما أقبح أن يسرق المرء من الآخرين ملامحهم، ثم يسرق من نفسه حقّ الاختلاف! وما أشدّ إفلاسه حين يلمّع قنديل غيره، ويترك مصباحه غارقًا في العتمة، وحين يزرع في بستانه أزهار الآخرين، ثم يكتشف أنّ جذوره لم تعد تعرف أرضها!
يا بني…
لا تجعل إعجابك بأحدٍ مقصلةً لشخصيتك، ولا تحوّل محبّتك للمبدعين إلى حبلٍ تخنق به موهبتك. تعلّم منهم، لكن لا تستنسخ أرواحهم؛ خذ من ينابيعهم ما يروي فكرك، ولا تسكب ماءك في قوالبهم حتى تفقد مذاقك.
فثمّة فرقٌ شاسعٌ بين من يتّخذ العظماء جسورًا ليعبر نحو آفاقه، ومن يتّخذهم أقفاصًا يحبس فيها أحلامه. الأوّل يضيف إلى العالم نافذةً جديدة، والثاني يعلّق على جدرانه صورًا لا تخصّه، ثم يتباهى بأنّه يسكن قصرًا!
التقليد الأعمى إفلاسٌ يتنكّر في ثياب الإعجاب، وعجزٌ يضع على وجهه قناع التواضع، وخوفٌ من مواجهة الذات يتزيّا بملابس الانتماء. إنّه هروبٌ من مشقّة الخلق إلى سهولة النسخ، ومن شرف المحاولة إلى مذلّة الاستنساخ؛ لأنّ بناء هويةٍ يحتاج إلى عقلٍ شجاع، أمّا استعارة هويةٍ جاهزة فلا تحتاج إلا إلى عينٍ تراقب وإرادةٍ تستسلم.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36].
فلا تتبع طريقًا لأنّ الحشود تسير فيه، ولا تتبنَّ فكرةً لأنّ الأصوات تصفّق لها، ولا تجعل كثرة المصفّقين ميزانًا للحقيقة؛ فكم من قافلةٍ أضاعها دليلٌ أعمى، وكم من صوتٍ خافتٍ حمل نورًا عجزت عن حمله جوقات الضجيج.
وتأمّل قول دُرَيْد بن الصِّمَّة:
«وما أنا إلا من غَزِيَّةَ إن غَوَتْ
غَوَيْتُ، وإن تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ»
إنّه تصويرٌ موجعٌ لإنسانٍ سلّم ضميره للجماعة، فأصبح عقله تابعًا لخطئها وصوابه تابعًا لصوابها. وما أتعس من يعلّق بوصلته في عنق الحشد، ثم يظنّ أنّه يملك قرار الوصول!
يا بني…
كن كالشجرة التي تضرب جذورها في الأرض، وترفع أغصانها نحو السماء، ولا تستعير ثمارها من شجرةٍ مجاورة. خذ من التراث جذوره، ومن المعرفة ماءها، ومن التجارب حكمتها، ثم دع روحك تُنضج ثمرتها الخاصة.
لا تظنّ أنّ الأصالة تعني أن ترفض كلّ ما سبقك، ولا أنّ التفرد يقتضي أن تخالف الجميع؛ فليس كلّ اختلاف إبداعًا، كما أنّ ليس كلّ تشابهٍ تقليدًا مذمومًا. إنّما العار أن تتنازل عن عقلك، وأن تستبدل بقناعتك صدى الآخرين، وأن تبيع بصمتك مقابل تصفيقةٍ عابرة.
وإيّاك أن تقيس قيمتك بمقدار الشبه الذي يجمعك بغيرك؛ فالذهب لا يستمدّ أصالته من تشبّهه بالنحاس، والنجمة لا تحتاج إلى استعارة ضوء جارتها لتعلن حضورها. لكلّ روحٍ نافذتها، ولكلّ عقلٍ أفقه، ولكلّ موهبةٍ نكهةٌ إذا ذابت في نكهات الآخرين ضاعت هويتها.
أخطر ما يفعله التقليد أنّه لا يسرق منك ملامحك دفعةً واحدة؛ بل يسرقها قطرةً قطرة، حتى تستيقظ يومًا في مرآةٍ لا تعرف صاحبها!
فلا تكن ظلًّا في حياة أحد، ولا قناعًا في مسرح أحد، ولا حاشيةً في كتابٍ لم تكتب متنه. كن صاحب الفكرة، لا سارقها؛ صاحب النبرة، لا مستعيرها؛ صاحب الموقف، لا بوقًا يردّد ما يُملى عليه.
وإذا تعلّمت من عظيمٍ، فاجعل تعلّمك وفاءً لما أضاءه فيك، لا خيانةً لما أودعه الله في روحك من خصوصية. وإذا اقتديت بنبيلٍ، فاقتدِ بأخلاقه وفضائله، لا بقشور مظهره؛ فجوهر القدوة أن ترتقي، لا أن تتلاشى.
يا بني…
أريدك أن تترك في العالم أثرًا لا نسخة، وبصمةً لا قناعًا، ونورًا لا انعكاسًا. لا تسعَ إلى أن تكون شبيهًا بعظيمٍ حتى تنسى أن لك طريقًا ينتظر خطاك، وحلمًا ينتظر يديك، وصوتًا ينتظر شجاعتك.
فالعمر أقصر من أن تنفقه في ارتداء وجوه الآخرين، والروح أكرم من أن تسكنها هويةٌ مستعارة، والإبداع أنبل من أن يتحوّل إلى جنازةٍ تمشي خلف صاحبها.
كن أنت يا بني… فإنّ الصدى يموت حين يصمت الصوت، والظلّ يختفي حين تغيب الشمس، أمّا الأثر الأصيل فيبقى شاهدًا على صاحبه، حتى بعد أن تطوي الحياة آخر صفحات الحضور.
لا تكن نسخةً تتقن التشبّه، بل إنسانًا يتقن الخلق؛ فليس المجد أن يرى الناس فيك صورةً من غيرك، بل أن يروا فيك ما لم تستطع أن تكونه أيّ نسخةٍ أخرى.
الدكتورة زبيدة الفول
سلسلة يا بنيّ












