
في حضرة الزيف يحاكم الصادقون
7
7
7
7
7
في حضرة الزيف، يُحاكَم الصادقون
بقلم: جميلة محمد بندر
في مجتمعاتنا، قد يخسر الإنسان مكانته لأنّه قال الحقيقة، بينما ينجح غيره في كسب القلوب لأنّه أتقن التظاهر بما لا يشعر به. مشهدٌ يتكرّر كلّ يوم؛ وجوهٌ تتحدّث عن الأخلاق، وألسنةٌ تُجيد المديح، ومواقف تكشف عند أول اختبار أنّ المسافة بين الكلام والحقيقة أبعد ممّا نظن.
كم من شخصٍ يرفع شعارات الوفاء، ثم يتخلّى عن أقرب الناس إليه حين يصبح وجودهم عبئًا على مصالحه! وكم من إنسانٍ يتحدّث عن العدل، ثم يصمت أمام الظلم لأنّ صاحبه يملك نفوذًا أو مكانة! كأنّ المبادئ في بعض المجالس تُفصّل على مقاس الأشخاص، وكأنّ الخطأ يتغيّر اسمه بحسب هوية من يرتكبه.
المؤلم أنّ الصادق كثيرًا ما يجد نفسه مضطرًّا إلى الدفاع عن نيّته، فيما لا يُطالب المنافق بتفسير تناقضه. إن واجهك بالحقيقة، اتُّهم بالقسوة، وإن رفض مجاملة الباطل، وُصف بصعوبة الطبع، وإن وضع حدًّا لمن يتجاوز عليه، صار هو المخطئ في روايةٍ يتقن الآخرون صياغتها. أمّا من يُجيد تبديل مواقفه، فيعرف كيف يخرج من كلّ خلافٍ محتفظًا بصورته، ولو ترك خلفه قلوبًا مكسورة وحقوقًا مهدورة.
ولعلّ أخطر ما أصاب علاقاتنا أنّنا أصبحنا نهتمّ كثيرًا بما يقوله الناس عنّا، وقليلًا بما نفعله بهم. نحرص على أن نبدو طيّبين أكثر من حرصنا على أن نكون كذلك، ونخشى انكشاف عيوبنا أكثر من خشيتنا من ارتكابها. حتى صارت بعض المظاهر الدينية والاجتماعية والأخلاقية قادرةً على منح أصحابها حصانةً وهمية، وكأنّ حسن الصورة يُسقط مسؤولية السلوك.
وهنا يبرز سؤالٌ يستحقّ أن نواجه أنفسنا به: كيف نستنكر النفاق، ثم نمنح المنافقين مكانةً لمجرّد أنّهم يُجيدون إرضاءنا؟ وكيف نطالب بالصدق، ثم نعاقب من يقوله حين لا يوافق أهواءنا؟ إنّ المجتمع الذي يُقصي صاحب الموقف، ويحتفي بصاحب المصلحة، يفتح أبوابه للزيف، ثم يتظاهر بالدهشة حين يصبح الزيف جزءًا من حياته اليومية.
وللإنصاف، لا تعني الصراحة أن نجرح، ولا تعني النزاهة أن ندّعي الكمال. كلّ إنسانٍ يخطئ، لكنّ الفرق كبير بين من يعترف بخطئه ويسعى إلى إصلاحه، ومن يحوّل أخطاءه إلى رواياتٍ تُدين الآخرين. فالأخلاق الحقيقية تظهر حين لا يكون هناك جمهور، وحين يصبح قول الحقّ مكلفًا، وحين نستطيع أن نخذل مصالحنا الصغيرة كيلا نظلم إنسانًا آخر.
إنّ مواجهة النفاق تبدأ منّا؛ من رفض المشاركة في تشويه الغائبين، ومن إنصاف من نختلف معهم، ومن عدم منح المكانة لمن يفتقر إلى الموقف، ومن إدراك أنّ كثرة المحبّين لا تعني بالضرورة صدقهم، كما أنّ قلّة المصفّقين لا تجعل الإنسان مخطئًا.
في حضرة الزيف، يُحاكَم الصادقون لأنّ الحقيقة تُربك من اعتادوا العيش خلف الأقنعة. لكنّ السؤال الأشدّ إيلامًا ليس لماذا ينافق البعض، بل لماذا أصبح الصدق في نظر كثيرين مشكلةً ينبغي التخلّص منها، بدلًا من أن يكون قيمةً تستحقّ الحماية.
فالأقنعة قد تمنح أصحابها قبولًا مؤقتًا، وقد تنقذهم من مواجهةٍ لا يريدونها، لكنّها لا تصنع إنسانًا جديرًا بالثقة. وما يحتاج إليه مجتمعنا اليوم هو شجاعةٌ أخلاقية تعيد للكلمة وزنها، وللموقف قيمته، وللإنسان حقّه في أن يُحاكَم بما يفعل، لا بما يملك أو بما يُتقن إظهاره.
فحين نكفّ عن مكافأة الزيف، ونمنح الصدق مكانته حتى عندما يُزعجنا، نكون قد بدأنا فعلًا في تغيير هذا الواقع.
لأنّ المأساة ليست أن يرتدي الناس الأقنعة، بل أن نعرف ما تخفيه، ثم نواصل التصفيق لها.












