الإنسانية المفقودة حين نصير غرباء في وطنٍ واحد
في زمن السِّلم، نتبادل الخبز والملح، نطرق باب الجار إن غاب، ونسأل عن ولدٍ إن تأخّر. نعرف، بيقينٍ فطريّ، أنّ بيننا خيطًا رفيعًا اسمه «الإنسانية»، يشدّنا إلى بعضنا، حتى وإن اختلفنا. اختلافنا كان يومًا ثراءً، لا سببًا للقطيعة، وكان الجار ظلًّا للجار، لا خصمًا متربصًا به.
ثم تأتي الحرب.
لكن الحرب لا تبدأ حين تسقط القذيفة الأولى؛ بل تبدأ قبل ذلك بكثير، في تلك اللحظة الخفيّة التي نقرّر فيها أن وجع الآخر لا يعنينا، وأن دمه بلونٍ آخر، وأن موته خبرٌ عابر، لا فاجعة. تبدأ حين ننزع عن الآخر صفته الإنسانية، فنراه رقمًا، أو موقفًا، أو عدوًا مجرّدًا من الملامح.
الإنسانية المفقودة ليست غياب الشفقة فحسب، بل هي تحوّلٌ منهجيّ في الرؤية: من «هو مثلي» إلى «هو ضدي»، من «بيتٍ هُدم» إلى «مكسبٍ استراتيجي». إنها لحظة انكسار في الضمير، حين يتقدّم التبرير على الإحساس، ويعلو الصوت البارد فوق نبض القلب.
الحرب تُخدّر القلب قبل أن تقتل الجسد، وتعلّمنا مفرداتٍ لم نكن نألفها: التبرير، الشماتة، والتلذذ بالأرقام. يصير الموت إحصائية، والتهجير خريطة، والقصف «ردًّا مشروعًا». نعتاد الأخبار كما نعتاد الطقس، ونفقد تدريجيًا قدرتنا على الفزع، حتى من أبشع الصور.
أن تفقد إنسانيتك في الحرب، يعني أنك خسرت الحرب، حتى لو انتصرت. فبعد المدافع بيوت، وبعد البيوت جيران، فكيف ستنظر في عين جارك الذي شمِتَّ بموته؟ وكيف ستطلب منه الملح بعد أن باركت جوعه؟ وكيف سنبني سقفًا واحدًا، ونحن قد هدمنا الجدار الأهم: الجدار الذي يجعلنا نرى الآخر إنسانًا قبل كل شيء؟
الحرب ستنتهي، فهذا قانون التاريخ؛ ستُعمَّر المدن، وتُعبَّد الشوارع من جديد، وتُرمَّم الواجهات، لكن ماذا عن الشروخ التي سكنت القلوب؟ من سيردم الهوّة التي حفرناها بأيدينا؟ ومن سيقنع الأجيال القادمة أننا كنّا يومًا شعبًا واحدًا، لا قبائل متناحرة تتقاسم الخراب؟
إن أخطر ما تخلّفه الحروب ليس الركام، بل هذا التآكل البطيء في الضمير الجمعي، هذا الاعتياد على القسوة، وهذا الصمت الذي يلي كل جريمة كأنه قبولٌ ضمنيّ بها.
استردّوا إنسانيتكم الآن، لا تنتظروا هدنةً ولا اتفاقًا؛ فالضمير الذي يموت في الحرب نادرًا ما يُبعث في السِّلم، وإن بُعث، جاء مشوَّهًا، مثقلاً بالندوب. أعيدوا للإنسان وجهه، قبل أن تفقدوا القدرة على التعرّف إليه… وقبل أن تصبحوا غرباء، لا في أوطانكم فحسب، بل في أنفسكم أيضًا.













