أزمة الوعي ومسؤوليّة الإنسان في كتاب “الساعات الأخيرة للجنس البشري” للشاعر ناصر رمضان
بقلم د. جيهان الفغالي
لعلّ الوعي كما يفسّره علم النفس الوظيفي، هو تيّار مستمرّ لا ثابت، وظيفته مساعدة الإنسان على التكيّف مع بيئته وفهم واقعه. لكنّ المفارقة التي يطرحها الشاعر ناصر رمضان في كتابه “الساعات الأخيرة للجنس البشري” تكمن في إمكانيّة تحوّل هذا الوعي إلى أزمة بذاتها.
فكيف يصبح الوعيُ أزمةً؟ وما هي الأزمات التي، بحسب الشاعر رمضان، ستودي بوجود الإنسان، وستكون سببًا مباشرًا في فنائه؟
بالتالي، ما مدى قدرة الإنسان على تحمّل مسؤوليّة هلاكه؟
يسلّم الأستاذ رمضان أنّ هناك عدّة عوامل تضافرت فيما بينها لتضاعف من احتماليّة فناء الإنسان، وهذه العوامل مترابطة: تفكك الأسرة أوّلها، فالمثليّة الجنسيّة ، وصولًا إلى هيمنة الذكاء الاصطناعي والحروب الراهنة.
من هنا يبرز السؤال: إلى أي مدى يتحمّل الإنسان مسؤوليّة هلاكه؟
يتحدّث الفيلسوف الألماني هانس يوناس عن مسؤولية الإنسان تجاه مصير الحياة والأرض والأجيال القادمة. ففي كتابه “مبدأ المسؤوليّة/ أخلاق من أجل الحضارة التكنولوجيّة”، ذكر يوناس كيف تشكّل التكنولوجيا تهديدًا كارثيًّا للإنسان وبيئته.
وإذا ما تتبّعنا آراء الجبريّة، لألغينا كلّ مسؤوليّة عن الإنسان، فهو مجبور بكلّ ما يقوم به، وليس مسؤولًا عن أيّ سلوك.
من هنا، تتحوّل كلّ صراعاته وأزماته إلى قدر محتّم لا قدرة له على تغييره.
بيد أنّ هذا الاتّجاه ينفي فكرة الوعي تمامًا؛ فما قيمة وعي الإنسان إن كانت أفعاله قدرًا، وإن كان عاجزًا عن تغيير مساره؟
الإنسان إذًا مسؤول فعلًا عن خياراته وسلوكه. وهذا التصوّر يتّضح لنا بشكل جليّ في طرح الكاتب ناصر رمضان في كتابه “الساعات الأخيرة للجنس البشري”؛ فالأزمات التي ذكرها، من تفكّك الأسرة، وتحوّلات في البنية الاجتماعية، وهيمنة التكنولوجيا، وتسارع الحروب، والتدهور البيئي، وغيرها، هي نتائج مباشرة لاختيارات الإنسان الواعية.
لا يكمن الخطر في هذه العوامل بذاتها، بل في عدم قدرة الإنسان على تحمّل تبعاتها، وقلّة وعيه لنتائجها.
فالمشكلة، جوهرها المسؤوليّة، أكثر ممّا هي واقع.
من هنا تتجلّى أزمة الوعي: إنسان غير مسؤول، مدرك خطورة المسار، لكنّه يواصل السير فيه.
وعليه، فإنّ حديث الشاعر رمضان عن “الساعات الأخيرة” هو قراءة لمسارٍ صنعه الإنسان بوعيٍ، ويعجز عن ضبطه.
يبقى دورُ الإنسان أن يمسك الشراع بأيدٍ ثابتة، ويمخر عباب الإنسانيّة بوعيٍ ومسؤوليّة.
نردّد مع فيكتور فرانكل: “عندما لا نعود قادرين على تغيير الموقف، نُصبح مُطالبين بتغيير أنفسنا.”













