حين تكلّم الحجر: زيارة إلى الأهرامات
من كتابي ” سبعة أيام في الجنة”
لم أزر الأهرامات كسيّاحةٍ تمرّ على المعالم، بل دخلتُها كمن يدخل معبد الزمن، حافيةَ الروح، متخفّفةً من ضجيج العصر. هناك، حيث تقف الحجارة في صفوف الهيبة، شعرتُ أنّ الصحراء ليست فراغًا، بل كتابًا مفتوحًا كتبتْه الشمس بحبر الضوء، ووقّعه التاريخ بختم الخلود.
اقتربتُ من الهرم الأكبر، فسمعتُه قبل أن أنطق. قال لي بصوتٍ يشبه صرير القرون: نحن أبناء الصبر، شُيّدنا من عرق الأيدي وإيمان القلوب. لم نُبنَ لنكون قبورًا فقط، بل سلالمَ صاعدةً نحو فكرة الخلود. كان صوته ينساب في صدري كنهرٍ حجري، يوقظ في داخلي ذاكرة الإنسان الأولى، حين كان الحلم أكبر من الجسد، والطموح أطول من العمر.
سألتُه عن سرّ بقائه، عن هذه المناعة العجيبة ضدّ التلاشي، فابتسمت زواياه وقال: نحن لا نقاوم الزمن بالحجر وحده، بل بالمعنى. من يسكن المعنى لا يهرم. عندها أدركتُ أن الأهرامات ليست هندسة فحسب، بل فلسفة قائمة على توازن بين الأرض والسماء، بين الثقل والسمو، بين الجسد والفكرة.
تقدّمتُ نحو هرم خفرع، فبدت لي قامته كملكٍ ما زال يجلس على عرش الأفق. همس لي: العظمة ليست في الارتفاع، بل في القدرة على أن تكون مرآةً لعصرٍ كامل. فهمتُ أن كل حجر هنا هو شاهد عدل، وكل زاوية أرشيف للزمن، وكل ظلّ صلاة صامتة تتلوها الشمس كل مساء.
أما هرم منكاورع، فخاطبني بلطفٍ يشبه حكمة الشيخ الوقور: الصغر لا ينفي المجد، فالبذرة أصغر من الغابة، ومع ذلك تحمل سرّها. حينها شعرتُ أنّ المكان يعيد ترتيب مقاييس الأشياء في داخلي، يكسّر أوهام الكِبَر، ويزرع بدلاً منها هندسة التواضع العميق.
وقفتُ بين الأهرامات كمن يقف في منتصف بوصلة الوجود. الشمال والجنوب، الماضي والمستقبل، الصمت والضجيج… كلّها تلاقت في نقطة واحدة: قلبي. أدركتُ أنني لم أكن أزور أثرًا، بل كنتُ أزور نفسي القديمة، تلك التي تبحث عن معنى البقاء في عالمٍ سريع الذوبان.
حين هممتُ بالرحيل، شعرتُ أن الأهرامات وضعت في كفّي وديعة غير مرئية: بذرة دهشة، ووصيّة صمت، وشعلة أسئلة لا تنطفئ. تركتُ المكان، لكن المكان لم يتركني. صار يسكنني كنجمةٍ حجرية، كلما أظلمت أيامي أشعلت في داخلي قنديل الخلود.
وهكذا عدتُ من زيارتي لا أحمل صورًا فقط، بل أحمل أثرًا: أثرَ حضارةٍ علّمتني أن الإنسان، حين يصادق الزمن بدل أن يخافه، يستطيع أن يصنع من الحجر ذاكرة، ومن الذاكرة وطنًا أبدي.
د. زبيدة الفول













