” فايادوليد ”
حين يهمس اسم الوليد في ذاكرة الأندلس ..
بقلم / دعاء هزاع الجابري – اليمن
هناك حيث خرائط الأرض التي ترسم بها المدن جغرافيا ، توجد مدن تنبض بالحياة ككائنات حية تحمل في ذاكرتها أصوات الذين مروا بها ، وتحتفظ في حجارتها بآثار الأقدام التي عبرت شوارعها قبل قرون طويلة ، ومن بين تلك المدن هي مدينة ” فايادوليد ” الإسبانية التي ما زالت تثير فضول الذاكرة العربية ، فتقف هذه المدينة المتصل أسمها بذكرى ” الوليد بن عبد الملك ” الخليفة الاموي الذي فتح اجزاء واسعة من شبة الجزيرة الإيبيرية ” الاندلس ” ، شامخة عبر الزمن لارتباط حاضرها بتراث الأندلس العريق
فحين نتأمل ” فايادوليد ” لا نرى مدينة أوروبية فحسب بل صفحة من كتاب طويل كتبه التاريخ فوق أرض ” إسبانيا ” ، صفحة تعاقبت عليها الحضارات وتبادلت فيها الشعوب أدوار البناء والرحيل حتى أصبحت المدينة أشبه بمرآة تعكس وجوها كثيرة للإنسان والحضارة ، ففي زمن الأندلس لم تكن المدن تُقاس بحجم أسوارها فقط ، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة والجمال ، وكانت الروح العربية الإسلامية حينها تنظر إلى العمران بوصفه امتدادا للثقافة وإلى المدينة بوصفها فضاء للحياة لا مجرد تجمع من المباني ، لذلك بقي أثر تلك الرؤية حاضرا في مدن كثيرة من إسبانيا ، حتى وإن تغيرت أسماؤها أو تبدلت هوياتها السياسية ، فالطالما كانت الأندلس مشروعا حضاريا أكثر من كونها مرحلة زمنية ، ولهذا لم تترك وراءها القصور والمساجد والحدائق فحسب بل تركت طريقة خاصة في النظر إلى الجمال ، طريقة تجعل الماء جزءا من العمارة والضوء جزءا من الفلسفة والحديقة جزءا من الروح
وفي فايادوليد كما في مدن إسبانية عديدة ، يمكن للمتأمل أن يلمح آثار ذلك الإرث في تفاصيل العمران وفي احترام الفضاءات العامة وفي العلاقة العميقة بين الإنسان وذاكرة المكان ، فالحضارات العظيمة لا تختفي دفعة واحدة بل تبقى كامنة في التفاصيل الصغيرة التي تتوارثها الأجيال دون أن تشعر ، لذلك تبدو فايادوليد اليوم مدينة حديثة تنبض بالحياة والثقافة والفنون ، حيث شوارعها المنظمة ، وساحاتها التي تعج بالحركة ، ومبانيها التي تحكي مراحل متعددة من التاريخ الإسباني ، نعم لقد تغيرت اللغة التي تُسمع في أزقتها وتغيرت الوجوه التي تعبر طرقاتها وتغيرت الرايات التي رفرفت فوق أبراجها ، لكن الزمن لم يستطع أن يمحو تماما آثار القرون التي شكلت هويتها ، فبعض الأمكنة تحتفظ بروحها مهما تغيرت ملامحها
فالروح الأندلسية ليست قوسا حجريا أو نقشا قديما فقط ، بل حالة حضارية كاملة ، هي ذلك التعايش بين الثقافات ، وذلك الشغف بالعلم ، وذلك الولع بالجمال الذي جعل من الأندلس واحدة من أكثر التجارب الإنسانية إشراقا في التاريخ ، وما زالت أصداء تلك الروح تتردد الى يومنا هذا في مدن إسبانيا عدة كهمس بعيد لا يسمعه إلا من ينصت جيدا إلى لغة المكان ، ومن بينها ” فايادوليد ” المدينة التي يزورها العربي فيشعر بشيء يصعب تفسيره ، شعور يشبه لقاء عابرا مع ذكرى قديمة لم يعشها بنفسه لكنها تسكن وجدانه ، وكأن الأرض ما زالت تحفظ شيئا من وقع الخطوات التي مرت بها قبل قرون ، والريح التي تعبر شوارعها لازالت تحمل معها بقايا حكايات لم يكتمل سردها
وهنا يكمن سر المدن التي مرت بها الحضارات الكبرى ، أنها لا تنتمي إلى زمن واحد ، فهي تعيش في الحاضر لكنها تحمل الماضي في أعماقها ، وتترك للمستقبل فرصة اكتشافه من جديد ، لتبقى ” فايادوليد ” من ذلك مدينة تتجاوز حدود الجغرافيا ، تحمل في اسمها حكاية وفي تاريخها جدلا وفي روحها ظلال حضارة ما زالت حاضرة رغم كل ما مر عليها من تحولات ، فالحجارة قد تتبدل واللغات قد تتغير ، لكن الأرواح العريقة تعرف دائما كيف تبقى وكيف تواصل حديثها مع الزمن جيلا بعد جيل .













