من العتمة إلى اليقين: قراءة في قصيدة “كنتُ أنا شمسَ أحلامي” للشاعرة غادة الحسيني
بقلم / ليلى بيز المشغرية
تنهض هذه القصيدة على ثنائيةٍ إنسانية عميقة تتمثل في الصراع بين الخوف والرجاء، وبين العتمة والنور، حيث تبدأ الشاعرة من منطقة القلق الوجودي والخشية من الفقد والانطفاء، ثم تتدرج نحو فضاء أكثر إشراقًا وثقة بالنفس والحياة.
تفتتح النص بصورٍ موحية تجسد حالة الخوف من غياب الشمس بوصفها رمزًا للأمل والطمأنينة والحضور المعنوي، فتغدو الأحلام مهددة بالعتمة، والأمنيات “ظلالًا بلا ملامح”، وهي صورة شعرية جميلة تعكس فقدان اليقين وضياع الرؤية. كما أن قولها: “وأصبح غريبةً في وطنٍ من سراب” يضفي بعدًا نفسيًا مؤثرًا، إذ يتحول المكان إلى حالة شعورية من الاغتراب والوهم.
وتتجلى براعة الشاعرة في توظيف الرموز الكونية؛ فالشمس ليست جرمًا سماويًا فحسب، بل رمز للأمل، بينما تمثل العتمة لحظة الاختبار الداخلي. غير أن النص لا يستسلم لهذا الإحساس، بل يشهد انعطافة فكرية وجمالية عند قولها: “لكنني تذكَّرتُ أن الشمسَ لا تغيبُ إلا لتصنعَ فجرًا أكثرَ بهاءً”، حيث تنتقل القصيدة من الانكسار إلى التماسك، ومن الخوف إلى الإيمان بدورة الحياة وتجددها.
ومن أجمل صور النص قوله: “العتمة ليست عدوًّا، بل رحمٌ تولدُ فيه النجوم”، وهي صورة مبتكرة تجمع بين التضاد والتوليد الدلالي، إذ تحوّل الظلام من رمز سلبي إلى فضاء خلاق يولد منه الضوء. وهنا تتجاوز الشاعرة النظرة التقليدية للعتمة لتمنحها بعدًا فلسفيًا وإنسانيًا.
كما يحمل المقطع: “ما غاب عنكِ لم يُخلق لكِ، وما كُتب لكِ لن يسرقه الغروب” حكمةً تأمليةً ذات نزعة إيمانية واضحة، تشكل الذروة الفكرية للنص، وتمنحه بعدًا وجدانيًا يلامس القارئ ويبعث فيه السكينة.
أما خاتمة القصيدة فتأتي قوية ومتماسكة، إذ تتحول الذات من منتظرةٍ للنور إلى صانعةٍ له: “كنتُ أنا شمسَ أحلامي”. وهنا تبلغ القصيدة رسالتها الأساسية؛ فمصدر الضوء الحقيقي ليس الخارج، بل القوة الكامنة في النفس المؤمنة بقدرتها على النهوض.
خلاصة نقدية: قصيدة غادة الحسيني نصٌّ تأمليٌّ وجدانيٌّ يعتمد على لغة شفافة وصور رمزية موحية، ويتميز بوحدة موضوعية متماسكة وانتقال تدريجي من الخوف إلى اليقين. وقد نجحت الشاعرة في تحويل تجربة القلق إلى رسالة أمل، موظفةً رموز الشمس والليل والنجوم والدعاء في بناء رؤية إنسانية تؤكد أن الإنسان قادر على أن يكون مصدر نوره حين تشتد العتمة من حوله. إنها قصيدة تبعث الطمأنينة، وتجمع بين جمال الصورة وعمق الفكرة في آنٍ واحد.
القصيدة….
خِفتُ أن تغيبَ الشمسُ،
فتسودَ العتمةُ أحلامي،
وتغدو أمنياتي ظلالًا بلا ملامح،
وأصبح غريبةً في وطنٍ من سراب.
خِفتُ أن ينطفئ آخرُ خيطٍ من ضياء،
كنتُ أغزلُ منه ثوبًا للصبر،
وأُدثِّر به قلبي
كلما اشتدَّت رياحُ الفقد.
لكنني تذكَّرتُ أن الشمسَ لا تغيبُ
إلا لتصنعَ فجرًا أكثرَ بهاءً،
وأن العتمةَ ليست عدوًّا،
بل رحمٌ تولدُ فيه النجوم.
في سوادِ الليلِ تعلَّمتْ عينايَ كيف تُبصران،
وفي صمتِ الغيابِ سمعتُ صوتَ يقيني يهمسُ لي:
“ما غاب عنكِ لم يُخلق لكِ،
وما كُتب لكِ لن يسرقه الغروب.”
سأتركُ أحلامي تُضيءُ نفسها،
كقناديلَ مُعلَّقةٍ على جفنِ الدعاء،
فإن أشرقتِ الشمسُ استقبلتُها باسمةً،
وإن طال الليلُ،
كنتُ أنا شمسَ أحلامي.













