“مِرايا الحنين ”
قراءة سيكولوجية وفلسفية في ملامح الدكتور الشاعر ناصر رمضان في قصيدة” دفء الغياب”
بقلم الدكتورة زبيدة الفول
دفء الغياب
أنا ما سألتُ النجم عنكِ
ولا طرقت الباب يوماً
كي أراك
لكن وجهكِ
كان يسطع في المساء
ويجيء طيفك
كلما ضاقت
بأحلامي السماء
ورأيتُ كَفَّكِ
في انكسارات الدعاة
تهدي إلى الضوء
حين تكسرت
فينا المرايا والنجاة
أنتِ البداية
حين نغفو دون موت
والأمنيات
إذا تبدت في سكوت
أنت الحقيقة
في فؤاد
قد تعود أن يُوارِي ما يشاء
يا أم عقلي
دونَ نُصْحِكِ
ضَجَّ مِن وَجَعِ الحياة
ضاقت علي الأرض
واشتدت
يداي على الجهات
أنا لا أُجادلُ ظَلَّ مَوتِكِ
أنني أصغي لصمتك
كلما اشتاقت
خطاي إلى الثبات
يا وجه صبح
كان يسكن
في الزوايا والملامح والصفات
كم كنتُ أخجل
أن أراك
تطوف في عيني
أحزان البلاد
وناشدات الأمنيات
من أين آتي
والحنين
يعضني
والليل
يستلقي على باب الصلاة؟
هل تسمعين الآن قلبي،
حين يقرأ
في غيابك
كل آيات الوفاء ؟
يا دفء أيامي التي
نامت على كتف الرجاء
يا صوت أمي حين يُورقُ
في الليالي بالبكاء
إني أعود إليكِ طفلًا
أرهقته يد الشتاء
فاغفري لي ما نسيت
من الوصايا والدعاء
وامنحيني من حضورك
ما يُعيد إلى ألحان المساء
كيما أعود كما نشأت
بلا شتات أو عناء
المقدمة: التحديق في وجه الغياب
في حضرة “دفء الغياب”، لا يقف الدكتور ناصر رمضان شاعراً يرثي أمّاً، بل يقف نبياً للوجد، يرتدي من الحنين عباءةً، ومن الانكسار صومعة. إننا أمام نصٍّ لا يكتبه الحبر، بل تقطره الروح حين تشهق بالذكريات؛ حيث ينساب الشاعر في ملكوت الفقد، محاولاً رتق فتق الوجود بـ “إبرة” الوفاء. لقد انزاح الشاعر عن النص التقليدي للرثاء، فلم يندب، بل استدعى “الغياب” ليكون وطناً دافئاً يسكنه حين تزمهرّ شتاءات الحياة. هنا، تتحول الأم إلى “أيقونة كونية”، ويتحول الشاعر إلى طفل أزلي، يغسل وجهه بضياء وجهها المتغلغل في مسام المساء، ليرسم لنا لوحةً سريالية، يختلط فيها سواد الليل ببياض الدعاء، وتصبح القصيدة محراباً تقام فيه صلاة الشوق الأبدي.
أولاً: ملمح الوفاء الأنطولوجي (الارتباط بالأصل)
تتجلى في شخصية الدكتور ناصر سمة “الارتباط الجذري”؛ فهو إنسان لا يؤمن بالقطيعة مع الماضي. الغياب عنده ليس “عدماً”، بل هو حضور مكثف يتجاوز الحواس. الشاعر في جوهره “كائن وفيّ”، يرفض نسيان الوصايا، ويرى في طيف الأم بوصلةً أخلاقيةً ترشده حين “تتكسر المرايا”. هو لا يستمد قوته من مركزه العلمي أو الاجتماعي، بل من انتمائه لهذا النبع الأول.
ثانياً: التوازن القلق بين العقل والعاطفة
تظهر شخصيته كنموذج لـ “المثقف الوجداني”. رغم كونه دكتوراً وشاعراً (صوت العقل والبيان)، إلا أنه يعترف بهزيمة عقله أمام وجع الحياة حين تغيب “أم عقله”. نجد في شخصيته انكساراً نبيلاً؛ فهو “يصغي للصمت”، وهي سمة تعكس عمقاً فلسفياً يدرك أن الحقيقة لا تقال بالكلمات، بل تُستشعر في الفراغات التي يتركها الراحلون.
ثالثاً: الشاعر الإنسان والهمّ القومي
لا تنحصر شخصية ناصر رمضان في “الأنا” الضيقة، بل يظهر كشخصية “عابرة للذات”. لقد امتزج حزنه الخاص بحزن البلاد، حيث رأى في عيني أمه “أحزان البلاد وناشدات الأمنيات”. هذا الانزياح من الخاص إلى العام يكشف عن شخصية مسكونة بالهمّ الجماعي، حيث الوطن والأم والقصيدة ثالوث لا ينفصم في وجدانه.
رابعاً: النزعة الروحانية والصفاء الصوفي
يتضح من المفردات المختارة (الدعاء، الصلاة، آيات الوفاء، ملكوت السكوت) أننا أمام شخصية “إيمانية الجوهر”. هو لا يواجه القدر بالاحتجاج، بل بـ “النشيج الدافئ” وطلب الصفح. الشاعر هنا يمارس طقوس “التطهير” (Catharsis) عبر القصيدة، باحثاً عن الثبات في عالم متزلزل، مما يعكس نفساً مطمئنة رغم الوجع، وقانعة رغم الفقد.
خامساً: سيكولوجية الطفل في جسد الرجل
من أعمق صفات الشاعر في هذا النص هو “الصدق مع الضعف الإنساني”. إنه لا يخشى أن يعلن للعالم أنه “طفل أرهقته يد الشتاء”. هذه السمة تعكس شجاعة نفسية نادرة، وقدرة على العودة إلى “البدايات” الفطرية، حيث تكون الأم هي الحقيقة الوحيدة المطلقة في عالم من الزيف.
الخاتمة: انبعاث الفينيق من رماد الحنين
وهكذا، نجد أن الدكتور ناصر رمضان في “دفء الغياب” لم يكتب قصيدة، بل نحت لنفسه تمثالاً من النور في عتمة الفراق. إنه الشاعر الذي استطاع أن يحول “عضة الحنين” إلى قبلة على جبين القدر، و”انكسار المرايا” إلى نافذة تطل على الضوء. تظل شخصيته في هذا النص رمزاً للإنسان الذي يقتات على الوفاء، ويتنفس الذكرى، وينشد السكينة في “صمت” الغياب. لقد ترك لنا رؤية فلسفية مفادها: أن الأمهات لا يمتن، بل يسكنّ في “زوايا الملامح” و”ألحان المساء”، وأن الشاعر الحقيقي هو من يظل طفلاً في محراب أمه، حتى لو اشتعل رأسه شيباً، وتوزعت خطاه على جهات الأرض. هي دعوة للعودة إلى الذات، والتصالح مع الوجع، في رحلة البحث عن “الشتات” المفقود تحت أقدام الرجاء.












