ياسمينة عكا في مرآة النقد: قراءة تفكيكية في لغة الشعر، وبنية الحوار السردي، وسيرة المنفى والاتصال..
بقلم / ليلى بيز المشغرية
في المشهد الثقافي العربي المعاصر، تبرز مبادرات الوفاء الأدبي كعلامات فارقة تُعيد للشعر بهاءه وللنقد رسالته النبيلة. وفي هذا السياق، يأتي كتاب “ياسمينة عكا.. سيرة الشعر والمنفى” ليُقدم نموذجاً استثنائياً في التلاحم الإبداعي والوجداني؛ إذ لم يكن هذا العمل الضخم مجرد دراسة نقدية توثيقية فحسب، بل تجسّد كـ “هدية إبداعية” مغلفة بالمحبة والتقدير، صاغها الأديب والناقد القدير الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد لتوثيق مسيرة الشاعرة الفلسطينية نهى عودة (ياسمينة عكا).
لقد أثبت الأديب ناصر رمضان من خلال هذا المُؤلَف الراقي عمق وعيه بالقضية الفلسطينية وحسه العالي في تتبع خيوط الإبداع المقاوم، مقدماً للمكتبة العربية وثيقة أدبية حية تنبض بالوفاء، وتكشف بأدوات نقديّة رصينة وأنيقة عن تضاريس الهوية واللجوء والجمال في تجربة شاعرة حملت وطنها في حقيبة منافيها. إن هذه الدراسة الشاملة هي تحية إجلال من أديب ومبدع يدرك قيمة الكلمة، إلى شاعرة جعلت من قصيدتها بندقية وغصن زيتون.
مقدمة وقراءة في عتبات الكتاب (العنوان والغلاف)
يُمثّل كتاب “ياسمينة عكا.. الشاعرة نهى عودة: سيرة الشعر والمنفى” الصادر في 400 صفحة لمؤلفه الشاعر والناقد الأديب ناصر رمضان عبد الحميد، وثيقة أدبية ونقدية رصينة تؤرخ للإبداع المقاوم. تبدأ جدلية الكتاب من عتبته الأولى؛ وهي العنوان الذي يجمع في مفارقة قاسية وجميلة بين رقة “الياسمين” وعراقة مدينة “عكا” الفلسطينية السليبة، في مواجهة مرارة “المنفى” كحالة وجودية فرضت نفسها على تفاصيل الشاعرة.
الغلاف
يقدّم الغلاف الشاعرة في مقدّمة المشهد بوصفها محور السيرة، بينما يمثل المسجد الأقصى في الخلفية كجذر روحي ووطني ثابت. حضور شجرة الزيتون يضيف بعدًا رمزيًا للصمود والارتباط بالأرض. التكوين البصري يجمع بين الذات الفردية والهوية الجماعية في صورة واحدة متماسكة. اختيار الخلفية الطبيعية يخلق إحساسًا بالامتداد والذاكرة. الألوان الهادئة تمنح الغلاف طابعًا وجدانيًا ينسجم مع فكرة المنفى والحنين. العنوان المكتوب يعزّز هذا الارتباط بين الشعر والمكان. الغلاف يعمل كخطاب بصري يختصر رحلة الشاعرة بين الوطن والاغتراب. إنه تصميم يربط السيرة بالرموز الفلسطينية الكبرى دون مبالغة. وفي النهاية، يقدّم الغلاف هوية واضحة: شعرٌ ينبت من أرضٍ لها جذور لا تُقتلع.
أولًا: القضية الفلسطينية وشعر المرأة كمحور للدراسة
يفتتح المؤلف دراسته بتأصيل دور “الإبداع المقاوم” في صياغة الوجدان الفلسطيني منذ نكبة 1948؛ معتبرًا أن الشعر الفلسطيني لم يكن ترفًا جماليًا، بل وثيقة تاريخية وسلاحًا ثقافيًا يحمي الذاكرة الوطنية من المحو والنسيان. وفي هذا السياق، يفرد الكتاب مساحة هامة لدور المرأة الفلسطينية في المشهد النضالي والأدبي، مستعرضًا مسيرة رائدات مثل فدوى طوقان، سميرة أبو غزالة، وسلمى الخضراء الجيوسي، ليربط تلك السلسلة التاريخية بالتجربة المعاصرة للشاعرة نهى شحادة عودة (ياسمينة عكا) كرافد إبداعي متجدد لشعر اللجوء والمقاومة.
ثانيًا: الهوية الأكاديمية وسيرة التجربة الوجودية..
يتتبع الكتاب السيرة الذاتية للشاعرة المولودة في مخيمات اللجوء بلبنان، والتي تنحدر أصولها من قرية “شعب” بقضاء عكا. ويقف الناقد عند مفارقة خصبة في مسيرتها؛ وهي حصولها على بكالوريوس في “علوم الكمبيوتر”. ويحلل الكتاب هذا الجانب نقديًا باعتباره عاملاً ساهم في إحداث توازن فريد بين “العقل العلمي المنظم” و”الحس الإبداعي المرهف”؛ وهو ما انعكس في كتاباتها (مثل دواوين: “نثرات روح”، “أنامل صوفية”، “غصن وبندقية”) عبر وضوح الرؤية وتنظيم الأفكار بالتوازي مع العمق الوجداني والتكثيف الرمزي.
ثالثًا: تحليل لغة الحوار السردية (الوعي، العروبة، والمقاومة)
يضم الكتاب حواراً مطولاً وعميقاً أجرته الصحفية جميلة بندر مع الشاعرة. وتتحول لغة هذا الحوار من مجرد صيغة “سؤال وجواب” تقليدية إلى بنية سردية حكائية متكاملة تمتاز بالخصائص التالية:
الانتقال من التقريرية إلى التدفق الوجداني: حيث يتخلى الحوار عن جفاف التوثيق لصالح دفء الحكي (كاستدعاء ذاكرة الجدة التي خرجت شابة وقت النكبة لترسيخ صورة فلسطين في وجدان الطفولة).
أنسنة الخطاب السياسي والقومي: تبتعد لغة الحوار عن الشعارات الحزبية الجاهزة عند الحديث عن الثورة والقادة القوميين؛ فوصفها للزعيم جمال عبد الناصر بأنه “أكبر من بلاغة كل اللغات”، وتأكيدها أن العدو يُجابه بـ “النار والبندقية المدعومة بقوة الكلمة”، يعيد شحن المفردة السياسية بأبعاد وجدانية إنسانية.
تداخل صوت الشاعرة والراوية: تعتمد الإجابات النثرية على التناص الذاتي مع مجازات الشاعرة، مما يجعله حواراً أدبياً موازياً يفسر ظروف ولادة النصوص في المنافي.
ثنائية القاموس الدلالي: يتنازع الحوار معجمان؛ معجم الانكسار والفقد (النكبة، الغياب، المنفى)، ومعجم اليقين والثورة (الحق، العودة، البندقية)، مما يخلق إيقاعاً سردياً متوتراً وجذاباً.
رابعا : يضم الكتاب إلى جانب دراسة مؤلفه ناصر رمضان، شهادات ودراسات تطبيقية قدمها نخبة من الشعراء والمبدعين العرب بحق تجربة الشاعرة نهى عودة، شكلت هذه المساهمات حالة حوار نقدي متعدد الأصوات، جعلت من الكتاب عملاً جامعاً بأقلام المبدعين
خامسا : لغة الكتاب والخطاب الجمالي في النص الشعري والنقدي
تتأسس لغة الكتاب الكلية على خطة جمالية تشمل مستويات التعبير الإبداعي والنقدي:
الثنائية الضدية: تقوم اللغة على طباق مستمر بين مفردات الرقة والنعومة (الياسمين، النور، الحب) ومفردات القسوة والاغتراب (المنفى، الحرب، الرصاص).
المجاز غير المألوف وتطويع أسلحة الحرب: يظهر ذلك في القراءة التطبيقية للقصائد؛ ففي قصيدة “في الحرب أحبك أكثر”، تعيد الشاعرة صياغة أدوات الموت لتصبح رسائل وجدانية قائلة: “فالرصاص يوصل الرسائل”. وفي قصيدة “شرفة الضوء” ينتقل البناء اللغوي والدرامي من التعلّق والبوح الشفاف (“كنت أكتب إليك بلا تردد”) إلى التحرر والقطيعة الناضجة عبر قفلة حاسمة تختصر المأساة: “صباح الكسر الذي لن يُجبر”.
بلاغة الخطاب النقدي: جاءت لغة الناقد ناصر رمضان عبد الحميد رصينة، أنيقة، وقريبة من روح الشعر؛ حيث زاوجت بين المنهجية التحليلية وتتبع البناء الدرامي للنصوص، دون السقوط في جفاف النظريات التجريدية.
ختاما ..
يخلص الكتاب عبر صفحاته الأربعمائة إلى أن تجربة “ياسمينة عكا” هي نموذج حي لتلاحم الذاتي بالعام، والجمالي بالسياسي. لقد استطاعت الدراسات النقدية ولغة الحوار السردية أن تقدم صياغة متكاملة لهوية اللاجئ الذي لم تزدْه عاديات المنفى إلا تمسكاً بجذور الأرض وعشقاً للحرية، لتظل القصيدة الفلسطينية لديه سلاحاً ثقافياً عصياً على الاقتلاع أو النسيان.















