قراءة نقدية لقصيدة (شُهُبُ العَتْم)للشاعرة اللبنانية ﴿د.زبيده الفول﴾
بقلم الدكتور حمزة علاوي مسربت .جامعة المستقبل- كلية الفنون الجميلة -العراق.
سأحاربُ خجلي وأمضي… فالعُبابُ هُوَ السُّرُبُ
وأهجرُ ضعفي الذي كانَ
يستغيثُ بظلِّيَ… كي لا يَغيبُ
وأُغلقُ بابَ الخوفِ…
أكسرُ أقفالَهُ التي صاغَها الوهمُ،
أعلنُ أنَّ الغدَ العاريَ حُلمٌ يُستَجَابُ
وأُنادي السعادةَ من أقصى مسافاتِها،
من رمادِ الشكِّ، من لهفةِ الغروبُ
أنتزعُها من صلصالِ العدمِ
كأنَّها وردةٌ خُلِقَتْ من لهاثِ القلوبُ
وأُلبِسُها من شرارةِ عينيكَ نجمًا،
تُضيءُ على راحَتَيَّ الدُّروبُ
وفي حضنِكَ أستشعرُ المعنى،
كأنَّ الدفءَ جَسَدُ الأبدِ
وكأنَّ اللحظةَ صلاةُ الغيوبُ
وأُحلِّقُ نحوَ سمائِكَ،
حيثُ الرياحُ تُنادي الطفولةَ أنْ لا تَغيبُ
هناكَ… يقطفُني مجدُكَ نجمةً
في تاجِكَ السرمديِّ،
وأُصبحُ فيكَ الحلمَ،
والدهشةَ،
واللهيبُ
يحمل عنوان قصيدة الشاعرة اللبنانية (د. زبيدة الفول) دلالة النجوم المتلالأة في عتمة الليل..عتمة الذات المنهكة، وهذا مايولد حركة دراماتيكية بين الضوء المتلألأ والظلام الشديد،بين ألم الصمت والامل في تجاوز القيود؛ ووفقا لهذا يبحر المتلقي بحثا عن دوافع هذا الصراع النفسي واستنطاق واقع الشاعرة. يحاول المتلقي قراءة العنوان والتركيز على هذه السيمياء البصرية ،وصولا لفك شفرة التضاد بين النور والظلام ،فالعنوان قائم على هذه الثنائية ما بين الجذب والتضاد مابين الواقع المظلم الصامت والمستقبل المضيء. وبالتالي فالعنوان يحمل الاثارة والتأمل،وهذا ما يدفع المتلقي الى الميل لقراءة النص.
//سأحاربُ خجلي وأمضي… فالعُبابُ هُوَ السُّرُبُ
وأهجرُ ضعفي الذي كانَ
يستغيثُ بظلِّيَ… كي لا يَغيبُ//
تظهر الشاعرة في هذا النص صراع بين الخوف والتردد من ناحية،والامل من ناحية اخرى..صراع مع الزمن ،فالخجل سيميائية ضياع الوقت ، ولغة الصمت والجسد، والجمالي والنفسي. تستخدم الشاعرة التنقيط( … )كعلامة بصرية لها دلالتهاالسيميائية التي تترك المساحة المسكوت عنها امام المتلقي كي يصل الى قراءة استنتاجية من هذا الانزياح الذي يروض تفكيره وتجربته الشعورية،ويمنحه فرصة التخيل . تبدو الشاعرة أنها في رحلة تحدي تتجاوز من خلالها القيود النفسية . تعزز بداية النص بصوت السين الذي يضيء الايقاع الموسيقي، ويعكس حالة الشاعرة العاطفية ،فضلا عن تكرارا صوت مد الياء في النص وتعزيزه المشاعر الاغترابية، والاشتياق ،واضفاء مساحة غنائية ،واظهار المشاعر الداخلية من الحنين والانكسار النفسي .تتخذ من -العباب- دلالة الانفعال والتحدي لركب الموج ما بين المد والجزر على ساحل الصعاب.توظف الظل كرمز دلالي يعبر عن المكبوت والمتخفي للذات الشاعرة الخجولة، هذا الظل يمثل الغياب والحضور في آن واحد داخل النص.فالتحول من الخجل الى الجرأة تصاحبها تحولات من الطاقة السلبية المكبوتة الى الطاقة الايجابية.
//وأُغلقُ بابَ الخوفِ…
أكسرُ أقفالَهُ التي صاغَها الوهمُ،
أعلنُ أنَّ الغدَ العاريَ حُلمٌ يُستَجَابُ//
تستخدم ثنائية الخوف والوهم لبناء ثنائية عالمها الوجودي والنفسي،وتحويل الوهم الى واقع فعلي .توظف الرمز -الاقفال- كدلالة تعبر عن القيود النفسية؛ والحيرة والتفكك والغربة،واخفاء مشاعر الشاعرة،فكسرها يفصح عن انعتاقها. يعبر تداخل الازمنة-اغلق، يستجاب والغد-في النص عن دلالة وجود الشاعرة، وعن الحركة الديناميكية في النص: بين ماض الذكريات، والواقع الحاضر،والتطلع الى الامل. تعبر ثنائية الفعلان -اغلق ،واعلن-عن الانعزال والتحدي والمواجهة والوجدانية،وبالتالي يكشفان عن حالة التحول النفسي من الصمت الى الاحتجاج ،اي التحرر من شرنقة الذات . تتخد من -الغد العاري- التحرر من الزخرفة اللفظية والتطلع الى عالم متحرر حافل بالرؤية الحقيقة.
//وأُنادي السعادةَ من أقصى مسافاتِها،
من رمادِ الشكِّ، من لهفةِ الغروبُ
أنتزعُها من صلصالِ العدمِ
كأنَّها وردةٌ خُلِقَتْ من لهاثِ القلوبُ//
تأخذ الشاعرة السعادة على محمل رحلة شوق تعود بها الى الطفولة حيث البراءة:الماضي-سعادةالطفولة،والوعي -الحاضر-هو شقاء،هذه الرؤية تحقق لها التوازن الداخلي، ووفقا لذلك فالشاعرة تستدعي الماضي هروبا من الواقع. تستحضر جغرافية البعد العاطفي لخلق مسافة بين ذات الشاعرة وذكريات الماضي. تعبر لفظة -انادي- عن دلالة استغاثية عاطفية داخليةمن خلال صوت المد والنداء،فهذا الصوت -النداء – يفعل حركة النص ويحرره من اطره التقليدية الساكنة،وهيمنة الذات الشاعرة بلمستها الانفعالية على النص ،وعليه يعد النداء وسيلة لرسم وجودها على جادة الطريق الذي عنده يتم التفاعل الحسي والمعنوي في رؤيتها الشعورية.تستخدم -رماد الشك-للتعبير عن الحزن وفقدان الامل،والتحول من اليقين الى ما بعد اليقبن- الشك- والمواجهة لاثبات الوجود،بعد ان اصبحت الحياة شذرات من الحريق الداخلي . تعد لهفة الغروب فاصلة زمنية ما بين الشجن والامل، ودراما عاطفية على اعتاب الوحشة التي تشعر بها الشاعرة والتي ترى سعادتها تنسل من وحدتها ومن جمال الغروب بعيدا عن هول الواقع.تتخذ من صلصال العدم دلالة عدمية الوجود وهو عالم افتراضي لتعويض عزلتها، فضلا عن دلالة هشاشة الوجود ،كل ذلك يعبر عن انكسار الذات الشاعرة، ومحاولة الحصول على السعادة من عالم فارغ الوجود ..كلها تأملات خاوية من السعادة الحقيقية،اما لهاث القلب فهو دلالة الفرط العاطفي والشوق الشديد.
//وأُلبِسُها من شرارةِ عينيكَ نجمًا،
تُضيءُ على راحَتَيَّ الدُّروبُ
وفي حضنِكَ أستشعرُ المعنى،
كأنَّ الدفءَ جَسَدُ الأبدِ
وكأنَّ اللحظةَ صلاةُ الغيوبُ//
تستخدم ثنائية الشرارة والنجم للتعبير عن الرؤية البصرية واللمسة الشعرية ؛هذه السيميائية تعزز أضاءة النص لكشف الجوانب الخفية من العقل الباطن.عملت الشاعرة على تحويل الصورة المجرده -المشاعر-الى صورة حسية كي تجسد صور المعاني الذهنية.تجعل المكان يتبع الزمان- الدورب، الحضن، الجسد،اللحظة،النجم الشرارة: فالمكان حالة وجدانية والزمان وجود الشاعرة،هذه الزمكانية تعمل على تحريك النص،وجعلها تتفاعل مع رؤية واقعها.تستحضر الشاعرة طقسا دينيا -صلاة الغيوب- للدلالة التعبيرية عن الوداع والفناء،واستحضار المحبوب العائب،فهي تعزية لذات الشاعرة. تكرر -كأن- لخلق ايقاع متوازن بين الشكل والمضمون،والتعبر عن دلالة التمني، ورسم صورة خيالية تعوض عن واقعها الحالي الغائب وعدم قدرتها على تجاوز اللحظة الآنية.
//وأُحلِّقُ نحوَ سمائِكَ،
حيثُ الرياحُ تُنادي الطفولةَ أنْ لا تَغيبُ
هناكَ… يقطفُني مجدُكَ نجمةً
في تاجِكَ السرمديِّ،
وأُصبحُ فيكَ الحلمَ،
والدهشةَ،
واللهيبُ//
تتخذ من التحليق رمزاا للتحرر من القيود والسمو الروحي، والهروب من الواقع ،والظفر بالسعادة المطلقة التي تنشدها، وهذا التحليق يعد جسرا ببعديه الزماني والمكاني مابين العالم المادي والعالم الروحي، وحلما يجمع الرشاقة الروحية والحركة المتخيلة التي تعمل على تحريك النص وتحرره من رتابة القراءة.. تستخدم الرياح والطفولة لاستذكار الماضي في حضرة وجودها الآني،فهي مصدر عواطفها والهامها.تجعل من الانزياح (…) دعودة المتلقي للتفاعل مع النص، فضلا عن التحول اللفظي-الكلمة-الى صورة فنية يبصرها المتلقي الذي يبحث عن الخفي من وراء هذا الحذف التركيبي.توظف لفظة -لا تغيب- للتعبير عن سيرورة الزمن وصولا الى ما هي عليه . تتخذ من الطبيعة الكونية – الغروب ،الوردة،الرياح والنجمة – كتعبيرات دلالية وجودية ونفسية تتمازج مع عواطف الشاعرة،وبالتالي فهي لغة تصورية تصب عندها تموجات الشاعرة الخيالية والواقعية ،وتكتمل عندها الصورة الذهنية التي ترجوها ؛ وعليه تعد الطبيعة الكونية معادلا موضوعيا يوازي عالمها العاطفي الرومانسي والفكري، فضلا عن التحول الذاتي للشاعرة الى عالم موضوعي تصبح عنده المشاعر نوعا من الشيئية التي يلمسها المتلقي داخل النص .
“هناكَ… يقطفُني مجدُكَ نجمةً” صورة مجازية حسية ذات طابع تشخيصي وتجسيدي،احدثت تحولا من الصورة المجردة،المجد، الى كائن حي يقطف، وذاتها الى صورة روحية رومانسية-النجمة- التي تضيء النفس، وترسم ميسما من التواصل بين ذات الشاعرة والوجود ،وهذه الثنائية بين الدجى والنور تعمل على دراماتيكية الصورة الذهنية لدى المتلقي،ورحلة الشاعره وشوقها للحبيب. اما السرمدي فهو رمزا للخلود والوجد ،والانتقال من المتناهي الى اللامتناهي وتجاوز قيود الزمان والمكان ،وركون الحب الى الخلود .













