يا بُني… لا تُضيِّع وجهك في مرايا الآخرين
يا بُني…
سيأتي يومٌ تقف فيه الحياة أمامك كما تقف الغابة أمام المسافر؛ طرقٌ كثيرة، ولافتاتٌ أكثر، وكلُّ طريقٍ يزعم أنه الطريق، وكلُّ صوتٍ يدّعي أنه الحكمة. عندها، لا تُصغِ إلى ضجيج الأسواق، بل إلى الهمسة التي تخرج من أعماق قلبك؛ فالقلب حين يصدق، يكون أهدى من البوصلة، وأبصر من العيون.
إيّاك أن تجعل المال غايتك، فهو ماءٌ مالح؛ كلما شربت منه ازددت ظمأً. وإيّاك أن تجعل الجاه معراجك، فكثيرٌ من القمم لا يسكنها إلا البرد والوحدة. إن الثروة التي تُعدُّ بالأرقام قد تُورِث الغنى لليد، لكنها لا تُورِث الطمأنينة للقلب، وإن المناصب قد تُلبِس الإنسان تاجًا، لكنها لا تمنحه رأسًا يعرف كيف يحمل ذلك التاج.
يا بُني…
لقد خلق الله الأشجار مختلفةً، فهل رأيت نخلةً تحاول أن تصبح سنديانة؟ أو وردةً تغار من الياسمين لأنها لا تشبهه؟
لكل زهرةٍ عطرها، ولكل نجمٍ مداره، ولكل نهرٍ أغنيته التي لا يعرفها سواه.
فلماذا يُراد للإنسان وحده أن يعيش نسخةً من غيره؟
إنك لست حجرًا في يد نحات، ولا قطعة خشبٍ في ورشة نجّار، ولا آلةً تُدار بمفتاحٍ يشاؤه الآخرون. أنت روحٌ لها مزاجها، وموهبةٌ لها لغتها، وحلمٌ يبحث عن السماء التي خُلِق ليحلّق فيها.
ولستُ أنا من يصنعك…
أنا لا أملك أن أزرع فيك شغفًا لم يخلقه الله في قلبك، ولا أن أُغيّر لون روحك كما تُغيَّر ألوان الثياب.
أنا لا أصنع مستقبلك يا بُني، بل أزيح الحجارة عن الطريق لتكتشف أنت الطريق الذي خُلِق لك.
رسالتي ليست أن أقودك حيث أريد، بل أن أساعدك حتى تصل إلى نفسك.
فما أقسى أن ينجح الإنسان في حياةٍ لا يحبها!
وما أشدَّ بؤس من يصفق له الناس كلَّ يوم، بينما تبكي روحه كلَّ ليلة.
قد تصبح طبيبًا ويكون قلبك شاعرًا، أو مهندسًا بينما روحك رسامٌ يبحث عن لونٍ ضائع، أو تاجرًا بينما داخلك معلّمٌ ينتظر طفلًا يسأله أول سؤال.
وحين يخون الإنسان صوته الداخلي، يمضي العمر كله غريبًا في بيته، ومنفيًّا داخل اسمه.
يا بُني…
قبل أن تسأل: أيُّ مهنةٍ تمنحني المال؟
اسأل: أيُّ رسالةٍ تمنحني الحياة؟
وقبل أن تسأل: أين يقف الناس؟
اسأل: أين تقف روحي؟
وقبل أن تسأل: ماذا يريدون مني؟
اسأل: ماذا يريد الله مني أن أكون؟
فالإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يمنح، ولا بما يجمع، بل بما يزرع، ولا بما يرتفع فوق الناس، بل بما يرتقي في إنسانيته.
إنني لا أحلم أن أراك غنيًّا، بل أراك غنيَّ النفس.
ولا أحلم أن أراك مشهورًا، بل أن تكون معروفًا عند ضميرك.
ولا أرجو أن تُشار إليك بالبنان، بل أن تشير إليك القلوب بالمحبة.
إن فخري بك لن يكون لأن اسمك تصدّر الصحف، ولا لأن حسابك امتلأ بالأصفار، ولا لأن الناس انحنوا لمنصبك.
فخري الحقيقي أن أراك إنسانًا إذا خلا بنفسه لم يحتج إلى قناع، وإذا نظر في المرآة لم يخجل من عينيه، وإذا وضع رأسه على وسادته نام قرير الروح، لأنه عاش كما أراد الله له أن يعيش، لا كما أراد الناس.
يا بُني…
لا تُفتّش عن نفسك في عيون الآخرين؛ فالمرايا لا تصنع الوجوه، بل تعكسها.
ابحث عن ذاتك في العمل الذي يوقظ قلبك، وفي الحلم الذي يوقظك قبل الفجر، وفي التعب الذي يمنحك لذةً لا يعرفها الكسالى.
واعلم أن السعادة ليست محطةً تصل إليها، بل رفيقةُ الطريق إذا سرت في الدرب الذي يشبهك.
فإذا وجدت نفسك… وجدت رسالتك.
وإذا وجدت رسالتك… وجدت سعادتك.
وإذا وجدت سعادتك… أصبح المال خادمًا لا سيّدًا، والمنصب وسيلةً لا غايةً، والنجاح أثرًا لا هدفًا.
فامضِ يا بُني…
ولا تخشَ أن تكون مختلفًا، فالأشجار لا تُقاس باستقامتها وحدها، بل بثمرها، والنجوم لا تتشابه، ومع ذلك يكتمل بها الليل.
واذكر دائمًا أن أعظم انتصارٍ يحققه الإنسان ليس أن يهزم العالم، بل أن يعثر على نفسه قبل أن يضيعها في زحام العالم.












