عبور الذات إلى ضفاف المعنى: قراءة في ديوان (خطى العبور)
للشاعرة اللبنانية رحاب هاني بقلم /ناصر رمضان عبد الحميد *
***
يقدّم ديوان “خطى العبور” تجربة شعرية ناضجة تعبر الكاتبة من خلالها بوابات الذات والذاكرة والمجتمع، لتلامس قضايا الأنوثة والأمومة والوطن والتمرد والعشق، حيث يتقاطع الخاص والعام، ويتمازج الذاتي والكوني في نصوص تمتد على مساحة ٣٦ نصاً، كلٌّ منها يضيف طبقة جديدة من المعنى في مشروع شعري متكامل يُبنى على دوائر دلالية تتّسع وتشتبك وتتداخل.
العنوان “خطى العبور” ليس عنوانًا عابرًا، بل هو مفتاح تأويلي لقراءة النصوص جميعها؛ إنه العبور بوصفه حركة في الزمان والمكان، في الداخل والخارج، عبور من المحن إلى الضوء، من الذات إلى الآخر، من الأسر إلى التحرر، من الحيرة إلى الصلاة، من الضياع إلى النجاة، من بيروت الجريحة إلى بيروت الأمل، من الأنثى المجروحة إلى الأنثى التي تصلّي وتُضيء دربها من داخلها. العنوان يؤسس لرؤية تحكم الديوان: كل قصيدة فيه هي خطوة، وكل خطوة هي عبور.
من المحور الأول: الأنوثة والأمومة والتمرد، تنطلق الكاتبة في بناء صورة الأنثى المقاومة، الباحثة عن صوتها، عن ذاتها، عن المعنى في زمن المواربة. قصائد مثل أنثى التداعيات، قلادة أمي، رحم تكونت فيه جذوعي (من قصيدة عبور)، تؤكد حضور الأمومة كمرجعية وجودية، لا باعتبارها بيولوجيا فقط، بل باعتبارها جذورًا تكوينية. في “عبور” تقول:
> “إلى رحم،
تكونت فيه جذوعي…
أستذكر رحيق مسكه
وأعبر…”
حيث الرحم ليس فقط مهدًا أول بل هو نقطة انطلاق نحو التحقق الذاتي، إذ العبور لا يتحقق إلا بإدراك هذا الأصل ومساءلته. وفي “أنثى التداعيات” و”سلام وعتاب”، نرى التمرد الأنثوي يتجلّى على بنية اللغة نفسها، إذ تنهار الجمل كما تنهار المعاني، ويغيب الفاعل والمفعول، لتقول:
> “رمتهُ قصيدتي
محملًا بجهدِ الفاعل،
وبغيابِ المفعول،
تهاوتْ من أثره الجملةُ ناقصة،
كما تنهارُ الحكايةُ
حين يغيّبُها الغياب…”
هذا الانهيار اللغوي يحاكي انهيار المعنى في حياة الأنثى التي تعاني صمت الآخر، غياب الإنصاف، لكنها لا تستسلم بل تُعيد بناء ذاتها من فتات اللغة، وتكتب القصيدة في شكل “صلاة” لا بوصفها وثنًا بل خلاصًا، كما في قصيدة “صلاة الغسق”:
> “وفي يومٍ،
وعند الغسق،
لمعت في داخلي فكرة:
لمَ لا أغوص؟
في البحر؟
أم في أعماقي؟
خفتُ… تردّدتُ،
ثم جلست أصلّي
صلاة المحبّة.
عندها…
لمع نجمي،
وأضاء دربي،
و… وجدتُه.”
أما المحور الثاني: الوطن، لبنان، العروبة، فيتجلى في قصائد مثل لبناني، عربية، إبرة العرف القديم، شارع التجارب، أروقة الزمكان. لا تكتب الشاعرة عن الوطن كمفهوم ثابت أو محايد، بل تكتبه كألم ومعاناة، كمخاض وتوق. بيروت ليست مكانًا، بل حالة عبور دائم من الرماد إلى النور. في “أروقة الزمكان” و”لبناني”، هناك وعي بأن العروبة لا تنفصل عن الذات، بل هي امتدادها الطبيعي، وجذرها الروحي. تقول في روح هذه النصوص إنّ العروبة ليست شِعارًا بل هي “صوت الأمل في فم المعذبين”، وهي الحاضنة التي تصطلي بها الأحلام كما تصطلي اللغة في معمودية المحن.
أما المحور الثالث: العشق الصامت، فهو مساحة بينية بين الحضور والغياب، بين اللقاء والفقد، حيث اللغة تُضمَّخ بالانتظار، والقصائد تمتلئ بهسيس العاطفة غير المُفصح عنها. في قصيدة صلاة الغسق، التي تكاد تختصر هذا البعد، نقرأ:
> “أفتّش عبثًا،
والشمس تذيبني بحرارتها،
العطش يعصر حلقي،
والتعب ينهش جسدي.
لكن لا بأس،
سأجده…
لا بدّ أنني سأجده.”
يتحوّل الحب إلى فكرة وجودية، إلى عبور نحو العمق، نحو الصلاة لا الشهوة، نحو النور الداخلي لا التعلق الخارجي. وفي قصائد مثل أعدو وراء الصمت، طرق متقاطعة، خلف الستار، الطائر المصلوب، يصبح العشق تجربة تأملية، روحية، لا تُصرَّح بل تُستبطن، وفي ذلك دلالة على نضج التجربة الوجدانية.
تشتغل الشاعرة على هذه المحاور الثلاثة في دوائر تتقاطع وتتجاور وتتبادل التأثير، فالمكان – مثلًا – ليس إطارًا خارجيًا، بل يمتزج بالهوية والذات. البحر، كما في “صلاة الغسق” و”عبور”، ليس فقط صورة بل هو مجال وجودي تتعمق فيه البطلة لتجد ذاتها. الجسد الأنثوي ليس موضوعًا بل نصًّا يُكتب ويتحوّل. اللغة نفسها ليست وسيلة بل ساحة صراع، كما في صفعة ثم منبر، رماد الذات، ومعمودية الوحل، حيث كل جملة تمر من الألم، وكل صورة تشتق معناها من تجربة العبور.
ومن خلال عناوين النصوص التي وردت، نلحظ انسجامًا مع رؤية “العبور”: فالعناوين من مثل نكون أو لا نكون، ضفاف العمر، رماد الذات، ترجمة الذات، شارع التجارب، معمودية الوحل، جوانح العنقاء، سيرة ذاتية، تشير إلى رحلة وجودية عميقة، فيها صراع، وتحولات، وارتقاء داخلي، وتبدّل في نظرة الشاعرة إلى الحياة والذات والآخر. كل عنوان منها هو انعكاس لرغبة في تخطي السائد، في تجاوز اللغة المألوفة والمعنى الجاهز.
الديوان، في مجموعه، يقدّم تجربة أنثوية عاقلة، عابرة، قادرة على ترميم ذاتها واللغة والعالم، وهو يؤسس لصوت شعري ناعم في ظاهره، عنيد في جوهره، يعيد الاعتبار للقصيدة كملاذ وجداني، وكشهادة شعرية على “خطى العبور” في عالم تزداد فيه الخسارات، لكن لا تنطفئ فيه جذوة النجاة.
كل قصيدة هنا هي عتبة، وكل عتبة هي صلاة، وكل صلاة هي عبور.
___
*عضو اتحاد كتاب مصر
رئيس ملتقى الشعراء العرب












