قراءة تحليلية في كتاب
“ياسمينة عكّا: الشاعرة الفلسطينية نهى عودة – سيرة الشعر والمنفى”
للشاعر والناقد ناصر رمضان
إعداد
د. بسيم عبد العظيم عبد القادر
شاعر وناقد أكاديمي
قسم اللغة العربية
كلية الآداب ـ جامعة المنوفية
رئيس لجنة العلاقات الخارجية
اتحاد كتاب مصر
هذه سيرة ومسيرة الأديبة الفلسطينية نهى شحادة عودة، المعروفة بلقب “ياسمينة عكا”، بوصفها نموذجًا للمثقفة المناضلة التي ولدتْ في مخيمات اللجوء بلبنان، ويبرز الكتاب دورها في إثراء المشهد الثقافي العربي عبر دواوين شعرية وروايات وأعمال موسوعية توثق الذاكرة الوطنية وقضايا المرأة والمنفى، كما يسلط الضوء على نشاطها التنظيمي والوطني في مؤسسات واتحادات أدبية، مؤكدًا أنَّ كتاباتها ليستْ مجرد فن، بل هي أداة للمقاومة وربط الأجيال بجذورهم الفلسطينية، ويرسم الكتاب صورة متكاملة لمبدعة استطاعتْ تحويل تجربة الغربة إلى مشروع إبداعي متجدد يجمع بين الرؤية العلمية والعمق الوجداني، وأخيرًا، يستعرض مكانة الشعر المقاوم في تشكيل الوعي القومي وحفظ الهوية من الطمس والنسيان.
الشاعر والناقد ناصر رمضان عبد الحميد
التعريف الشخصي والعضويات: هو الشاعر والناقد والأديب المصري ناصر رمضان عبد الحميد (ويُعرف في الأوساط الأدبية بالأديب الفيومي)، يشغل منصب رئيس ومؤسس “ملتقى الشعراء العرب”، وهو رئيس تحرير موقع ومجلة “أزهار الحرف”، كما أنه عضو في اتحاد كتاب مصر، والجمعية المصرية للدراسات التاريخية، ورابطة الأدب الإسلامي العالمية.
الشاعرة الفلسطينية نهى شحادة عودة (ياسمينة عكا)
النشأة والتعليم: ولدتْ الشاعرة والروائية نهى شحادة عودة، المعروفة بلقب “ياسمينة عكا”، في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وتعود أصول عائلتها المُهجَّرة إلى قرية “شَعب” التابعة لقضاء عكا في فلسطين، حصلتْ على درجة البكالوريوس في علوم الكمبيوتر، وهو ما منح كتاباتها توازنًا فريدًا يجمع بين تنظيم الفكرة علميًّا، والعمق الوجداني والرمزية الإبداعية.
الإصدارات الأدبية والشعرية: تمتد تجربتها الأدبية عبر فضاءات الشعر والرواية والنثر، وصدر لها العديد من المؤلفات:
الدواوين الشعرية: “نثرات روح” (وهو أول إصداراتها)، و”ولقلبي رأي آخر”، و”أنامل صوفية”، و”دموع وردية”، و”غصن وبندقية”، و”امرأة النور ترمي النرد” (الصادر بالقاهرة عام 2023م)، و”بين نارين وحرب” (الذي حظي بمقدمة كتبها الشاعر ناصر رمضان عبد الحميد).
الرواية: صدرتْ لها رواية بعنوان “على قارعة الحنين (سارة)”.
المشاريع الموسوعية والإسهامات الثقافية: تساهم بفاعلية في توثيق ونشر الأدب الفلسطيني والعربي من خلال مشاريع جماعية بارزة:
المشاركة في إعداد موسوعة “قصائد في رحاب القدس” الصادرة عن ملتقى الشعراء العرب بالقاهرة بالتعاون مع السفارة الفلسطينية وحركة فتح.
إعداد وتقديم موسوعة “شاعرات من بلادي”، وهي عمل وطني وتوثيقي يسلط الضوء على الشاعرات الفلسطينييات، وقد أقامتْ له حفل توقيع متميز في الأردن برعاية منتدى الجياد للثقافة والتنمية.
العمل الصحفي والإعلام الرقمي:
تكتب في عدة صحف ومجلات عربية، وتكتب زاوية أسبوعية شهيرة بعنوان “قصاصات لاجئة” في صحيفة “الأيام نيوز” الجزائرية لتوثيق واقع المخيمات أدبيًّا.
عضو هيئة تحرير مجلة “الجياد” العربية.
تنشط في التدوين عبر مدونتها الأدبية الرقمية “نهى عودة (ياسمينة عكا)”.
شاركتْ في دبلجة العديد من الأعمال التلفزيونية باللهجة الفلسطينية.
النشاط الثقافي والمناصب الوطنية: تجمع نهى عودة بين الإبداع الأدبي والالتزام بالقضية والعمل العام من خلال عدة أدوار:
شغلتْ منصب أمينة سر المكتب الحركي للأدباء والشعراء بحركة “فتح” في منطقة صيدا بلبنان حتى عام 2025 م.
عضو إقليم لبنان ومسؤولة المكاتب الحركية في لبنان، وعضو الاتحاد العام للكتاب الأردنيين، وعضو الاتحاد العام للفنانين التعبيريين الفلسطينيين، والمشرفة العامة ومنظمة المهرجان العربي الفلسطيني للإبداع الثقافي في لبنان، وعضو الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي، وعضو ملتقى الشعراء العرب.
منهج المؤلف
يتأسس منهج الأديب والناقد المصري ناصر رمضان عبد الحميد في كتابه الذي يحمل عنوان “ياسمينة عكّا: الشاعرة الفلسطينية نهى عودة – سيرة الشعر والمنفى” على رؤية نقدية وتوثيقية متكاملة، فهو لا يكتفي بمقاربة النصوص الشعرية كبِنًى لغوية مجردة، بل يربط الإبداع الفني بالسياق الإنساني والوطني للشاعرة.
ملامح منهجه النقدي والتأليفي في هذا الكتاب:
1 ـ المنهج “السِّيَر-نقدي” (سيرة الشعر والمنفى)
ينطلق المؤلف من فكرة جوهرية مفادها أنَّ الكتاب لا يتناول شاعرة فحسب، بل يوثق تجربة امرأة فلسطينية كاملة؛ حملتْ الوطن في قلبها، والمنفى في ذاكرتها، والكلمة المقاومة في يدها.
لذلك، يدمج المنهج بين السيرة الذاتية الوجدانية والسيرة الوطنية الجماعية؛ حيث يتتبع كيف تحولتْ تفاصيل اللجوء في مخيمات لبنان من مجرد حيز جغرافي بائس إلى “حالة وجودية ومساحة للإبداع والتمسك بالحق الأبدي بالعودة”، كما يوثق نشاطها المؤسساتي والثقافي (كأمانة سر المكتب الحركي بحركة فتح في صيدا) ليُظهر أثر هذا الالتصاق بالواقع على دفء قصيدتها ونضجها.
2 ـ المنهج السيميائي والدلالي الحديث (Semiotic Approach)
يستضيف الكتاب دراسات نقدية تتبنى المنهج السيميائي الحديث بمستوياته العلاماتية والدلالية (مستلهمًا أطروحات الفيلسوف “بيرس”)، ويركز هذا المنهج على رصد “الشفرات الثقافية والرمزية” من خلال ربط العلامات بسياقاتها النفسية والتاريخية والاجتماعية:
تحليل البنيتين السطحية والعميقة: يدرس المنهج كيف تتحول الوحدات المعجمية الصغرى في قصائد نهى عودة إلى علامات مشحونة دلاليًّا تفتح آفاق المعنى وتستقر في ذهنية المتلقي.
تفكيك الرموز المركزية: رصد وتصنيف الرموز المهيمنة التي يتأسس عليها معجم الشاعرة (مثل: النور، والمرأة/الأم، والنرد، والياسمين، والمخيم، والشهيد، والطريق، والجنة) وفك شفراتها الدلالية كأدوات لمواجهة قسوة القدر والمنفى.
3 ـ دراسة سيميائية الجسد والتناص الديني والفكري
يتعمق المنهج النقدي في الكتاب للكشف عن الأبعاد الفكرية والأيديولوجية العميقة الكامنة خلف البساطة الظاهرية لأسلوب الشاعرة (السهل الممتنع):
سيميائية الجسد (Semiotics of the Body): يحلل التقرير النقدي في الكتاب دلالة “تفكك الجسد الاجتماعي العربي” عبر تتبع التراكيب الجسدية المشوهة في قصائدها (مثل: وجوه متبدلة، وأفئدة واهنة، وأيدي مشلولة) كمعادل موضوعي لعجز البنية المجتمعية والسياسية العربية عن المواجهة.
تفكيك الغواية والخذلان عبر التناص الديني: يدرس الكتاب آليات توظيف الشاعرة للرموز الدينية والتاريخية (مثل قصة يوسف عليه السلام، وزليخة كرمز لغواية الأنظمة المنافقة، وغياب عصا موسى المعجزة) لتشخيص واقع الخذلان، وتحويل الانكسار النفسي إلى تفوق أخلاقي صلب يتوج باليقين الحتمي بالنصر.
4 ـ تنوع المادة التوثيقية والمقارنات الجمالية
لم يعتمد المؤلف في منهجه على الدواوين المنشورة فحسب، بل اتسم عمله بالشمولية عبر تتبع أدوات الشاعرة التعبيرية في مختلف وسائط النشر:
دراسة دواوينها الشعرية وروايتها وتوليفها الفني بين الشعر والنثر، واستقصاء كتاباتها ومقالاتها الصحفية المنشورة، وعلى رأسها سلسلة “قصاصات لاجئة” الأسبوعية في جريدة “الأيام نيوز” الجزائرية، ومتابعة مدونتها الرقمية الخاصة وثقافة النشر الرقمي لديها.
المقاربة السيميائية والمقارنة التاريخية: يربط الكتاب لقبها “ياسمينة عكا” سيميائيًّا بلقب “الفراشة الحديدية” (الذي أطلقه الشاعر أحمد دحبور والناقد أبو يسار على الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان)، حيث تتماهى رقة الياسمين (والفراشة) دلاليًّا مع صلابة أسوار عكا المنيعة (والحديد) لتأدية وظيفة تواصلية وجمالية ترسخ كبرياء الهوية الفلسطينية وصمودها.
وبهذا المنهج الشامل، يقدم ناصر رمضان عبد الحميد دراسة لا تحتفي بالجماليات اللغوية الجافة، بل تحتفي بالكلمة بوصفها “جسرًا فكريًّا وروحيًّا” يصل بين عكا الذاكرة ومخيم اللجوء وحق العودة المقدس.
في كتابه الحفي بالرمزية والتوثيق الأدبي “ياسمينة عكّا: الشاعرة الفلسطينية نهى عودة – سيرة الشعر والمنفى”، يعتمد الأديب والناقد المصري ناصر رمضان عبد الحميد على دراسة نقدية تفكيكية تتبنى المنهج السيميائي الحديث بمستوياته العلاماتية والدلالية مستلهمًا من أطروحات الفيلسوف “بيرس”، وتاليًا استعراض مُفصل لمحاور دراسته وتناوله لسيرة المنفى، وأبرز العلامات السيميائية التي رصدها:
الفصول النقدية الأربعة لـدراسة ديوان “امرأة النور ترمي النرد”
يقسم المؤلف دراسته للديوان (الذي يقع في 99 صفحة ويضم 38 نصًّا) إلى فصول ومحاور نقدية رئيسية تفكك أدوات الشاعرة التعبيرية:
الفصل الأول (عتبة العنوان ومفارقة رمي النرد): يشتغل على قراءة البنية الدلالية لعنوان المجموعة والمفارقة الشعرية بين ثبات النور كرمز لليقين، واهتزاز النرد كرمز للمصادفة والقدر.
الفصل الثاني (غيابة الجب وتفكيك التناص الإنساني العربي): يدرس توظيف الشاعرة لقصة النبي يوسف -عليه السلام- وتحويل أدوارها لصياغة إسقاط سياسي وإنساني مرير يعري الخذلان والواقع العربي المعاصر.
الفصل الثالث (سيميائية الجسد وجدلية الوجع والوردة والموت): يحلل تماهي الحب بالثورة والوجع الفلسطيني في نصوص الشاعرة، ويبحث في دلالات تفكك الجسد الاجتماعي العربي.
الفصل الرابع (الصورة الشعرية وطاقتها الرمزية): يتناول آليات بناء الصور المركبة لدى نهى عودة، موضحًا أنها صور غير مباشرة تنتمي إلى الحقل الروحي المتسامي أكثر من الحقل الحسي التقليدي، (وقد أردف الكاتب هذه الفصول بمحاور تكميلية رصدتْ: الرموز المركزية، واللغة والأسلوب، والبعدين الصوفي والوطني في الديوان).
ثانيًا: تناول سيرة المنفى
يرى ناصر رمضان أنَّ المنفى في تجربة “ياسمينة عكا” لا يقف عند حدود البكاء على الأطلال، بل يتجاوز التوصيف الجغرافي البسيط ليصبح “حالة وجودية كاملة” صاغتها الشاعرة بوعي عميق:
المخيم كنقطة انطلاق للوعي: يوضح الكاتب كيف تحولت أزقة مخيمات لبنان البائسة في وعي الشاعرة إلى فضاء لولادة الأسئلة الوطنية الأولى والتمسك بحتمية العودة.
الكلمة كوطن موازٍ وجسر: يشير الكاتب إلى أنَّ الشاعرة جعلتْ من قصيدتها “وطنًا موازيًا” وجسرًا شعوريًّا يربط بين واقع اللجوء ومخيمات الشتات وبين عكا المحتلة وحلم التحرر.
التوثيق الأدبي كفعل مقاومة: يبرز الكاتب مساهمة نهى عودة التوثيقية؛ سواء عبر زاوية “قصاصات لاجئة” الأسبوعية لتوثيق النكبة الفلسطينية اليومية والمستمرة، أو عبر موسوعاتها الجماعية (مثل شاعرات من بلادي) لحماية الذاكرة الجمعية من التهويد والسرقة.
ثالثًا: أبرز العلامات السيميائية التي رصدها المؤلف
تتحرك الرموز والعلامات في دراسة ناصر رمضان بكفاءة دلالية عالية لتشخيص أبعاد التجربة الفلسطينية:
علامة “ياسمينة عكا”: تمثل مفارقة سيميائية مقصودة تزاوج بين الرقة المطلقة (الياسمين الأبيض بنقائه وعطره) وبين الصلابة والمنعة التاريخية (عكا بأسوارها وقلاعها التي حطمتْ الغزاة) لتؤدي وظيفة تواصلية وجمالية تكرس الصمود بالحب والجمال.
علامتا “النور” و”النرد”: تناقض بنيوي يعبر عن حقيقة الوجود الفلسطيني في المنافي؛ حيث يرمز النور لليقين الداخلي والطهارة، بينما يرمز النرد للاحتِمالات والظروف الجيوسياسية المتأرجحة والمفاجئة التي تفرضها الغربة.
عتبة “غيابة الجب” والرموز التناصيّة: توظيف بئر يوسف كرمز لقاع اللجوء والمنفى، وإخوته كرمز لتواطؤ ذوي القربى، و”زليخة” كرمز لغواية الأنظمة السياسية المنافقة، بينما تمثل “زوجة الأب” القسوة والوصاية الهجينة.
سيميائية الجسد العربي المتفكك: رصد تراكيب “الأفئدة الواهنة”، “الأيدي المشلولة”، و”الوجوه المقنعة المتبدلة” كعلامات تدلل على عجز البنية السياسية والاجتماعية العربية عن المواجهة.
رموز “الكوفية” و”الناي” و”الدمع”: تبرز في قصيدة “اللحن الضائع” كإشارات سيميائية مكثفة تختزل رحلة التحول من “الفناء” (تشتت الهوية والذاكرة المهددة بالضياع) إلى “البقاء” المتمثل في نزع الرموز الخارجية (الكوفية) للاندماج الكلي والاتحاد بالوطن كـمحبوب مُطلق.
وتتجلى في تجربة الشاعرة نهى عودة أبعادٌ مُتداخلة تصنع خصوصيتَها؛ إذ تلتقي لديها المنهجية العلمية بالتدفق الوجداني، ويتعانق السلام والمقاومة في دواوينها، بينما يغدو التوثيق الأدبي سلاحًا لحفظ الهوية من الاندثار والنسيان، وتفصيل هذه المحاور الإبداعية يظهر في الآتي:
1 ـ التوازن بين العقل العلمي والحس الإبداعي
تُثبت المسيرة الأكاديمية لنهى عودة، الحاصلة على بكالوريوس علوم الكمبيوتر، أنَّ العلوم الدقيقة والأدب ليسا ضَرَّتين؛ بل هما رافدان متكاملان، فبالرغم من محبتها العميقة للغة العربية وتعلقها بالكلمة، كانت ميولها الأكاديمية تتجه دائمًا نحو المعرفة العلمية؛ حيث كانت تجد نفسها في عوالم الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والبيولوجيا، والكمبيوتر، وهو عالم قائم أساسًا على البحث، والتحليل، والاكتشاف، وقد انعكس هذا التكوين العلمي المتين على أسلوبها الأدبي بشكل فريد، ليحقق توازنًا ناضجًا يجمع بين كفتين:
وضوح الرؤية وتنظيم الفكرة: منحها التفكير التحليلي والمنهجي القدرة على صياغة نصوص واضحة، محكمة البناء، وخالية من الحشو أو التشتت العاطفي العشوائي.
العمق الوجداني والاقتصاد اللغوي: تمتاز قصائدها بنوع من “الترميز العقلاني” والتكثيف الواعي، حيث تخضع نصوصها لاقتصاد لغوي دقيق يوازن بين تماسك الفكرة وجزالة الصورة وعاطفة النبض، مما يمنح شعرها سمة “السهل الممتنع”.
2 ـ فلسفة المقاومة والحياة في ديوان “غصن وبندقية”
يُمثل ديوان “غصن وبندقية” معادلًا موضوعيًّا وتوازنًا دقيقًا رافق مسيرة القضية الفلسطينية الطويلة عبر صهر ثنائية واضحة المعالم:
الغُصن: يرمز إلى الحياة، والسلام، والتجذر الراسخ في التراب والأرض.
البندقية: ترمز إلى المقاومة، وحماية الحق، والرفض القاطع للاستسلام أو المساومة.
وتقوم الفلسفة الشعرية لهذا الديوان على فكرة تكاملية؛ فالحياة الكريمة تحتاج إلى قوة تحميها، والسلام العادل يحتاج إلى ذراع تحرسه، وتوضح الشاعرة أنَّ اختيارها للعنوان تأثر بوعي أو لا وعي بعبارة الشهيد القائد ياسر عرفات التاريخية في الأمم المتحدة: “جئتكم حاملًا بندقية الثائر بيد وغصن زيتون باليد الأخرى، فلا تُسقطوا الغصن الأخضر من يدي”.
ولعل الملمح الجمالي الأبرز هنا هو تقديم كلمة “غصن” على “بندقية” في عتبة الديوان؛ وهو تقديم مقصود شعوريًّا يؤكد أنَّ الحياة والسلام والتطلع للمستقبل هي الأصل والغاية أولًا، بينما تأتي البندقية كأداة نضالية ضرورية لتهيئة المكان وتأمين الحرية والكرامة لهذا الغصن كي يورق ويزهر.
3 ـ موسوعة “شاعرات من بلادي” وحفظ الذاكرة الفلسطينية
لم تكتفِ نهى عودة بالإبداع الفردي، بل آمنت بأنَّ التوثيق هو مهمة نضالية وفعل مقاومة بالغ الأهمية يتجاوز كتابة التاريخ إلى الحفاظ على الشخصية الوطنية الفلسطينية، وبناء جسور التواصل بين أجيال الفلسطينيين في الداخل المحتل، والشتات، والمهاجر.
وتكتسب موسوعتها “شاعرات من بلادي” أهمية استثنائية من خلال عدة أبعاد وطنية وأدبية:
مواجهة التهويد وطمس الهوية: تقف الموسوعة كحائط صدٍّ أمام محاولاتِ الاحتلال المستمرة لسرقة وتزييف وتحريف الرواية والذاكرة الثقافية الفلسطينية.
الخنساء الفلسطينية المستمرة: تؤكد الشاعرة في تقديمها للموسوعة على مفارقة تاريخية؛ وهي أنه إذا كان للعرب تاريخيًّا خنساء واحدة اشتهرتْ بوجع الفقد والصلابة، فإنَّ كل شاعرة فلسطينية منذ نكبة عام 1948 هي “خنساء” تعيش الوجع اليومي وتصوغ منه كبرياء وقصيدة.
الشمولية والوفاء للأجيال والأسرى: ضمتْ الموسوعة شاعرات من مختلف الجغرافيات الفلسطينية والشتات، ومزجتْ بين تجارب شاعرات مخضرمات وأصوات واعدة، كما جسدتْ الموسوعة رسالة وفاء ممتدة بحفظها أسماء شاعرات وكاتبات استشهدنَ في قطاع غزة ليبقى أثرهن حيًّا ونابضًا في الذاكرة الثقافية.
أثر النشأة في مخيمات لبنان على هويتها الأدبية:
ولدتْ الشاعرة نهى شحادة عودة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بعد أن هُجّرت عائلتها من قرية “شَعَب” التابعة لقضاء عكا، وقد عاشتْ طفولتها في تفاصيل اللجوء الإنسانية والوطنية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تجربتها الشعرية والثقافية لاحقًا، فالمنفى بالنسبة لها لم يكن مجرد حيّز جغرافي عابر، بل تحوَّل إلى حالة وجودية رافقتْ مسيرتها الفكرية، وجعلتْ من الكتابة وسيلة أساسية للمقاومة والحفاظ على الهوية من التشويه والنسيان.
وقد مثّل المخيم لها نقطة انطلاق لوعي مبكر بقضية شعبها المتمسك بـ “مفاتيح العودة”، وتجلَّى هذا الأثر بوضوح في مسارها الأدبي؛ إذ خصَّصتْ زاوية أسبوعية بعنوان “قصاصات لاجئة” في صحيفة “الأيام نيوز” الجزائرية كنوع من التوثيق الأدبي لواقع الحياة الصعب داخل المخيمات، كما أنها في قصائدها (مثل نص “إهداء المخيم”) حوَّلت المخيم من رمز للألم إلى رمز مكثف لفلسطين بأكملها.
دلالة لقب “ياسمينة عكا” في تجربتها الأدبية:
لم يكن لقب “ياسمينة عكا” مجرد اسم عابر أو صفة مستعارة، بل كان تعبيرًا عميقًا عن الجذور والهوية، وإعلانًا مستمرًّا للانتماء إلى الأرض الأولى واستعادة رمزية الوطن في وجدانها، فالشاعرة لم تولد في عكا جسدًا، لكن المدينة سكنتها ذاكرةً وحلمًا. وينقسم هذا اللقب إلى دلالتين سيميائيتين متكاملتين:
عكا: تمثل الجذور الصلبة والامتداد لقريتها “شعب”؛ وهي رمز للقوة، والمنعة، والصلابة، والصمود في وجه محاولات الاقتلاع والنسيان المستمرة.
الياسمين: يمثل النموذج الأجمل للحياة؛ وهو رمز للنقاء، والجمال المطلق، والقدرة على التجدد رغم كل القسوة والظروف الصعبة المحيطة بالشاعرة.
وتجتمع في هذا اللقب مفارقة فنية مقصودة تمزج بين الرقة والصلابة (الياسمينة وعكا)، مما يرسخ صلة روحية لا يمكن أنْ تنكسر، ويمنح الذاكرة وسيلة إضافية للبقاء تتوارثها الأجيال القادمة لتستحضر من خلالها عكا التاريخية وصمودها.
الجمع بين ثيمات المقاومة والروحانية والحنين في قصائدها:
تتميز تجربة نهى عودة بقدرة فريدة على صهر الأبعاد العاطفية، والوطنية، والروحية في بنية جمالية واحدة متماسكة:
1 ـ المقاومة بالكلمة: تسعى في دواوينها مثل ديوان “امرأة النور ترمي النرد” إلى صياغة تاريخ موازٍ للوعي الفلسطيني يتجاوز التوثيق المادي الجاف للأحداث والمجازر، وينفذ إلى عمق الذات المقاومة لإعادة تعريف مفهوم النضال عبر الكلمة والتمسك بالأرض وحتمية الانتصار.
2 ـ الروحانية والنفحة الصوفية: تظهر الشاعرة في قصائدها كأنها تكتب بلسان “العاشق الصوفي” الذي يذوب في المطلق وفي حب الوطن؛ فتتحول الحروف والقصائد في نصوصها إلى طقوس وجدانية وإشارات وجودية، ويصبح اليقين بالنصر والتحرر أشبه بوعد صوفي ووطني معًا.
3 ـ الحنين والوجع الإنساني: يتحول الحنين في نصوصها، وفي روايتها “على قارعة الحنين”، إلى بنية فنية لاستعادة الذاكرة الفردية والجمعية والبحث عن الوطن المفقود عبر تجارب الشخصيات، وهي تصهر هذا الحنين والوجع الشخصي بالحب واليقين المطلق بالعودة؛ إذ تؤكد قصائدها مثل قصيدة “عكا والياسمينة”، أنَّ الفلسطيني لا يواجه الموتَ بالأسلحة فقط، بل بالحب والإنسانية أيضًا، حيث يتجاور رمز الحبيب والوطن ليصبحا وجهين لحقيقة شعورية ووجودية واحدة لا تنفصل فيها العاطفة عن الهوية.
ياسمينة عكا بين العلم والأدب
تجمع مسيرة الشاعرة العلمية بين حقلين قد يبدوان متباعدين، لكنهما تضافرا ليصنعا خصوصية أسلوبها الإبداعي؛ فهي حاصلة على شهادة البكالوريوس في علوم الكمبيوتر، ورغم شغفها باللغة العربية وتعلقها بالكلمة، إلا أنَّ ميولها الأكاديمية كانت تتجه نحو المعرفة العلمية؛ إذ كانت تميل إلى مواد الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والبيولوجيا، وتجد نفسها في عالم قائم على البحث، والتحليل، والاكتشاف.
وقد انعكس هذا التخصص الأكاديمي بشكل مباشر على أسلوبها في الكتابة والتفكير من خلال الجمع بين العقل العلمي والحس الإبداعي، ويتجلى هذا الأثر بوضوح في السمات الآتية:
تنظيم الفكرة ووضوح الرؤية: يمنحها التفكير المنهجي والتحليلي القدرة على بناء نصوصها وتطوير أفكارها بشكل منظم وواضح بعيدًا عن العشوائية.
التوازن الفني: يحقق أسلوبها تعادلًا دقيقًا يجمع بين هذا التنظيم العقلاني والمنهجي وبين العمق الوجداني والرمزية الشعرية.
الاقتصاد اللغوي الواعي: تمتاز قصائدها ببنية معقّدة ومحكمة تحتكم إلى تكثيف لغوي مدروس يوازن بدقة بين الفكرة وعاطفة النص.
أما زاوية “قصاصات لاجئة”، فهي زاوية أسبوعية تنشرها الشاعرة كل يوم خميس في جريدة “الأيام نيوز” الجزائرية، وتعد شكلًا من أشكال التوثيق الأدبي لواقع اللجوء والحياة داخل المخيمات الفلسطينية.
وتقوم هذه الزاوية على أبعاد إنسانية ووطنية عميقة تتلخص في:
استمرارية المعاناة: تنطلق الكاتبة من قناعة بأنَّ النكبة الفلسطينية لم تكن حدثًا تاريخيًّا انتهى بلحظة التهجير، بل هي مأساة يومية متواصلة يعيشها الفلسطيني في تفاصيل اللجوء، والحرمان، والمعاناة اليومية.
إبراز الوجه الإنساني للاجئ: تسعى القصاصات إلى تقديم صورة صادقة للاجئ الفلسطيني كإنسان نابض بالحياة يتمسك بكرامته وأحلامه بالرغم من قسوة الظروف، ويحرص على نقل ذاكرة وطنه وأمل العودة إلى أبنائه.
التنقل بين الفرح والألم: توثق الزاوية بصدق لحظات الفرح والانكسار، والذكريات الجميلة والمؤلمة، لتقدم لوحة واقعية تفيض بالوجع والصمود معًا.
امتداد التوثيق إلى قضية الأسرى: لم تقف كتابات الزاوية عند تفاصيل المخيم؛ فبعد استكمال سلسلة اللجوء، خصصتْ الشاعرة قلمها للكتابة عن قضية الأسرى الفلسطينيين ومعاناتهم الطويلة خلف القضبان، ووثقت ذلك بلقاءات واقعية أجرتْها مع عدد من الأسرى المحررين الذين أُبعدوا إلى مصر لتنقل قصصهم الإنسانية إلى وجدان القارئ العربي.
كيف أثرتْ دراسة القرآن الكريم على لغة نهى عودة وصوفيتها؟
يرتبط الإبداع الشعري عند الشاعرة نهى عودة بصلة وثيقة وجذور عميقة مسمتدة من القرآن الكريم؛ إذ لم يكن هذا الارتباط مجرد قراءة عابرة، بل شكّل رافدًا أساسيًّا صاغ هويتها اللغوية ووجّه مسارها الصوفي والروحي داخل نصوصها الأدبية، ويتجلى ذلك في الأبعاد الآتية:
1 ـ الأثر اللغوي والتناص مع النص القرآني
ترسيخ اللغة العربية وتقويتها: تؤكد الشاعرة أنَّ ارتباطها الوثيق ومحبتها العميقة للقرآن الكريم كان لهما أثر حاسم في تقوية ملكتها اللغوية وترسيخ لغتها العربية التي تعتز بها بوصفها جزءًا لا يتجزأ من كيانها وهويتها الوطنية.
التناص العفوي بعد ولادة النصوص: تذكر الشاعرة أنها كثيرًا ما تكتشف بعد فراغها من كتابة قصائدها وجود حالة من التناص الواعي وغير الواعي مع القرآن الكريم؛ حيث تفيض نصوصها بالمفردات، والصور البيانية، والإيقاع الروحي الذي اختزنته ذاكرتها من آيات الذكر الحكيم.
تجليات التناص اللفظي والديني: تبرز في قصائدها تعبيرات لغوية ذات دلالات دينية وقرآنية واضحة، مثل استخدامها لعبارات: “أنْ أرتل اسمًا، و”فكبرت على اسم…”، و”حتى أكون آخر المرسلين إليك”.
2 ـ تشكيل المفهوم الصوفي والروحاني في شعرها
الصوفية كحالة وجدانية لا كرموز مغلقة: في ديوانها “أنامل صوفية”، لا تلجأ الشاعرة إلى التصوف بوصفه أحجيات أو رموزًا طقوسية مغلقة، بل هو عندها انعكاس مباشر لتعلقها بالقرآن الكريم، والصوفية في تجربتها هي منهج تفكير وحالة وجدانية تعبر عن رحلة مستمرة للبحث عن السكينة، والنور، والمعنى في محراب الكلمة والإيمان.
اليقين والارتباط بالله كأمان روحي: أورثها التعلق بالقرآن والمدارات الروحية إيمانًا مطلقًا بأنَّ الله هو السند الدائم لها؛ فصاغتْ نصوصها لتجسد هذه المشاعر: فالخلاص يأتي في لحظات القهر، والأنس في أوقات الفراغ، والطمأنينة عند الاضطراب، والحمد عند الفرح.
معجم الروح المتسامي: تمتزج في قصائدها مفردات نورانية مستلهمة من المعجم القرآني مثل: (النور، والدعاء، والجنة، والملائكة، والطاعة، والشكر)، مما يرتقي بتجربتها من فضاء العاطفة الأرضية التقليدية إلى فضاء الحب الروحي المتسامي، ويظهر ذلك في شواهد لافتة مثل: “أنا امرأة النور”، و”تنير من نور ربها”، و”زينت الروح بحج العشق”.
الترتيل الصوفي وموسيقى النص: ينعكس هذا البعد على البنية الإيقاعية لقصائدها مثل نص “امرأة صوفية الهوى”؛ إذ تمتاز بموسيقى داخلية هادئة تشبه “الترتيل الصوفي”، مما يمنح نصوصها طابعًا قدسيًّا ووقارًا خاصًّا.
3 ـ صهر الصوفية بالبعد الوطني الفلسطيني
لعل أعمق ما أحدثه القرآن والروحانية في عالم نهى عودة هو تجسير العلاقة بين الديني والوطني؛ فالتحرر من الاحتلال وحتمية النصر لا تراهما الشاعرة مجرد فعل سياسي أو نضالي جاف، بل تصوغهما كـ “وعد صوفي رباني ووطني معًا” لا يطاله الشك أو النسيان.
أبرز محطات ديوان “أنامل صوفية”
في ديوان “أنامل صوفية”، تُقدم الشاعرة تجربة وجدانية وروحية فريدة؛ إذ جاء اختيارها للعنوان انطلاقًا من أنَّ “الأنامل” هي التي تخطّ الحرف، بينما “الصوفية” لا تمثل مذهبًا أو طقوسًا مغلقة، بل هي حالة وجدانية وسلوكية تعكس رحلة البحث عن السكينة، والنور، والمعنى في محراب الكلمة والإيمان.
وتتجلى في هذا الديوان محطات جمالية دلالية بالغة العمق:
القرآن الكريم كرافد أساسي: ينبثق الديوان من ارتباط الشاعرة الوثيق بالقرآن الكريم الذي أسهم في تقوية لغتها العربية وترسيخها، حيث يلمس القارئ في نصوصها تناصًّا وتأثرًا واضحًا بمفردات القرآن، وصوره الروحية، وإيقاعه الذي اختزنته ذاكرتها.
عالم صوفي متكامل: لا يقتصر الديوان على كونه كلمات منظومة، بل هو “كون موسيقي مفتوح” تُسمع فيه أصداء متصوفة كبار مثل “الحلاج” و”ابن عربي”، وتتحرك على صفحاته رموز الهوية والوجع الفلسطيني كالكوفية والناي والدمع.
ثنائية الفناء والبقاء: يظهر ذلك جليًّا في قصيدة “اللحن الضائع” التي تعكس ضياع الذات في الحب الإلهي والاتحاد بالوطن الذي يتحول إلى “المحبوب المطلق”، وفي المشهد الأخير للقصيدة تجسد الشاعرة مرحلة “البقاء بعد الفناء” حيث يولد الأمل من رحم الألم حين تقول: “سأرقص… وأنزع كوفيتي”.
تداخل الروحي بالوطني: تظهر نصوص مثل “جذع الروح”، و”تساقط الحنين”، و”ارتداء الحبيب وطنًا” لتكرس فكرة تحويل العشق الصوفي المتسامي إلى عشق خالص للأرض والوطن.
كيف يظهر “الغصن والبندقية” في شعرها؟
في ديوانها “غصن وبندقية”، يبرز تلاحم شعري وانفعالي دقيق يجمع بين رمزين متقابلين يمثلان ثنائية الحياة والمقاومة التي رافقتْ القضية الفلسطينية في مسيرتها الطويلة:
الغصن: يرمز إلى السلام، والحياة، والتجذر الراسخ في الأرض.
البندقية: ترمز إلى المقاومة، والتمسك بالحق، والرفض المطلق للاستسلام.
وتلتقي هاتان الثيمتان داخل العمل لتعبر عن الإيمان الثابت باستعادة الأرض والحق الذي لم يغادر وجدان الفلسطينيين مهما تعاقبتْ الظروف وتعاظمتْ التحديات.
أما عن كواليس اختيار الاسم، فتشير الشاعرة إلى أنَّ العنوان تسرب إلى نصوصها بشكل لا واعٍ بالرغم من وجود قصيدة في الديوان تحمل الاسم نفسه، وهي ترى أنَّ تأثرها الكبير بشخصية القائد الراحل ياسر عرفات ونضاله كان حاضرًا ومؤثرًا في هذا الاختيار ـ في إشارة إلى رمزيته الشهيرة بين غصن الزيتون وبندقية الثائر ـ مما يوضح كيف تمتزج الذاكرة الوطنية والقناعات الشخصية لتلد العناوين من أعماق الوعي واللاوعي معًا.
ديوان “امرأة النور ترمي النرد”
صدر هذا الديوان في القاهرة عام 2023م، ويضم ثمانية وثلاثين نصًّا شعريًّا ونثريًّا تتوزع موضوعاتها بين الوجداني والوطني والإنساني، ويقوم الديوان على ركائز فنية وموضوعية تميزه:
دلالة العنوان الثنائية: يقوم العنوان على مفارقة شعرية لافتة؛ فالمرأة هنا ليستْ ذاتًا فردية بل رمز للوطن، والأم، والحبيبة، و”النور” يعبر عن حالة داخلية من المعرفة والطهارة والأمل لمواجهة العتمة والقلق، بينما “النرد” هو رمز الاحتمالات، والمصير، والمفاجآت التي تضعنا الحياة أمامها.
صراع القدر والإرادة (ثورة النبض): يطرح الديوان تساؤلًا مركزيًّا: هل تصنع المرأة قدرها أم تستسلم له؟ فالشاعرة تمتلك نورًا داخليًّا لكنها مضطرة لخوض لعبة الحياة واختباراتها، وعندما يتعلق الأمر بالفلسطيني، فإنَّ رمي النرد لا يعود لعبة حظ عابرة، بل يصبح تعبيرًا عن التشبث بالوطن، ومواجهة التحديات والآلام والتهجير بيقين صلب لا يعترف بالصدف.
البنية الموضوعية للديوان: تنقسم النصوص إلى محاور رئيسة، يتصدرها محور الحب والانتظار كأوسع المحاور حضورًا مثل قصيدة “هاربة منك إليك” التي تختصر فلسفة الحب والبحث المستمر في الديوان، كما يعالج الديوان موضوعات إنسانية ووطنية دامية كالغربة، والتهجير، والخذلان العربي والعالمي، وألم الفقد، والمخيم، والشهيد، والأسر، مع التأكيد المستمر على حتمية الصمود والعودة.
التجلي الصوفي والوطني: يمتزج البعد الصوفي عبر مفردات النور، والدعاء، والجنة، والملائكة (مثل نصوص “أنا امرأة النور” و”تنير من نور ربها”) ليتحول الحب الأرضي إلى فضاء روحي متسامٍ، يكتب فلسطين ككينونة حية، وكحبيب، وكوعد رباني عصي على النسيان.
ملامح التأثر بالشهيد ياسر عرفات في دواوين نهى عودة
يظهر أثر القائد الشهيد ياسر عرفات “أبو عمار” بوضوح في وعي الشاعرة نهى عودة وفي نصوصها الإبداعية من خلال عدة تجليات:
التناص مع الخطاب التاريخي: يمثل ديوانها “غصن وبندقية” نموذجًا بارزًا لهذا التأثر؛ إذ يعتمد الديوان كخارطة طريق له على التناص مع الكلمة الشهيرة التي ألقاها ياسر عرفات في الأمم المتحدة: “جئتكم حاملًا بندقية الثائر بيد وغصن زيتون باليد الأخرى، فلا تُسقطوا الغصن الأخضر من يدي”.
التأثر اللاواعي والواعي بالرمزية: تؤكد الشاعرة أنَّ تأثرها الكبير بشخصية ياسر عرفات ومسيرته النضالية كان حاضرًا بقوة في عمق وجدانها، وتسلل بشكل مباشر وغير مباشر ليصوغ اختيار عنوان ديوانها “غصن وبندقية” كمعادل موضوعي للحالة الفلسطينية؛ فالغصن يرمز للحياة والسلام، والبندقية لحماية هذا الحق.
ترسيخ يقين العودة: تستحضر الشاعرة عبارات الشهيد الراحل المأثورة لتعزيز الأمل وحتمية النصر؛ حيث تستلهم مقولته التاريخية: “سيرفع شبلٌ من أشبالنا أو زهرة من زهراتنا علمَ فلسطين فوق مآذن القدس وكنائس القدس وأسوار القدس” كدلالة على بقاء القضية حية وتوارثها بين الأجيال.
النموذج الوجداني للعلاقة بين المثقف والسياسي: تستلهم نهى عودة في مسيرتها التلاحم بين الإبداع والعمل الوطني، وهو التلاحم الذي تجسد تاريخيًّا في العلاقة الوثيقة التي جمعتْ بين الرئيس الراحل ياسر عرفات والشاعر محمود درويش.
رمزية “الأنامل” و”الصوفية” في بناء قصائدها
تكشف عتبة ديوان “أنامل صوفية” عن ثنائية رمزية واعية تشكل معالم البناء الفني في نصوص الشاعرة:
رمزية الأنامل: تمثل الأداة والوسيط المادي المباشر للكتابة؛ فالأنامل هي التي تخطّ الحرف وتصنع الأثر على الورق.
رمزية الصوفية: لا تحضر الصوفية في قصائدها كمذهب ديني طقوسي أو كرموز وأحجيات مغلقة، بل هي حالة وجدانية وسلوكية عميقة تنعكس في النصوص، إنَّها تعبير عن رحلة البحث المستمر عن السكينة، والنور، والمعنى في حضرة الكلمة والإيمان.
الصوفية كإطار معرفي للذات: يتأسس بناء قصائدها على نزعة صوفية تتجاوز التقليدي إلى الوجودي، وتقوم على ثلاثة أركان رئيسة:
1 ـ البحث عن الخلاص كعملية لتطهير النفس.
2 ـ اتخاذ العزلة الداخلية كفضاء آمن للتأمل والقراءة العميقة للذات.
3 ـ نقد المألوف والسعي وراء الحقيقة الكامنة في المجهول.
المعجم والنغم الروحي: ينعكس هذا البناء الصوفي على إيقاع القصائد الهادئ الذي يشبه “الترتيل الصوفي”، كما تفيض نصوصها بمفردات نورانية متسامية مثل النور، والدعاء، والجنة، والشكر، لترتقي بالحب الأرضي التقليدي إلى فضاء الحب الروحي والمطلق.
جدلية “الفناء” و”البقاء” في قصيدة “اللحن الضائع”
تعتبر قصيدة “اللحن الضائع” (من ديوان “أنامل صوفية”) نموذجًا مكثفًا يدمج فيه التأويل الصوفي بالهمّ الوطني الفلسطيني؛ حيث تناولتْ ثنائية “الفناء والبقاء” بأسلوب فلسفي عميق:
مرحلة الفناء (ضياع الذات والهوية):
البعد الصوفي: يتجلى الفناء في تيه الذات الشاعرة وذوبانها بالحب الإلهي المطلق واستشعار المعاناة الوجدانية العميقة.
البعد الوطني: ينعكس الفناء في “ضياع اللحن” وتشتته بين رفوف الصمتِ، وهذا الضياع يرمز إلى الهوية الوطنية والمقاومة والذاكرة الجماعية المهددة بالتشويه أو الطمس والنسيان بفعل الاحتلال، والتهجير، والقهر المستمر.
مرحلة البقاء (ولادة الأمل من رحم الألم):
تتجسد ذروة البقاء والانتصار على الفناء في المشهد الأخير للقصيدة عندما تقول الشاعرة: “سأرقص… وسأنزع كوفيتي”، هنا يولد الأمل واليقين بالخلاص والانبعاث الجديد من قلب الوجع والفقد.
يتحول الفناء والضياع الروحي في النهاية إلى حالة بقاء واتحاد مطلق بالوطن؛ حيث يتلاشى الفارق بين الذات والآخر، ويصبح الوطن هو “المحبوب المطلق” الذي تسعى الروح للاتحاد والاندماج التام معه (ارتداء الحبيب وطنًا)، وبذلك يتحول التأمل الصوفي من مجرد هروب من الواقع إلى فعل مقاومة روحية تزرع اليقين بالتحرر والدحر الحتمي للمحتل.
إسهام مدارس الأونروا في تشكيل وعيها المبكر:
توضح الشاعرة نهى عودة أنَّ طفولتها في البدايات اتسمتْ بالتلقي الفطري قبل الوصول إلى مرحلة الإدراك الوجداني العميق، وفي غمرة تفاصيل الحياة اليومية للاجئين، لعبتْ مدارس الأونروا دورًا رئيسًا ومحوريًّا في صياغة وعيها المبكر بالقضية الفلسطينية؛ إذ كانت فلسطين حاضرة بقوة ومجسدة داخل أسوار هذه المدارس من خلال المحطات، واللوحات، والرموز التي كانت تملأ المكان وتؤثثه بالذاكرة.
ومن وسط هذه البيئة المدرسية الغنية بالرمزية الوطنية، بدأت تتشكل في وعي الطفلة أسئلتها الأولى التي أخذتْ تنمو معها بهدوء على مر السنوات لتتحول لاحقًا إلى قضية واعية:
“لماذا يرفرف العلم اللبناني إلى جانب العلم الفلسطيني؟” و”وما معنى أنْ تكون لاجئًا؟”.
الفرق بين منطق العقل ومنطق القلب في ديوانها “ولقلبي رأي آخر”:
يعكس عنوان ديوان الشاعرة “ولقلبي رأي آخر” ذلك الصراع الأزلي القائم في الذات الإنسانية بين سلطة العقل وعاطفة القلب، وتحدد الشاعرة الخلاف الجوهري بين المنطقين في رؤيتها الإبداعية كالتالي:
منطق العقل (سلطة العقل): يقوم العقل بوظائف الوزن، والتقنين، والحساب المادي الصارم، وترى الشاعرة أنه لو أُخضعتْ كل أحلام الإنسان، ومشاعره، وآماله العريضة لسلطة العقل وحدها وحساباته الجافة، لفقدتْ الكثير من جمالها، وعفويتها، ودفئها الإنساني.
منطق القلب (رأي القلب): ينفرد القلب بالقدرة على التقاط جوهر الأشياء الحقيقي؛ فهو الذي يهب تفاصيل الحياة الإنسانية معناها العميق، ورونقها الجمالي، ودفئها الخاص.
وتؤكد الشاعرة أنها في هذا العمل لا تسعى لانتصار أحد الطرفين على حساب الآخر بشكل كامل، بقدر ما تؤكد أنَّ حياة الإنسان تضم مساحات وجدانية لا يمكن قياسها أو حصرها بمنطق العقل وحده، ومع ذلك، تعلن انحيازها الصريح لأنْ يكون القلب السليم هو سيد الموقف في تجربتها؛ لإيمانها الراسخ بأنَّ القلب يبقى الأصدق في التعبير والقدرة على منح الحياة أثرًا جماليًّا يتجاوز تشوهات الواقع وقسوته.
وينطلق المنحى القلبي والوجداني في تجربة الشاعرة نهى عودة من رؤية فكرية عميقة تتجاوز مجرد التعبير عن مشاعر ذاتية عابرة، لتصنع من العاطفة والنبض موقفًا وجوديًّا ووسيلة للمقاومة والحفاظ على الهوية في مواجهة المنفى والشتات فالقلب عندها هو الأصدق والأقدر على التقاط جوهر الأشياء ومعانيها الإنسانية العميقة بعيدًا عن تشوهات الواقع وحسابات العقل الجافة.
ويمكننا استكشاف تجليات هذا المنحى الوجداني وبنيته الفنية المتماسكة عبر تحليل ثلاث قصائد نموذجية من أعمالها:
1 ـ قصيدة “كنتُ أكتبُ إليك بلا تردد” (أشواق على شرفة الضوء)
تقدم هذه القصيدة تجربة وجدانية شفيفة تفيض بالاعتراف والبوح الداخلي في مواجهة ألم الفقد والانتظار.
المنحى الوجداني والدلالي:
يرفض النبض القلبي هنا الانصياع لمنطق المسافات؛ فالحب والرسائل هما “النافذة التي تتنفس منها الذات”، والغياب ليس فناءً بل هو “احتمال آخر للحضور”، ويظهر الانحياز الصريح للقلب في نهاية النص حين تدرك الشاعرة بوعي ناضج أنَّ كرامة الذات تعلو فوق الاستسلام للوجع، فتقرر وضع حدٍّ للأمل الزائف بقولها: “أعلّق قلبي على شرفة الضوء وأمضي”.
البنية الفنية والجمالية:
التدرج الشعوري المتصاعد: يبدأ النص بنداء دافئ وتواصل حميمي “كنت أكتب إليك”، و”كنت أعود إليك”، ثم يتصاعد التوتر عبر مكاشفة ألم الانتظار وقسوته، وينتهي بلحظة القطيعة والفراق الواعي “صباح الكسر الذي لن يُجبر… وأمضي”.
لغة الانكسار الناضج: لا تسقط القصيدة في فخ البكاء الانهزامي، بل تمتاز بلغة مكثفة ومتقشفة من الزخرفة البلاغية الزائدة، متوهجة بالصور العاطفية المباشرة التي تحتفظ لـ “الأنا” الشاعرة بوقارها وعزة نفسها.
2 ـ قصيدة “معنى أنْ تحبّي ثائرًا” (صهر الوجع بالثورة)
في هذا النص، يتماهى المنحى العاطفي الفردي مع البعد الوطني الجماعي تماهيًا مطلقًا؛ فالقضية ليستْ خلفية للأحداث بل هي بنية الحب ذاته.
المنحى الوجداني والدلالي:
يخرج الحب هنا من “العزلة الرومانسية” التقليدية ليصبح اختبارًا وجوديًّا قاسيًا للروح تحت وطأة الخطر والمنفى، أنْ تحب امرأة فلسطينيًّا ثائرًا يعني أنْ تكون شريكة كاملة في معركة الفداء؛ فالمحبوبُ ليس مجردَ حبيبٍ، بل هو ثائرٌ، ومقاومٌ، ولاجئٌ، وشهيدٌ مُحتملٌ.
البنية الفنية والجمالية:
البنية التكرارية الفاعلة: يقوم النص على تكرار لازمة ” أنْ تحبي ثائرًا…”، هذا التكرار ليس حليّة لفظية، بل هو بناء دلالي يرسخ مركزية فكرة أنَّ العشقَ في زمن الثورة هو التزامٌ بالدم، ومواجهةٌ مستمرة مع الفقد والموت.
تزاوج معجميْ العشق والحرب: نجحتْ الشاعرة في تجسير الهوة بين مفردات متضادة فجمعتْ بين لغة السلاح والدم والشهادة (الرصاصات، واستشهادية، ومُحتل) وبين أرق مفردات العشق (شغوف، وركعة سجود، والنبض، والنضج، والورد).
تحولات الصورة الزمنية: يتجلَّى وعي الشاعرة في رسم صورة المرأة عبر أطوار زمنية متداخلة تعكس نضج التجربة وقسوتها؛ فتارة تظهر كـ “طفلة لا تأبه بالوقت”، وتارة كـ “عجوز أورق عكازها شجاعة”، وتارة كـ “صومعة اعتكاف” ترقب زقزقة رسائل الصباح.
3 ـ قصيدة “عكّا والياسمينة” (الحبيب مأوى ومعادلًا للوطن)
تعد هذه القصيدة النموذج الأكمل لتداخل الحب والوطن كوجهين لحقيقة شعورية واحدة؛ إذ يذوب الحبيب في الأرض والمدينة لتصبح ملامحه هي تفاصيل قريتها المهجرة.
المنحى الوجداني والدلالي:
تعلن الشاعرة منذ المطلع: “أحبُّ اللجوءَ فيك… فيضٌ من أملٍ أُرجّحه على عتباتك”، فاللجوء هنا لا يحمل دلالته الجغرافية البائسة، بل يتحول بفعل النبض القلبي إلى مرادف لـ “الأمان الوجودي والملاذ الروحي”، والوطن والحرية لا يمكن استعادتهما إلا بالحب والإنسانية.
البنية الفنية والجمالية:
التوظيف الرمزي للمكان (الاستعارة الكبرى): تبتكر الشاعرة صورة مركبة تجعل فيها “عكا التاريخية” معادلًا موضوعيًّا للقلب الشغوف: “فذاك الحصن المنيع في عكّا كان قلبي”، القلب مثل عكا، كلاهما حصنٌ منيعٌ وعصيٌّ على الاختراق والخذلان، يحمل تاريخًا طويلًا من الصمود والمقاومة.
طبيعة الصور المتجانسة: تستخدم الشاعرة صورًا مستمدة من الطبيعة الفلسطينية الحية (الورد، والياسمين، والنجمة، والغروب) ليس كزينة شكلية، بل لتصنع عالمًا ينبض بالحياة، يتماهى فيه عطر الياسمين مع رائحة دم الشهداء وصوت الفدائيين وهم يرشقون المحتل بالحجارة.
عن اللوحة ودلالاتها الفنية:
تجسد اللوحة جوهر لقب الشاعرة نهى عودة “ياسمينة عكا”، حيث تمزج في تكوينها البصري بين رمزي الصلابة والرقة:
أسوار عكا التاريخية شيدت من حجارة ذهبية دافئة ضخمة وعتيقة، تقف بشموخ لتواجه أمواج البحر الأبيض المتوسط، لتمثل رمزية الصمود، والقوة، والجذور الراسخة التي لا تقتلعها السنين.
أغصان الياسمين الأبيض الناصع بأوراقها الخضراء الحية تتسلق وتتغلغل برقة انسيابية بين شقوق الحجارة الصلبة، في إشارة بصرية واضحة إلى الجمال، والنقاء، والنبض الإنساني الذي يزهر رغمًا عن القسوة والتهجير.
ألوان الغروب الدافئة تنسكب بنعومة على المشهد، لتضفي مسحة من الروحانية والحنين الشعري الذي يغلف تفاصيل هذا التلاحم الرمزي البديع.
تجلي مفهوم “البقاء بعد الفناء” في نصوص الشاعرة: يظهر هذا المفهوم بوضوح في قصيدة “اللحن الضائع” من ديوان “أنامل صوفية”، حيث تعيد الشاعرة صياغة الفلسفة الصوفية الكلاسيكية وإسقاطها على الواقع الوطني الفلسطيني:
مرحلة الفناء: تتمثل صوفيًّا في ذوبان الذات الشاعرة وتيهها في الحب الإلهي المطلق، أما وطنيًّا، فيتجسد الفناء في ضياع الوطن وتشتت معالمه تحت وطأة الاحتلال والتهجير والقهر، مما يُهدد بتلاشي الهوية والذاكرة الجماعية.
مرحلة البقاء: تتجلى ذروة هذا المفهوم في المشهد الأخير للقصيدة عندما تعلن الشاعرة: “سأرقص… وسأنزع كوفيتي”؛ إذ يولد الأمل واليقين بالخلاص من رحم المعاناة والوجع الروحي، وهنا يتحول الفناء إلى حالة اتحاد مُطلق بالوطن، الذي يغدو هو “المحبوب الروحي” الذي تذوب فيه الذات لتستعيد كينونتها وتعلن بقاءها الأبدي.
دور المرأة الفلسطينية في حفظ الذاكرة الجماعية: تحتل المرأة الفلسطينية في فكر نهى عودة موقع الريادة؛ فهي لم تكن يومًا مجرد شاهدة عابرة على اللجوء والتشرد، بل شريكة كاملة في مشروع المقاومة الثقافية والوطنية، تحمل الكلمة كرسالة وموقف للأجيال القادمة، ويتلخص دورها التوثيقي في رصيد الشاعرة عبر مسارات عدة:
التصدي لمحو الهوية: ترى الشاعرة أنَّ التوثيق الأدبي للمرأة الفلسطينية هو مهمة نضالية ضرورية لحماية الذاكرة من التهويد والسرقة والتحريف الصهيوني المستمر.
موسوعة “شاعرات من بلادي”: قامتْ الشاعرة بإعداد هذه الموسوعة لتوثيق أصوات شاعرات فلسطين في الداخل والشتات والمهاجر، مؤكدة أنَّ كل شاعرة فلسطينية هي بمثابة “خنساء” تحمل وجع الثورة والفقد بيقين لا يلين.
المشاركة في “معجم أعلام النساء الفلسطينيات”: أسهمتْ الشاعرة في هذا المعجم (الذي جمعته السيدة غريد الشيخ) لتوثيق سير المناضلات، والقياديات، والكاتبات، والشاعرات، كأداة لحفظ التاريخ وبناء جسور تواصل روحي وتاريخي بين أجيال الفلسطينيين في الوطن والمنافي.
رمزية “الكوفية” و”الناي” في ديوان “أنامل صوفية”: توظف الشاعرة رمزي الكوفية والناي في قصيدة “اللحن الضائع” كأدوات سيميائية تجمع بين النبرة الروحية والالتزام الوطني:
الناي: يظهر الناي أولًا في حالة انكسار وتلف ليدل على ضياع الفرح وتشتت الهوية الأصلية بفعل القهر واللجوء، لكنه سرعان ما يستعيد عافيته الروحية؛ إذ تعلن الشاعرة أنها “سترقص على وقع الناي من جديد” كرمز لاستعادة التوازن واليقين بالتحرر والنصر.
الكوفية: تمثل الكوفية الرمز المادي والتقليدي للمقاومة والهوية وفي حركة شعرية رشيقة، تقول الشاعرة: “وسأنزع كوفيتي، وأرتدي الحبيب وطنًا”، ونزع الكوفية هنا ليس تخليًا عن النضال، بل هو انتقال صوفي من الرمز المادي الخارجي (الكوفية) إلى مرحلة “الاندماج المطلق بالوطن” (ارتداء الحبيب وطنًا)، إنه تخلٍّ عن الفردية للوصول إلى مرتبة الفناء والتوحد التام بالتراب السليب.
تُعدُّ قصيدة “أكتبُ من غيابةِ الجُب” المتفجرة من ديوانها “امرأة النور ترمي النرد” واحدة من أشد نصوص الشاعرة نهى عودة عصفًا وألمًا؛ حيث ترتقي فيها بالكلمة من مستواها التعبيري الذاتي لتصبح صرخة نقدية وجودية ووثيقة إدانة صارخة لواقع الخذلان المحيط بالقضية الفلسطينية.
تحليل قصيدة “أكتب من غيابة الجب” وتناصها الديني
تستدعي الشاعرة في هذا النص المتخيل الديني والتاريخي عبر قصة النبي يوسف -عليه السلام-، لكنها لا تكتفي باستحضارها السلبي، بل تعيد إنتاجها وصياغتها بشبكة إسقاطات سياسية ووجدانية بالغة المرارة والذكاء:
ديناميكية “الكتابة” داخل “الجب”: يبدأ النص بالفعل المضارع “أكتبُ” الذي يحمل دلالة الاستدامة، والحركة، والمستقبل؛ فالكتابة هنا ليستْ ترفًا جماليًّا، بل هي أداة حفر وجودية ومحاولة قسرية للخروج من العزلة المطبقة التي فرضها المنفى والخذلان على الفلسطيني.
“الجب” كمعادل للمنفى والاضطهاد: ترمز “غيابة الجب” سيميائيًّا إلى قاع المعاناة الإنسانية، وظلمة اللجوء، وتواطؤ ذوي القربى، ويتحول الجب في النص من حيز مكاني ضيق إلى مساحة قهر جماعي يعيشها اللاجئ الفلسطيني المشرد.
تفاصيل التناص الرمزي: تُعيد الشاعرة توزيع أدوار قصة يوسف التاريخية على الواقع المعاصر بشكل دقيق:
يوسف: هو الرمز الديناميكي لفلسطين والذات الشاعرة النقية المعذبة.
الإخوة غادرو الوفاء: يمثلون أبناء الجلدة الواحدة الذين تآمروا على الضحية وتخلوا عنها لإخلاء الساحة؛ “والأخوة غدروا بنا / رمونا في غيابة الجب”.
يعقوب: يرمز الأب المنتظر والباكي إلى غياب السند والحماية الروحية والوطنية؛ “ويعقوبنا مات”.
العزيز: يمثل غياب المنقذ والملاذ الآمن من براثن الظلم؛ “عزيز ما عاد هناك”.
توظيف الرموز الدينية في نقد الواقع العربي
تلجأ نهى عودة إلى صياغة لغة نقدية لا تستعلي بالبلاغة الجافة، بل تفكك عبر الرموز الدينية البنية الثقافية والسياسية للأمة العربية:
تعرية “الشعارات الجوفاء” والتدين الظاهري: تطلق الشاعرة تساؤلات استنكارية لتعرية زيف الوحدة الشكلية:
“هل تملكون اللون نفسه / ونحج إلى الكعبة ذاتها / ونصلّي على نبيّنا سويًّا؟ / هل يجري الدم ذاته فينا؟”، إنها تدين هنا “التدين الظاهر” و”الانتماء القومي الشكلي” الذي يسقط أخلاقيَّا وتتلاشى قيمته الفعلية عندما تُشل الأيدي عن دفع الظلم ومواجهة الأعداء، وتتحول القواسم المشتركة الكبرى إلى مجرد طقوس بلا روح.
دلالة “زليخة”: تتحول “زليخة” في البنية الرمزية العميقة للقصيدة إلى رمز للدول والأنظمة العربية المعاصرة؛ “وكل دولنا العربية زليخة”، إنها تمثل “سلطة الغواية المجهضة” والمحيط الخارجي المنافق الذي يحاول إكراه الذات الطاهرة (فلسطين) على الاستسلام والدخول في دائرة الدنس السياسي، وحين ترفض فلسطين هذا الانصياع للغواية، يكون عقابها الإقصاء والتآمر؛ “والسجن تكدس بالشهداء”.
غياب معجزات الخلاص (موسى والبحر): يمتد التناص الديني لينتقد العجز العربي المطلق باستدعاء رموز الخلاص التوراتية والقرآنية: “وعصا موسى دفنتْ معه / فأطبق البحر والسجن علينا”، تلاشتْ المعجزات، وتحول “البحر” من أداة إنقاذ وانفلاق إلى قيد إضافي يطبق على الضحايا مع جدران السجون.
سيميائية “زوجة الأب”: تستعين الشاعرة برمز “زوجة الأب” كبديل مشوه ومزيف عن “الأم/الوطن الأًصيل والملجأ الآمن”، وزوجة الأب تمثل “الوصاية الهجينة والزائفة للأنظمة” التي تدير مصير الفلسطيني بالحديد والنار والقمع بلا رابطة حب أو حنان حقيقي.
دلالة استحضار قصة يوسف -عليه السلام- في شعرها
يكتسب استحضار قصة يوسف بُعدًا فكريًّا ونفسيًّا يتلخص في:
تشخيص مأساة “الغدر والمؤامرة”: يمنح الوجدان الفلسطيني صيغة فنية للتعبير عن أعمق آلامه؛ وهي أنَّ الطعنة لم تأتِ من الغريب (المحتل) فحسب، بل جاءتْ أولًا من “الإخوة” الذين ألقوا بيوسف في بئر الشتاتِ والمنفى واللجوء.
التحول من الضحية إلى النصر الحتمي: بالرغم من كل ملامح الانكسار والتمزق، ترفض الشاعرة إنهاء النص بالبث الشكواني المستسلم.
إنَّ مسار قصة يوسف التاريخية يذكر بالخروج الحتمي من الجب إلى التمكين؛ ولذلك يقفز النص في نهايته بيقين صوفي وطني صلب نحو وعد النصر: “سنتمرد عليها / وسننتصر / هو وعد ربي / وكل الطرق إلى القدس تمرُّ بنا”، وهنا يتغلب يقين العودة والإيمان الصوفي على ظلمات “الجب” والخذلان العربي.
شكرا للصديق ناصر رمضان، وشكرًا للأديبة الفلسطينية المناضلة نهى عودة على هذه السياحة الممتعة في رحاب الأدب والفكر والنضال الواعي بالكلمة في شتى تجلياتها، مع خالص مودتي وتقديري.














