السرد وجماليات المكان
مقاربة في كتابي الدكتورة زبيدة الفول
” أدب الرحلة”
د. ندى محمَّد صالح/ سورية
أولا: التعريف بأدب الرحلة: يعدُّ أدب الرحلة من أهم الفنون النثرية التي قاربت الحياة بكل تفاصيلها، إذ يعمد الكاتب على وصف رحلته بأسلوب سردٍ يحمل من المتعة والغرابة، ما هو كفيلٌ بجذب المتلقي الذي يسافر معه ليشاركه تفاصيل رحلته فغالباً ما ” يتعرَّض فيها لوصف ما يراه من عادات وسلوكٍ وأخلاق… ويعدُّ أدب الرحلة، إلى جانب قيمته الترفيهيَّة أو الأدبيَّة أحياناً مصدراً مهمَّاً للدراسات التاريخيَّة المقارنة”
مقدمة الدراسة
يتحرك المكان في المنجز القصصي للكاتبة، بوصفه بنيّة ديناميكية تتجاوز الهندسة الصامتة، لتتحول إلى فضاء سيكولوجي، وعمق فلسفي ينتج الدلالة، ويوجه وعي الذات الساردة، نحو أبعادٍ لا متناهية على المستويين الإنساني والحضاري، مما دفع هذه الدراسة نحوَ تطبيق منهج نقدي مقارن يتتبع جماليات الفضاء، ويسبر تشكيلاته، في كتابين مختلفين للكاتبة، مقارباً قصَّة واحدةً في كلٍّ منهما القصة الأولى (حين جاورتُ مسجد السيدة زينب) بوصفها نموذجاً لـ “المكان الروحي والملاذ الشعبي”، والقصة الثانية (حين نطقت الآثار: في أروقة المتحف المصري الكبير) بوصفها نموذجا لـ “المكان الحضاري ومدار الخلود الكوني”.
المحور الأول: فضاء السكينة الروحية والالتحام الشعبي (قصة مسجد السيدة زينب)
تفرز بنية النص السطحيَّة فضاء المسجد والحي المحيط به بوصفه فضاءً داخلياً، حميمياً، ومؤنسناً، تتبدى أبعاده الجمالية عبر:
1. انفتاح المعمار وتعدد الدلالة: تنزع الكاتبة جمود المادة عن عناصر المسجد؛ فالمحراب “يتنهَّـد”، والقبَّة ” قمر هرم من فرط السهر على الدعوات”، وصوت المكان “خارج من كتاب مبلل بالبخور”. يتحول المعمار هنا إلى ذات تسرد الوجع وتواسي الذات الإنسانية، بل تتكامل معها.
2. شعرية العتبة والاندماج الشعبي: تمثل عتبة المسجد حداً تخلع عنده مدينة القاهرة ضجيجها اليومي لترتدي “قلباً من خشوع”، حيث تتحرك الذات فوق “بلاط الطمأنينة”. ويمتد هذا الفضاء الخارجي ليمزج بين الروحي والدنيوي، حيث تتشابك “رائحة الفول الساخن” مع “رائحة العود”، ليتحول الحي إلى كائن حي “له ذاكرة تتسع لكل المنكسرين”.
3. تسامي الفضاء كمرآة للنفس: في خاتمة القصة، يفكك المكان المفهوم التقليدي للقداسة معلناً أنها ليست في “ارتفاع القباب بل في اتساع القلب للإنسان”، ليرتقي السرد في محراب الروح، حيث يتشكل الفضاء الأكثر رحابةً، والأكثر نقاءً، الذي يتجلى في إبداع الكاتبة لنهاية تليق بعمق المكان فهي “لم تزر مقاماً… بل زارت نفسها”، ويتحول المكان إلى دعاء أزلي يرافقها مانحاً القلوب المرهقة متسعاً من الرحمة.
المحور الثاني: فضاء الأثر الكوني وبوابة العبور الحضاري (قصة المتحف المصري الكبير)
على الجانب المقابل، يقدم الكتاب الآخر فضاءً معمارياً حداثياً عملاقاً، تنفتح جمالياته على أبعاد فلكية وحضارية، تروي عمق البلد وتجذر الإنسان
1. المكان بوصفه بوابة عبور زمني: من اللافت ارتفاع لغة السرد عند الكاتبة فهي تجعل من المكان “بوابة بين زمنين” تنقلها من ضجيج الحاضر إلى صمت الماضي المهيب “الممتلئ” بالهيبة والوقار.
2. سيميائية المرآة البصرية والدرج العظيم: تحول الكاتبة الواجهة الزجاجية المعاصرة للمتحف إلى “مرآة كونيّة” تعكس الأهرامات القريبة، كأن الماضي يحدق في الحاضر بـ “عين حجرية لا تنام”. ويتعزز هذا الارتقاء حركياً وبصرياً عبر “الدرج العظيم” الذي يمنح إحساساً بـ “العظمة دون ادعاء والقوة دون صخب”.
3. الفضاء والعبور الفلكي والتقني: ينفلت المتحف من وظيفته التقليدية ليصبح “كوكباً أثرياً يدور في مدار الخلود”، وينطق تمثاله الملكي بصوت كـ “دقات الطبول القديمة”، بينما تنطق مركب خوفو بـ”صوت مائي حالم” لتؤكد أن المعمار المصري لم يُشيد للتراب، بل كان “يبني للسماء ويزرع في الحجر أحلاماً طائرة”. ويتحول الفضاء في قاعته الكبرى إلى “مسرح للزمن” وجسر يربط بين (المومياء والتكنولوجيا) لتتحول المادة إلى تجربة حسية تُرى وتُلمس وتُحس
المحور الثالث: الرؤية المقارنة وجدلية الفضاءين (الروحي والحضاري)
القصة الأولى (مسجد السيدة زينب) القصة الثانية (المتحف المصري الكبير)
طبيعة وجوهر الفضاء فضاء داخلي، شعبي، روحي، قائم على الوجع البشري والسكينة. فضاء خارجي، حضاري، كوني، قائم على إثارة الدهشة والخلود.
بلاغة الهوية الصوتية صوت ديني تعبدي عتيق كأنه “خارج من كتاب مبلل بالبخور” ومستند للرحمة. صوت ملكي مهيب كـ “دقات الطبول القديمة” وصوت جمعي يشبه “صدى الحضارات”.
تأويل الذاكرة المكانية ذاكرة عاطفية إنسانية ممتدة وعميقة تتسع لاحتواء المنكسرين والفقراء. ذاكرة تاريخية وحضارية منقوشة في صلب الحجر والذهب، ومربوطة بشاشات التكنولوجيا المعاصرة.
جدلية حركة الذات حركة وئيدة، تأملية خاشعة، تمشي بالقلب لتكتشف خبايا وأعماق النفس. حركة ارتقائية تصاعدية (الدرج العظيم) وعبر الحواس (اللمس الزجاجي) لاستحضار عظمة التاريخ.
تحولات الذات عند الخروج الذات تتحرر وتنعتق تماماً وتعود لأصلها النوراني: “قلبي أخف من جناح حمامة… زرت نفسي”. الذات تكتسب تحولاً فيزيائياً مهيباً: “أثقل بالمعرفة، أخف بالدهشة، وأطول قامة في معنى الانتماء”.
فلسفة العبور وطقوسه العبور من صخب المدينة (المدنس) إلى بلاط الطمأنينة (المقدس) طلباً للتطهير النفسي. طقس عبور من سطح الحاضر إلى عمق الجذور، ومن عيون ترى الأشياء إلى روح تفهمها.
________________________________________
خاتمة الدراسة
تكشف القراءة التفكيكية المقارنة بين كتابي الكاتبة عن استخدام استثنائي واعٍ للهندسة المكانية وسيمياء
المعمار في النص الأدبي. فقد استطاعت عبر لغتها الشاعرية المكثفة واعتماد الدلالة بشكل دينامي يضمن سيرورة المعنى وعمق السرد، وإبراز العمق الجمالي من خلال تراسل الحواس، أن تجعل من مسجد السيدة زينب واحة وجدانية دافئة وملاذاً مأهولاً بدموع البشر، وعواطفهم المتحررة من ثقل العالم، بينما قاربت المتحف المصري الكبير، بأسلوبٍ سردٍ ناضجٍ ليكون مداراً كونياً يتحدى، الفناء ومسرحاً حياً للزمن يخرج منه الإنسان أثقل بالمعرفة وأطول قامة في معنى الانتماء. وفي كلا النصين، يثبت أدب الكاتبة أن المكان ليس ديكوراً خلفياً، بل هو بوابة مشرعة نحو المطلق والهوية والخلود.














