لم يكن العام الدراسي في المدارس الرسمية في لبنان بحاجة إلى أزمة جديدة تُضاف إلى أزماته المتراكمة، إلا أنّ القرار الذي اتُّخذ عشية انطلاق العام الدراسي، والقاضي بعدم التحاق عدد كبير من المتعاقدين على الصناديق والمتعاقدين والمستعان بهم، وضع المدرسة الرسمية أمام واقع تربوي بالغ الخطورة، وترك آلاف الطلاب والأساتذة والإدارات في مواجهة أسئلة لا تزال بلا أجوبة واضحة.
الحديث يدور عن نحو 3500 أستاذ طالهم قرار عدم الالتحاق، في وقت كانت المدارس الرسمية تستعد لفتح أبوابها واستقبال الطلاب. والسؤال هنا ليس فقط: ماذا سيحلّ بالأساتذة الذين توقّفوا عن العمل؟ بل السؤال الأهم: ماذا سيحلّ بالطلاب الذين وجدوا أنفسهم في مدارس لا تستطيع تأمين كامل ملاكها التعليمي؟
ففي عدد من المدارس، أصبح الدوام الفعلي لا يتجاوز أربع ساعات يوميًا نتيجة النقص في الكادر التعليمي. وفي مدارس أخرى، بات النقص أكثر وضوحًا في المواد نفسها.
هناك صفوف، ومنها الصف التاسع في بعض المدارس، لا يحصل طلابها على مادتي الرياضيات واللغة العربية بصورة منتظمة أو كاملة. بل إن الحلقة الثالثة في بعض المدارس تواجه نقصًا في مواد أساسية، فيما تغيب في مدارس أخرى مواد كالعلوم أو الكيمياء أو علوم الحياة أو اللغة الإنجليزية.
وهنا لا نتحدث عن تفصيل إداري صغير، بل عن مواد دراسية كاملة قد يجد الطالب نفسه محرومًا منها.
والأخطر أن هذا الواقع لا يبدو موحّدًا بين المدارس.
هناك مدارس تستقبل الحلقة الثانية والثالثة فقط، فيما تعمد مدارس أخرى إلى تعطيل الحلقة الثانية واستقبال الحلقة الأولى والثالثة. وهناك مدارس لم تستقبل أطفال الروضات أصلًا. وهذا يعني أن شكل العام الدراسي نفسه بات يختلف من مدرسة رسمية إلى أخرى.
هذه المعطيات ليست مجرد انطباعات متداولة؛ فقد عاينت شخصيًا واقع ثلاث مدارس في منطقة جبل لبنان، وظهر بوضوح التفاوت في آليات الاستقبال والدوام والحلقات والمواد التعليمية بين مدرسة وأخرى.
وهنا تظهر المشكلة الأخطر:
لم يعد الطالب في المدرسة الرسمية يحصل بالضرورة على التعليم نفسه الذي يحصل عليه طالب آخر في مدرسة رسمية أخرى.
طالب لديه أستاذ رياضيات، وآخر لا يملك هذا الأستاذ.
طالب يتلقى اللغة العربية، وزميله ينتظر تأمين أستاذ المادة.
طالب يدرس العلوم، وآخر لا تتوفر له هذه المادة.
طالب يتابع اللغة الإنجليزية، وآخر محروم منها.
وطفل يدخل إلى الروضة في مدرسة، فيما يُحرم طفل آخر من الالتحاق بها في مدرسة رسمية أخرى.
فأي عدالة تربوية نتحدث عنها إذا كان اسم المدرسة الرسمية واحدًا، لكن مضمون التعليم الذي يحصل عليه الطالب يختلف من مدرسة إلى أخرى؟
حين يصبح الأستاذ نفسه أمام الوعود
ولا تقف المشكلة عند الطالب وحده. فهناك أيضًا أساتذة متعاقدون على الصندوق يجد بعضهم نفسه أمام ضغوط من إدارات مدارس للعودة إلى إعطاء الساعات، مع وعود بأن رواتبهم أو بدلاتهم ستُغطّى من البلديات أو من جمعيات أو جهات أخرى.
وهنا تبرز أسئلة مشروعة:
من سيتحمّل هذه الرواتب فعليًا؟
هل هناك قرار رسمي واضح؟
ما الجهة التي ستدفع؟
وما الأساس القانوني والمالي لهذا التمويل؟
وهل يحق للأستاذ أن يبني قراره المهني على وعود شفوية لا يعرف مدى قدرتها على الاستمرار؟
لا يجوز أن يجد الأستاذ نفسه بين مطرقة الحاجة إلى العمل وسندان وعود لا يملك ضمانات تنفيذها.
والسؤال الأكبر: لماذا الآن؟
إذا كانت الوزارة قد أدركت وجود فائض أو نقص أو خلل في توزيع الأساتذة، فلماذا لم تُجرَ الإحصاءات والمسوح الميدانية خلال الصيف؟
لماذا الانتظار حتى الأيام الأخيرة التي سبقت انطلاق العام الدراسي؟
لماذا لم تُرسل إلى المدارس استبيانات واضحة تحدد عدد الطلاب، وعدد الأساتذة، والمواد التي تحتاج إلى مدرسين، والحلقات التي يمكن تشغيلها، والمواد التي لا يمكن تأمينها؟
لماذا لم تُجرَ المقابلات اللازمة مع الإدارات والأساتذة والجهات المعنية قبل اتخاذ القرار؟
إن التخطيط التربوي لا يبدأ عشية افتتاح المدارس.
التخطيط يبدأ قبل أشهر.
فإذا كانت الوزارة تمتلك اليوم أرقامًا ودراسات تحتاج إلى تحليل، فلماذا لم يبدأ جمع هذه البيانات منذ نهاية العام الدراسي السابق؟ ولماذا لم تُستثمر العطلة الصيفية في بناء قاعدة معلومات دقيقة تسمح باتخاذ قرار مدروس قبل وصول الطلاب إلى الصفوف؟
وهنا لا بد من سؤال آخر، ربما يكون أكثر إيلامًا:
ما قيمة كل هذا الجهاز الاستشاري إذا كان القرار التربوي المصيري يُتخذ قبل يوم واحد تقريبًا من انطلاق العام الدراسي، ثم نكتشف بعد بدء الدراسة أن مدارس بلا أساتذة، وصفوفًا بلا مواد، وحلقات معطلة، وطلابًا لا يحصلون على ساعاتهم التعليمية كاملة؟
السؤال هنا ليس للتجريح في أحد، بل للمساءلة حول آلية صنع القرار.
فالوزيرة لا تعمل منفردة، بل تحيط بها أجهزة إدارية واستشارية يفترض أن تساعد في جمع المعلومات وتحليلها واستشراف النتائج قبل اتخاذ القرارات. وإذا كانت هناك ستة مستشارين أو أكثر ضمن فريق الوزارة، فالسؤال الطبيعي هو: أين كانت الدراسات والتقديرات والاستعدادات التي يفترض أن تسبق قرارًا بهذا الحجم؟
الإصلاح لا يكون على حساب الطالب
لا أحد يعترض على تنظيم التعليم الرسمي أو على مراجعة آليات التعاقد أو معالجة الخلل في توزيع الأساتذة.
لكن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بترك الصفوف من دون معلمين، ثم البحث بعد ذلك عن البدائل.
الإصلاح يبدأ بالإحصاء، ثم التقييم، ثم التخطيط، ثم التواصل، ثم التنفيذ التدريجي.
أما أن يبدأ العام الدراسي، وتبدأ معه عملية البحث عن حلول للنقص في الأساتذة والمواد والساعات، فهذا يعني أن الطالب أصبح جزءًا من تجربة لم تُحسم تفاصيلها بعد.
والطالب لا يعنيه نوع العقد الذي يحمله أستاذه.
لا يعنيه إن كان الأستاذ متعاقدًا أو مستعانًا به أو يعمل على صندوق المدرسة.
ما يعنيه أن يدخل إلى صفه فيجد أستاذه، وأن يحصل على الرياضيات والعربية والعلوم واللغات وسائر المواد التي ينص عليها برنامجه، وأن يتلقى عدد الساعات التي يستحقها.
فالمدرسة الرسمية ليست مجرد مبنى مفتوح الأبواب.
المدرسة الرسمية وعدٌ بالعدالة.
وعندما يختلف حق الطالب في التعليم باختلاف المدرسة التي التحق بها، نكون أمام مشكلة تتجاوز قضية الأساتذة والعقود، لتصبح قضية حق أساسي في التعليم المتكافئ.
لذلك، المطلوب اليوم ليس المزيد من الانتظار، ولا المزيد من الوعود، ولا الاكتفاء بالقول إن الوزارة “تدرس الموضوع”.
المطلوب خطة واضحة ومعلنة، تتضمن جدولًا زمنيًا لمعالجة النقص، وتحديد حاجات كل مدرسة، وتأمين المواد الأساسية، وإعادة تنظيم الدوام، وتوضيح مصير الأساتذة الذين شملهم القرار، وتحديد المسؤولية القانونية والمالية عن أي تمويل بديل.
والسؤال الأخير الذي يجب ألا يضيع وسط كل هذه التفاصيل:
إذا كان القرار قد احتاج إلى كل هذه المعالجات بعد بدء العام الدراسي، فلماذا لم تُجرَ هذه الدراسات قبل ثلاثة أشهر، خلال العطلة الصيفية؟
وإذا كان الإصلاح ضروريًا، فليكن إصلاحًا يحمي المدرسة الرسمية، لا إصلاحًا يدفع ثمنه الطالب والأستاذ معًا.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للتعليم الرسمي ليس أن يواجه أزمة عابرة، بل أن نعتاد عليها، وأن يصبح غياب المعلم أمرًا طبيعيًا، ونقص المادة أمرًا عاديًا، واختصار الدوام أمرًا مقبولًا، واختلاف حق الطالب من مدرسة إلى أخرى أمرًا لا يستدعي السؤال.
فمن يحمي حق الطالب في التعليم عندما يصبح القرار متأخرًا، والبديل غائبًا، والدراسة مؤجلة إلى ما بعد بدء العام الدراسي؟













