هذيان /سمية عمر عكاشة

اليوم

2
الأسبوع

2
الشهر

2
السنة

2
الإجمالي

2

أنت لست درّةً يتيمةً فحسب
بل شذوذٌ جميلٌ في قانون الأشياء واستثناءٌ لم تألفه نواميس الوجود
فيك من جموح الطوفان ما يُرعب السواكن ومن سكينة المقابر ما يُربك العاصفة كأنّ روحكِ صيغت من تناقضين تعاهدا ألّا يتصالحا فكان منكِ ذلك الفتون الموحش الذي لا يُدركه عابرٌ ولا تستوعبه بصيرة.
تُشبهين ليلا لا يُفضي إلى فجر وغموضا كلّما ظننتُ أنني بلغتُ منتهاه انشقت في جدار أسراره هاويةٌ أخرى
ولعلّ أكثر ما يفتك بالمرء فيكِ ليس جمالك بل ذلك الكبرياء المستتر خلف هدوئك وتلك الوحشة النبيلة التي تجعلك عصيّةً على الاستئناس كأنكِ خُلقت لتكوني سؤالًا لا إجابة ودهشةً لا يألفها التكرار
أنت من أولئك الذين لا يمرّون في الذاكرة بل يُحدثون فيها تصدّع فلا يعود القلب بعدهم على هيئته الأولى
وفيك اغترابٌ لا تشبهه المنافي وسَديمٌ من الأسرار لا تُبدّده شمس اليقين كأنك تنتمين إلى عالمٍ موازي لم تُدركه الحواسّ ولم تطأه أقدام المألوفين تحملين في ملامحك مفارقةً وجوديةً عصيّةً على التأويل فتارةً تبدين كالسكون الذي يسبق انبجاس الكارثة وتارةً كالعاصفة التي أضناها الصخب فآثرت الصمت
لكِ من المهابة ما يجعل الاقتراب منك ضربا من المجازفة ومن الاستعصاء ما يُبقيك بمنأى عن أيدي التملّك فلا تُستمالين بمديحٍ عابر ولا تُستدرجين إلى قوالب صاغها الآخرون ليطمئنّوا إلى ما يعجزون عن فهمه
كأنّك خُلقت لتُناقضي العالم لا لتتوافقي معه؛ ترفضين أن تكوني نسخةً مستأنسةً من أحد وتستمدّين من تمرّدك شرعية وجودك ومن وحدتكِ عرشا لا يحتاج إلى مملكة
ويا لغرابة هذا الجمال حين يمتزج بالدُّجى فليس كلّ ما يفتن العين يُطمئن الروح وليس كلّ ما يبعث الطمأنينة جديرا بالافتتان بعض الأرواح تُشبه الهاوية لا تدعوك إلى السقوط بقدر ما تُريكَ كم كنتَ قريبا منها دون أن تدري
وأنت على نحو ما من تلك الهاوية الجميلة كلّما حاولتُ فكّ شيفرتك وجدتني أُمعن في التيه وكلّما توهّمتُ أنني أحطتُ بسرّك أدركتُ أنّ بعض الأسرار لا تُخلق لتُكشف بل لتظلّ معلّقةً بين الدهشة والرهبة كنجمةٍ تأبى أن تُدركها يد.
ولعلّ مأساتك الجميلة أنّكِ لا تبحثين عمّن يفهمك بقدر ما تبحثين عمّن لا يُفسد غموضكِ بمحاولات الفهم عمّن يستطيع أن يقف أمام عتمتك دون أن يستعجل إشعال فتيل وأن يُصغي إلى صمتك دون أن يُطالبك بتفسيره.
فأنت لست امرأةً تُختصر في وصف ولا حكاية تُطوى بانتهاء صفحاتها أنتِ أثرٌ عصيّ وفتنةٌ لا تستقرّ واحتمالٌ مفتوحٌ على ما لا نهاية له.
ولعلّ أصدق ما يُقال فيك
إنك لا تشبهين أحدا لأنك لم تُخلقي لتكوني شبيهةً بأحد؛ بل لتظلي ذلك الاستثناء الذي يُذكّر العالم بأنّ الجمال أحيانًا لا يأتي في هيئة النور وأنّ أكثر الأشياء سحرا قد تكون تلك التي لا نملك لها اسما
بقلم
سمية عمر عكاشة
الجزائر

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا
تواصل معنا
استماع إلى المقال
1.00x