عزاء لروحٍ لم تُوارَ الثرى
حين تيتمت بغداد برزيّةِ بيت الحكمة ..
بقلم / دعاء هزاع الجابري – اليمن
في قلب بغداد حيث كان الزمن يكتب نفسه بالحبر لا بالسنين ، ولد بيت لم يكن كسائر البيوت بل كان روحا تتنفس علما وعقلا يتسع لأسئلة الكون بأكمله ، لقد كان ذلك البيت ” بيت الحكمة ” ، الذي لم يكن جدرانا شيدت بل كان أفقا فتحت ، حيث لم تكن هناك الكتب تقرأ فحسب بل كانت تنصت ، تحاور ، تجادل ، وتعيد خلق العالم من جديد ، ففي أروقته تلاقت اللغات كما تتلاقى الأنهار ، فاليونانية تصافح العربية والفارسية تهمس في أذن السريانية وجميعها تنصهر في بوتقة البحث عن المعنى ، فلم يكن بيت الحكمة مكانا بل كان ” حالة ” حالة من الشغف اللامحدود ومن الإيمان بأن المعرفة هي الطريق الوحيد نحو الخلود
فبغداد … آه يا بغداد ، لم تكن مجرد مدينة تحتضنه بل كانت هو بحد ذاته ، فقد كان يسري في شوارعها كما يسري النبض في العروق ، كانت مآذنها تحفظ صدى العلماء ، وأزقتها تعرف وقع أقدامهم ، ولياليها تتوهج بمصابيح الفكر لا بمصابيح الزيت ، وكأن بغداد كانت تخفي بيت الحكمة في روحها وتظهره للعالم في هيئة مدينة ، فهناك بين صفحات صفراء وقلوب يقظة احتُفي ببغداد كما لم تُحتفَ مدينة من قبل ، حيث كانت كل مخطوطة قصيدة حب لها وكل ترجمة كانت جسرا يربطها بالعالم وكل فكرة كانت نجمة تضاف إلى سمائها ، لقد كان بيت الحكمة يكتب بغداد ، وبغداد كانت تحفظه في ذاكرتها كسر مقدس
ثم بعد ذلك انطفأ الصوت ، فلم يكن الرحيل مجرد سقوط جدران أو احتراق كتب بل كان صمتا مفاجئا في قلب اعتاد الضجيج المعرفي ، وكأن الزمن تعثر في لحظة ، حتى استيقظت بغداد يوما لتجد أن جزءا منها قد غاب ، فلا يُرى ولا يُلمس ، لكنه يشعر في كل شيء ، وبقيت ظلاله في ذاكرة العالم وأصداءه في كل فكرة ولدت بعده ، بقي في كل كتاب يكتب وفي كل عقل يسأل وفي كل روح ترفض الجهل ، لكنه في بغداد بقي ك ” حنين ” كأغنية ناقصة ، كرسالة لم تصل ، وكنافذة مفتوحة على فراغ ، فبغداد اليوم رغم ضجيجها تبدو كمن يخفي حزنا عميقا ، حزن مدينة فقدت ” مرآتها ” وتمشي في طرقاتها وكأنها تبحث عنه ، عن ذلك البيت الذي كان يشبهها أكثر مما تشبه نفسها الآن ، تُحادث أطلاله بصمت ، وتنتظره كمن ينتظر عودة غائب طال غيابه لكنه لم يُنسَ ، فعلى الرغم من كل شيء لا تزال تأمل أن يعود ، لا كجدران تبنى بل كروح تبعث ، في أن يولد ” بيت الحكمة ” من جديد ، لا من حجارة بل من عقول تؤمن ، وقلوب تشتعل شغفا ، تأمل بلقاء يجمعها به كلقاء الأم بابنها بعد طول فراق بدموع وابتسامة ، وبحزن قديم وأمل لا يموت ، فبغداد مهما تألمت لا تنسى كيف ” تحلم ” ، اما بيت الحكمة فلم يمت ولا يزال دوما في انتظار من يوقظه يوما .













