“الفن والاحتجاج الصامت الصارخ”
هذه اللوحة الفنية للفنانة القديرة ثورية زهران تحت عنوان “مدينتي حب “، ليست مجرد رصد لواقع بصري، بل هي صرخة سوسيولوجية تجسد الصراع بين “الحداثة المادية” و”الأصالة الإنسانية”.
العمل الفني هو صراع الذاكرة والمكان (الاغتراب السوسيولوجي)
تجسد اللوحة مفهوم “تدمير المكان” الذي ارتبط به الإنسان وجدانيا. في السوسيولوجيا، المكان ليس مجرد جدران، بل هو مخزن للذاكرة الجمعية.
الجرافة: تمثل “القوة الخارجية” أو “الحداثة العنيفة” التي تقتحم الحيز الخاص لتفكيك الروابط التاريخية.
الأنقاض: تشير إلى تحويل “الوطن” أو “البيت” إلى مجرد “نفايات مادية”، مما يولد شعورا بالاغتراب لدى الفرد الذي يرى تاريخه يهدم أمامه.
سوسيولوجيا الجندر والجيل (المرأة كرمز للأرض)
اختيار وجه امرأة مسنة لتكون المهيمنة على المشهد (البعد الرمزي) يحمل دلالات عميقة:
الأمومة والأرض: في المخيال السوسيولوجي العربي والشرقي، تربط الأرض بالأم. دموعها ليست حزنا شخصيا فحسب، بل هي “مرثية” لضياع الجذور.
التجاعيد: تمثل الزمن التراكمي، والخبرة، والثبات، في مواجهة “الآلة” الصماء التي لا تملك تاريخا.
الوشاح الأخضر: قد يرمز إلى الخصوبة، أو الهوية الثقافية والدينية التي تحاول الصمود وسط الغبار والدمار.
الصراع بين “التكنولوجيا” و”الإنسان”
تبرز اللوحة فجوة هائلة بين الآلة (النموذج التقني) والإنسان (النموذج القيمي):
الجرافة ملونة بألوان حادة وواضحة، مما يعكس سيطرة المادة وقسوتها.
في المقابل، تظهر المباني والنخيل (عناصر البيئة الأصيلة) وهي تتهاوى، مما يشير إلى اختلال موازين القوى في المجتمع الحديث، حيث تسحق القيم والمواريث تحت عجلات “التطوير” أو “الحرب” أو “التغيير الديموغرافي القسري”.
سوسيولوجيا الألم والاحتجاج الصامت
اللوحة لا تصور معركة حربية بالمعنى التقليدي، بل تصور “الاستلاب”.
الدموع: هي وسيلة احتجاج سوسيولوجية “سلبية” (بمعنى عدم القدرة على التغيير المادي)، لكنها قوية جدا في استنهاض الوعي الجمعي.
نظرة المرأة موجهة مباشرة إلى المشاهد، مما ينقل المسؤولية الاجتماعية من “داخل اللوحة” إلى “المجتمع الواقعي”، وكأنها تسأل عن مصير الهوية في ظل هذا التدمير.
5. رمزية النخلة
ظهور النخلة وهي تقتلع بالجرافة يمثل ضربا للرمز السوسيولوجي للشموخ والصمود والارتباط بالبيئة المحلية. اقتلاع النخلة هو اقتلاع للهوية من جذورها، وتحويل المجتمع من مجتمع “إنتاجي/زراعي/مرتبط بالأرض” إلى مجتمع “مشوه/بلا ملامح”.
الفن الصامت الصارخ هو عنوان هذا التضاد بين “صمت الضحية” وصراخ الرسالة هو ما يمنح اللوحة قوتها التأثيرية، ويحولها من مجرد مشهد توثيقي إلى بيان احتجاجي كوني.
اولا الصمت الوجودي (داخل الكادر)
المرأة في اللوحة لا تصرخ، لا تلوح بيديها، ولا تحاول اعتراض الجرافة جسدياً. هي في حالة استسلام مهيب.
دموعها: هي لغة “ما دون الكلام”، تعبر عن حزن عميق لا تسعه الكلمات. هذا الصمت يجسد العجز التاريخي أمام قوى مادية كبرى، لكنه صمت “ثقيل” يملأ الفراغ حول الجرافة الصاخبة.
الوجه المهيمن: برغم دمار البيوت، يظل وجهها هو الأكبر حجما، وكأن صمتها يبتلع ضجيج المحرك الحديدي.
ثانيا الصراخ السيميائي (بالنسبة للمتلقي)
هنا يتحول الفن إلى أداة استفزاز. الصمت الذي نراه على وجه المسنة يتحول إلى “ترددات عالية” في وعي المشاهد:
صدمة التناقض: رؤية الأنقاض المتهالكة في الأسفل مقابل الوجه النوراني/الحزين في الأعلى تخلق “صرخة بصرية”. المتلقي لا يرى هدم جدران، بل يرى هدم إنسان.
المواجهة المباشرة: نظرة العينين الموجهة نحو المشاهد تجعله “شريكا” أو “شاهدا”. هذا النوع من الفن لا يسمح لك بأن تكون محايدا؛ إنه يصرخ في وجهك: “انظر ماذا يحدث للذاكرة!”.
الفن كـ “مكبر صوت” للضعفاء
ما تفضلت به الفنانة ثريا زهران يصف تماما وظيفة الفن الملتزم. الجرافة تمثل “الضجيج المادي” الذي يحاول طمس الحقائق، بينما تعمل اللوحة كمرشح يمتص هذا الضجيج ويحوله إلى “صرخة ضمير” تصل إلى المتلقي.
الاحتجاج هنا ليس في الفعل المصور، بل في رد الفعل الذي تستفزه اللوحة داخلنا. الصمت في اللوحة هو “هدوء ما قبل العاصفة” في نفس من يتأملها.
بصفة عامة اللوحة تلخص أزمة “الهوية في مواجهة الحداثة القسرية”. إنها تعكس حالة مجتمعات تعاني من ضياع معالمها العمرانية والإنسانية، وتضع “الإنسان” (الممثل في صورة الأم) في مواجهة مباشرة مع “الغول المادي” (الجرافة)، لتؤكد أن المباني قد تهدم، لكن الألم المحفور في الوجوه يظل شاهدا سوسيولوجيا على الحقبة.
فوزية جعيدي
فنانة وباحثة تشكيلية













